العدد 55 - السنة الخامسة – العدد 55 – ربيع الآخر 1412هـ الموافق تشرين الثاني 1991م

الدعوة إلى الإسلام (7)

السؤال الذي يُطرح الآن هو: هل كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم أو قاله أثناء سيره في مكة يعتبر وحياً له من الله، وبالتالي هو واجب الالتزام به؟ أو أن هناك أفعالاً وأقوالاً ليست من الوحي ولا تدخل في مجال وجوب التأسي؟

وهنا يأتي بحث الطريقة الأسلوب والوسيلة.

ويُطرح سؤال آخر أيضاً هو: هل يصح الحكم على الطريقة (التي هي مجموعة أحكام شرعية وليست أساليب) بأنها خاضعة للتجربة، فإن أثمرت بعد تجربتها فترة من الزمن حكمنا بصحتها، وإلاّ كانت خاطئة؟

في شأن الموضوع الأول نقول: أن الله سبحانه وتعالى قد طلب من المسلمين اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي به في كل ما يقول ويعمل. قال تعالى: ]وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى @ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى[ وقال تعالى: ]وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[ و (ما) هي من ألفاظ العموم، وعليه فإنه لا يخرج أي شيء آتانا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي بلغنا إياه) عن دائرة الاتباع والتأسي إلا أن يأتي الدليل الشرعي الذي يخصص هذا العموم.

وقد أتت بعض الأدلة التي تستثني من الاتباع بعض أقواله وأفعاله من مثل:

-حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنتم أدرى بشؤون دنياكم» فأمور الدنيا من مثل الزراعة والتصنيع والاختراعات ودراسات الطب والهندسة، فهذه كلها لا تدخل تحت الوحي. والرسول صلى الله عليه وسلم قد أرشدنا إلى أنه في هذه الأمور هو بشر كغيره ولا ميزة له في ذلك. كما بيّن ذلك صلى الله عليه وسلم في حادثة تأبير النخل.

-الأفعال التي ثبت كونها من خواصة صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها أحد وذلك كاختصاصه بوجوب الضحى وإباحة الوصال في الصوم، وإباحة تزوجه بأكثر من أربع نسوة ونحو ذلك مما ثبت أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا يجوز الاقتداء فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم.

-الأفعال الجبلّية التي من جبلّة الانسان وطبيعته أن يقوم بها. وذلك كالقيام والقعود والمشي والأكل والشرب ونحوه فهذه لا نزاع في كون الفعل على الإباحة بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته.

-إن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان ينفذ الحكم الشرعي، كان يتخذ له الأساليب المختلفة ويستعمل له الوسائل المناسبة فالحكم الشرعي هو حكم الله ويجب تنفيذه. أما الكيفية التي ينفذ بها الحكم الشرعي أي الأسلوب، والوسائل المناسبة لتنفيذ الحكم الشرعي فهي متروكة للرسول صلى الله عليه وسلم كشخص على أن يكون أسلوباً طيباً ووسيلة لا تؤدي إلى الحرام.

فمثلاً قوله تعالى: ]فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ[ هو حكم شرعي يجب تنفيذه. والشرع لم يحدد له كيفية معينة في التنفيذ. فقد صدع الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمر امتثالاً لأمر الله الذي لا يستطيع مخالفته. أما الكيفية التي صدع بها الرسول فلم تكن ملزمة له. وهي بالتالي غير ملزمة للجماعة التي تتأسى بفعله صلى الله عليه وسلم في إقامة دوتله. فإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد وقف على الصفا، أو دعا إلى طعام، أو خرج بالمسلمين في صفين يطوف بهم حول الكعبة. فكل هذه أساليب متعلقة بتنفيذ الحكم الشرعي، أي هي أفعال فرعية متعلقة بالحكم الأصل الذي هو الصدع. فهي على الإباحة من حيث الأصل. ومتروك للجماعة تحديد الأنسب منها من غير تحديد لها من الشرع.

ومثلاً قوله تعالى: ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ..[ فقوله (وأعدوا) هو حكم شرعي يجب التزامه. وهو فرض تحرم مخالفته. والمطلوب هو الإعداد الذي يحقق وجه العلة وهو الإرهاب. أما الوسيلة (رباط الخيل) فهي غير ملزمة. فكل وسيلة تؤدي إلى الارهاب مطلوب إيجادها. والوسائل التي يتحقق بها الجهاد متجددة. وعليه فإن المطلوب هو الوسائل الفعالة في تنفيذ الحكم الشرعي. ووسائل الجهاد وتحقيق الإرهاب لأعداء الله وللمنافقين في يومنا هي من مثل (الطيران ـ المدفعية ـ الصواريخ..) وعليه فالحكم الشرعي هو حكم الله الذي أنصبّ عليه الخطاب مباشرة فهو حكم الأصل.

والأسلوب هو حكم فرعي متعلق بكفيفة تنفيذ حكم الأصل. فهو على الإباحة ومتروك لنا تحديد الأسلوب الأنسب.

والوسيلة هي الأداة التي ينفذ بها الحكم الشرعي وهي على الإباحة أصلاً ومتروك لنا تحديد الوسيلة الأفعل.

وبناء عليه فإن كل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم سوءا ما نزل في مكة أو في المدينة، أكان متعلقاً بالعقيدة أم بالأنظمة، بطريقة السير أم بتطبيق الأحكام الشرعية. فكل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم يعتبر وحياً يدخل في مجال التأسي ما عدا هذه الاستثناءات المذكورة وغيرها من مثلها.

والناظر في سيرة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة يرى أنه قام بأعمال تعتبر أحكاماً شرعية لا يجوز مخالفتها بل يجب التزامها. وكذلك قام بأعمال هي من باب الأساسليب. وأتخذ وسائل لينفذ بها الحكم الشرعي المطلوب منه. ويجب التمييز بين ما يعتبر حكمه من أحكام الطريقة وبين ما هو أسولب أو سيلة حتى تعرف الجماعة ما هو المطلوب منها تحديداً وما هو المتروك لها.

ولا يجوز اعتبار الطريق كلها من باب الأساليب المتروكة لاختيار الجماعة حسب الظروف، أنه سيؤدي إلى اهمال الأحكام الشرعية المتعلقة بالطريق، ويقوم بدلها بأحكام من عند نفسه. ولبيان ذلك نعطي بعض الأمثلة:

-يقول تعالى: ]فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ[ فهذا أمر من الله لرسوله بالجهر بالدعوة. وهذا الأمر يكشف عن وجود حكمين شرعيين: الأول وهو عدم الجهر قبل نزول الآية والثاني هو الجهر امتثالاً للآية. والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مخيراً بين أن يصدع أو لا يصدع. بل يجب أن يطيع حكم الله بالجهر. فهذا حكم شرعي قد بينه الشرع ولم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمره، ويدخل في مجال التأسي. وقوله تعالى: ]بِمَا تُؤْمَرُ[ تدل على أن الآمر هو الله تعالى.

-يقول تعالى: ]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ..[ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف حين طلب منه الأخير أن يستعملوا السلاح في مواجهة شدة الكفار عليهم: «لم يؤذن لنا بعد» ومن ثم نزول قوله تعالى بعد ذلك أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة ]أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ[ كل ذلك يدل على أن القتال لم يكن مأذوناً به ثم أذن به. وأن الذي أذن به هو الله تعالى. فهو حكم شرعي ويجب التزامه. ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله أو لا يفعله عن أمره على أنه كان متروكاً له، بل هو وحي ويدخل في مجال التأسي. فكما كان على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتقيد به. علينا نحن كذلك أن نتقيد به.

-وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين كان يطلب النصرة من القبائل: «يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تخلعوا ما دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتمنعوني (وفي رواية وتنصروني) لأبيّن ما نزل إليَّ من الله للناس» فهو بيَّن في حديثه هذا أن الأمر هو أمر الله. والرسول صلى الله عليه وسلم كان يمتثل الوحي في هذا. وأدل ما يدل على هذا اصرار الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب النصرة رغم كثرة الرفض وشدة الرد وقبحه.

هذه أمثلة تتعلق ببعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالطريقة. أما بالنسبة للوسائل والأساليب التي كان ينفذ بها الحكم الشرعي فنحن غير مطالبين بها على التحديد من حيث الأصل. فنقوم بالأسلوب المناسب والوسيلة الناجحة في تنفيذ الحكم الشرعي.

فالثقافة المركزة كان يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين بدعوته في دار الأرقم، وفي بيوت بعضهم، وفي الشعاب. وهي بحقنا حكم شرعي يجب التزامه. ويتبنى له الأسلوب المناسب. فيختار له أسلوب الحلقات أو الأسر لتعطى فيها الأفكار بشكل مركز. ويعين لها وقت أسبوعي، ويحدد عدد أفراد الحلقة أو الأسرة، ويحدد لها الوقت الذي تستغرقة. كل هذا يكون بالشكل الذي يناسب تركيز الأفكار عند شباب الدعوة المؤمنين بها. وكل هذا متروك لنا، ونحن نحدده بما يتناسب وتحقيق الحكم الشرعي الذي هو إيجاد الثقافة المركزة.

والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه ودعوته على الناس في أسواق مكة وعلى رؤوس الأشهاد، ونحن حين نقوم بذلك نتبنى له الأسلوب المناسب كأسلوب الخطابة أو نشر الفكرة في الدواوين. أو في مناسبات الناس كأفراحهم وأتراحهم. وتتخذ له الوسائل المتاحة كأن يكون عن طريق الكتب أو المجلات أو النشرات أو الكاسيتات، أو بالصوت مباشرة فكلها وسائل مباحة.

وكذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما صعد إلى الطائف ليطلب النصرة، فسواء صعد راجلاً أم راكباً أو أية وسيلة استعملها فهي ليست مجالاً للتأسي. فالوسائل متروكة لنا من غير تحديد الشرع لها.

لذا فإنه يجب علينا أن نعلم أن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم هي أحكام شرعية حددها له الوحي ولم يخرج عنه قيد شعرة ونحن كذلك يجب علينا أن لا نخرج عنها قيد شعرة. وكل ما يتغير هو الوسائل والأشكال والأساليب. فهي مما يتقتضيه تنفيذ الحكم الشرعي. وهي متروكة لنا كما كانت متروكة للرسول صلى الله عليه وسلم.

أن إقامة دار الإسلام هي حكم شرعي، وهناك من يتصوّر أن طريق إقامتها هي بمنزلة الأسلوب، ونحدده نحن من عند أنفسنا. فنقوم بأي عمل يؤدي إلى إقامة دار الإسلام. فنقوم مثلاً بسماعدة الفقراء أو بالدعوة إلى الأخلاق، أو ببناء المدارس والمستشفيات أو ندعو إلى فضائل الأعمال. أو نجاهد الحكام بالقتال أو نقوم بالمطالبة بالمشاركة، فكل هذا خروج عن التأسي به صلى الله عليه وسلم حين كان يمتثل أمر ربه في سلوك الطريق لإقامة دار الإسلام. فكما صدع الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة امتثالاً لأمر الله علينا أن نصدع وإلا كنا من المخالفين. وكما كفَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يده عن القتال ولم يأذن للمسلمين باستعمال السلاح، كذلك نمتثل نحن. وكما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم النصرة نطلبها نحن مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الواقع. وبالإجمال فكما أن خطوات السير كان يحددها الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم فهي لنا محددة. ومخالفتها وعدم الإتيان بها يعتبر مخالفة شرعية.

فنحن في الطريق غير مخيرين، فالشرع قد حدد الغاية لنا، وحدد لنا طريق بلوغها. ولا خيار لنا في ذلك سوى الطاعة.

ومن هنا فإنه ليس إلا للنص الشرعي (قرآن وسنة) مكانة في تحديد خطوات الطريق. ولا نترك للعقل أو للظروف أو للمصلحة أي اعتبار في تحديد أية خطوة.

والنص الشرعي يفهم بحسب مدلوله اللفظي وليس بحسب أهواء الناس وميولهم، بل الميل يتبع الشرع ونحن ملزمون بما يرضي الله سبحانه وتعالى.

وعليه فإن علينا أن نفهم طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم ونلتزمها تماماً كما سار عليها. ونحدد مراحل عمله والأعمال التي تمت في كل مرحلة.

ففي مرحلة التثقيف قام الرسول صلى الله عليه وسلم بأعمال (كالاتصال بالأفراد، وجمع من آمن معه في مكان سري والمداومة على تثقيفهم) فنحن نلتزم أصل هذه الأعمال كأحكام شرعية هي من عند الله ونختار لها ما يلزم من وسائل وأساليب من عند أنفسنا.

وفي مرحلة التفاعل قام الرسول صلى الله عليه وسلم بأعمال (إعلان الدعوة على رؤوس الأشهاد ونزول مئات الآيات التي تهاجم العقائد والعادات الفاسدة، وتهاجم زعماء قريش بأسمائهم أو أوصافهم، عرض نفسه على القبائل) ونحن نلتزم أصل هذه الأعمال كأحكام شرعية. ونضيف إلى أعمال المرحلة الأولى التي هي التثقيف أعمال المرحلة الثانية حيث يتجلى فيها الصراع الفكري والكفاح السياسي وتبني مصالح الأمة على اساس الإسلام وكشف خطط الكفار المستعمرين مع أذنابهم الحكام العملاء. تماماً كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم نختار لهذه الأعمال ما يلزم من وسائل وأساليب من عند أنفسنا.

نعم من تلك الفترة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم فيها في مكة يجب أن يجري التأسي لإقامة دار الإسلام. والرسول صلى الله عليه وسلم عندما سار في هذه الطريق، وقام بأعمال من أجل ذلك، لاقى في طريقه الهوان والاستضعاف الشدة والأذى. وما لانت له قناة، ولا خفَّ له عزم. وكان يأتيه أمر الله فيجهد في تنفيذه. وإنه لبعيد الفهم عن سلوك الطريق الصحيحة من يسمع قوله تعالى: ]فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ[ حيث يأمر الله رسوله بأن يصدع بأمره حصراً، ويرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يصدع بأمر ربه وليس بأمره هو، وبعد ذلك يقول: إن الطريق غير ملزمة. إنها إن لم تكن ملزمة فما حاجة الرسول صلى الله عليه وسلم لمثل هذه المواقف التي وقفها يتحدى فيها الكفار ويتعرض لآلهتهم وزعمائهم ولعاداتهم ولأفكارهم. وكل ذلك بتوجيه القرآن له. كان يستطيع أن يحابي الزعماء ويسترضيهم، أو يتماشى مع عادات قومه الفاسدة ريثما يتمكن منهم ولو فعل ذلك لكان خالف أمر به. فقد نزل القرآن وامتثل الرسول صلى الله عليه وسلم بأمره. وقال الله سبحانه: ]قُمْ فَأَنذِرْ[  وهاجم الزعماء كما سبق بيانه ]تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ[ ]عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ[ ودافع القرآن عن الرسول بقوله: ]مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ[ ووصف حال الكفار بأنهم ]وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ[ وأمره بالصدع وإنذار أم القرى أي مكة وما حولها. ونهاه عن الدعوة بالسلاح هو ومن معه فقد كان القرآن ينزل والرسول يسير بحسبه، وأي حجة بعد هذا لمن يقول بأن الطريق غير ملزمة؟

ومعنى كونها غير ملزمة أنها اختيارية. ومعنى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان باستطاعته أن يخالف أمر الله في ما نزل أو في بعضه لأنه من حيث الصل هو غير ملزم بما كان ينزل. ومعنى ذلك أننا نحن كذلك مخيرون بين سلوك طريق الرسول صلى الله عليه وسلم أو سلوك غيرها. وفي هذا كل البعد عن الفهم الصحيح والتأسي بعمل الرسول ومنهجه في التغيير.

والشبهة التي تنشأ عند البعض آتية من كون الأوضاع القائمة اليوم هي غيرها زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فزمن الرسول صلى الله عليه وسلم كان تقسيم المجتمعات بدائياً (القبائل والعشائر) أما اليوم فالتقسيمات أكثر تعقيداً وتداخلاً، وكانت القبيلة التي هي بمنزلة دولة تعد بالآلاف أما اليوم فإنها تعد بالملايين أو عشرات الملايين، وكانت الدعوة في السابق هي دعوة كفار إلى الإيمان أما اليوم فهي دعوة مسلمين من حيث الأصل لاستئناف الحياة الإسلامية. وزمن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تتدخل الدول الكبرى (الروم والفرس) بدعوة الرسول في مكة. أما اليوم فإن الزعماء مرتبطون بسياسة الدول الكبرى وهم من صنائعها. والدول الكبرى هي التي تكيد للاسلام والمسلمين. وهكذا..

أهل الشبهة لسان حالهم يقول: كيف نأخذ بطريق الرسول صلى الله عليه وسلم وكثير من الأمور قد تغير؟ إن في ذلك جموداً وتحجراً. ونحن غير مضطرين للتقيد به. فالمهم هو تحقيق الأهداف الكبرى للدعوة ألا وهي تطبيق الإسلام عن طريق دولة إسلامية وتحقيق العبودية لله.

ولبيان الفهم الصحيح في أخذ الموضوع نقول بأن الحكم الشرعي ينزل دائماً على الواقع الذي وجد لأجله هذا الحكم. فإذا تغير الواقع تغير الحكم الشرعي المتعلق به. إذا لم يتغير الواقع يبقى الحكم الشرعي كما هو. والعبرة في الواقع هي بصفاته الأساسية وليس بأشكاله المتغيرة.

فالمجتمع هو مجموعة من الناس تؤمن بأفكار مشتركة تتولد عنها مشاعر القبول والرضى لكل ما يوافق هذه الأفكار، ومشاعر السخط والغضب لكل ما يخالفها. ومن ثم يقوم النظام الذي يبطق هذه الأفكار على الناس ويمنع تجاوزها. فيعيش الناس الحياة التي يقتنعون بها ويطمئنون إليها.

إن واقع المجتمع هذا قد يأخذ أشكالاً مختلفة. فقد يكون بصورة بدائية أو بصورة معقدة، فكل مجموعة من البشر تنتظمها الأفكار والمشاعر المشتركة، ويحكمها نظام من جنس هذه الأفكار سواء أخذ شكل القبيلة أو أخذ شكل الدولة الحديثة، وسواء كان يعد بالآلاف أو يعد بالملايين هو مجتمع لأن المواصفات اليت جعلته مجتمعاً موجودة فيه ولم تتغير.

والرسول صلى الله عليه وسلم قد عمل على إيجاد المجتمع الإسلامي وذلك عن طريق إيجاد الأفكار والمشاعر والأنظمة الإسلامية. وقد سلك الطريق الشرعية التي توجد المجتمع الاسلامي. وكانت أعماله تصب كلها في هذا الاتجاه، فقد أوجد في المدينة الأفراد المؤمنين الذين كانوا يشكلون غالبية سكانها وأوجد لديهم الأفكار الأساسية في الاسلام، وتولدت عندهم المشاعر المتجانسة، وعندما هاجر إليهم وأقام النظام تشكل المجتمع الاسلامي. والذي أخذ شكل البدائية في أول أمره ثم تحول إلى مجتمع يحتاج إلى تنظيم وأجهزة.

وأما ما يقال من أن الدول الكبرى لم تكن تتدخل والآن فهي تتدخل وتمنع وصول الإسلام فإننا نقول بأن هذا لا يغير طريقاً بل يزيد الطريق صعوبة. وهذا يتطلب إضافة ثقافة وعملٍ على الدعوة تأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع. فتعمل الكتلة بالسياسة الدولية لكي تحيط علماً بسياسات الدول الكبرى وتفهم ما تخطط لنا وتنفذه بواسطة عملائها وصنائعها حتى يمكننا مواجهته.

وأما ما يقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جل همه الإيمان ولم يكن يتناول إلا القليل من الأحكام. فإننا نقول بأن تناوله للأخكام ولوبشك قليل يدل على طلب الاهتمام بالأحكام الشرعية في الدعوة. مع ملاحظة أن العمل في مكة كان بالدعوة إلى دخول الإسلام أما الآن فإن الدعوة هي بين مسلمين عندهم العقيدة الاسلامية، ونزلت عليهم كل الأحكام الشرعية. وصاروا مسؤولين أمام الله تعالى عن كل الإسلام وليس عن الإيمان فقط. فالمسلم الذي كان يموت في مكة لا يسأل إلا عما أنزل حتى وقت وفاته. أما من يموت اليوم فإن الله سيسأله عن الإسلام كله. لذلك يجب أن تكون الدعوة شاملة وأن تكون دعوة لاستئناف الحياة الإسلامية لأننا لسنا دعوة جديدة ولا ديناً جديداً.

وكذلك فإن الناظر إلى واقع المسلمين اليوم يرى أن مشكلتهم ليست ضيات العقيدة الإسلامية بل فقدان العقيدة الإسلامية لعلاقتها بأفكار الحياة وأنظمة التشريع. فغاضت منها الحيوية. وكل ذلك كان بتأثير الفكر الغربي على المسلمين الذي ترعاه الدول الغربية الكافرة وتعمل على إبقائه وتركيزه عن طريق زرع أنظمة تابعة لها. ووضع برامج التعليم وتسخير وسائل الإعلام من أجل نشر هذا.

فكان لا بد من عرض الإسلام عرضاً صحيحاً كاملاً متكاملاً يظهر فيه أهمية العقيدة والإيمان بأنه الفكر الأساسي الذي تنبثق عنه الأحكام وتبنى عليه الأفكار وتتعين به وجهة النظر في الحياة. ومن ثم عرض لأفكار عن الحياة من خلال هذه العقيدة. وذلك بالتركيز على أن الخالق المدبر هو الله وأن الحكم له وحده. وإليه يرجع أمر الدينا والآخرة. وعندما يفرض على المسلم الإيمان والأحكام يتبين له قوة الحق وحيويته. وكذلك قوة الكتلة في فهم الإسلام والدعوة له وقدرتها على التغيير.

ولذلك فإن الدعوة اليوم هي دعوة مسلمين لاستئناف الحياة الإسلامية. وذلك بإقامة الدولة الإسلامية. ويكون اساس هذه الدعوة هو العقيدة الإسلامية تعطى بشكل سياسي بجعلها مسيرة لجميع الأعمال بحسب أوامر الله ونواهيه.

لذلك فإن ما تغير هو الشكل أما الجوهر فقد بقي هو هو لم يتغير. لذلك لم يتغير حكم العمل لإقامة الدولة الإسلامية. وكذلك لا تتغير طريق الوصول إلى ذلك.

وفي شأن السؤال الثاني هناك من يصف العمل لإقامة الدولة الإسلامية بالتجربة، ويصف الطريق بإنها الخط التجريبي الذي تمر به الدعوة. فهل يصح هذا الإطلاق؟

إن وصف الطريق بالتجربة هو في غير محله. ويعطي مدلولاً غير مطابق لمدلول كلمة «الطريق الشرعية».

إن طريق العمل في الإسلام هي أحكام شرعية تعتمد على قوة الدليل. ويجب على الجماعة الالتزام بها التزامها بالشرع ولا يجوز الحيد عنها طالما رأتها بحقها أحكاماً شرعية. فلا تكون موضع التجربة والاختبار (إن هي حققت الهدف تكن تجربة ناجحة وإلا فهي فاشلة ويجب تغييرها) حتى تجد الطريق التجربة التي من شأنها تحقيق الهدف.

بل أن الطريق الشرعية هي مجموعة من الأحكام الشرعية ـ كما أسلفنا ـ من شأنها أن تحقق غايتها والتي هي استئناف الحياة الإسلامية، وهذه الأحكام تعتمد على قوة الدليل. ويتعبد الله سبحانه بالتقيد بها والصبر عليها طالما أنها أحكام شرعية بحق من يقوم بها. ولا يغيرها إلا إذا تبين له أن هناك دليلاً أقوى في العمل.

والطريق الشرعية يجب أن يظهر فيها التأسي واضحاً بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي بهذا المعيار تختلف عنها عند الذين يعملون بحسب الأنظمة الوضعية حيث يجرب الناس أفهامهم ويختبرون العمل ويربطون النجاح والفشل بتحقيق الهدف أو عدم تحقيقه فقط.

إن طبيعة الأنظمة الوضعية أنها غير نهائية عند أصحابها. وتحتاج دائماً إلى التغيير والتطوير. فأي عمل يقومون به يصح أن يطلق عليه أنه تجربة. وإن قوانين الغرب كلها تجارب. ومعيار صحة الفعل عندهم هو تحقيق الغاية منه فقط. فإن حقق النتيجة كان ناجحاً وإلا فلا. وهذا يختلف عن المسلم لاختلاف طبيعة الإسلام الذي هو منهج رباني من العليم الخبير، فهو صحيح ومكتمل طالما أنه اعتمد على الدليل الشرعي. وصحته آتية من صحة الدليل الشرعي وصحة الاستدلال وليس من ربطه بالنتيجة. لذلك كان التقيد هو الأساس، ومنه ينطلق بالتقييم. وفيما يتعلق بأعمال الطريق فإن النتيجة أي الاستخلاف والتمكين هو تحصيل يجب حصوله لقوله تعالى: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا..[ ولقوله تعالى: ]إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[ وإن لم تحصل النتيجة لا يلغى الطريق أو يستبدل ولا يعلن عن فشله بل يراجع ويعاد النظر في أخكام الطريق. ولا يترك أي حكم شرعي إلا إذا تأكدت الجماعة من خطأ فهمها فيه.وإذا مل يتبين للجماعة خطأ فما عليها إلا الالتزام بما عندها والصبر عليه حتى يأتي الله بأمره. وقد يكون الأمر متعلقاً بسنة تأ×ير النصر التي لم ينج منها الرسل من قبل. قال تعالى: ]حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا..[.

نعم إن العمل شاق ويحتاج إلى جهود ضخمة. ووسائل الجماعة هي أقل بكثير من وسائل الأنظمة التي تواجهها، وإن نجاح العمل ليس مربوطاً بمدة زمنية محددة حتى إذا انقضت ولم يؤت العمل ثماره حكم عليه بالفشل بل هو مربوط بصحة الفكرة وقوة الالتزام من قبل القائمين بها. والتقبل للفكرة بشكل عام من قبل النسا. ومتى اكتملت هذه الأمور يُسأل عن النصر الذي يتوصل إليه عن طريق طلب النصرة. كل ذلك كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وتقدير اكتمال هذه الأمور القطعي متروك لله. وتقدير الجماعة في هذا المجال يكون على غلبة الظن.

فإذا تخققت عوامل النصر جاء، وإلا فهو يتأخر. وتأخره لا يعني وجود خطأ ما بالضرورة بل قد يعني أن نسبة الإعداد والتهيئة غير كافية، ويجب أن تزاد. والتأخير قد يكون من باب الابتلاءء لشباب الكتلة أو الجماعة: أتسقط بعد يأس أم تبقى على العهد، أو يسقط أفراد منها. على كل حال يجب المراجة وفي حال لم تجد الجماعة ما يدعو إلى تغيير طريقها، وتفتش في أساليب عملها ووسائلها التي هي بالأصل مباحة لها وتختار منها الأوفق، وفي حال لم تجد الجماعة ما يدعو إلى تغيير طريقها فلا يجوز التغيير تحت حجة التأخير. وعليه فإن التأخير قد لا يعني فشلاً وليس هناك أدلة شرعية على بلوغ الهدف في مدة زمنية معينة.

نعم يجب أن ينصب النظر على صحة الأفكار والأحكام المتعلقة بالطريق، وبها يعد الشباب، وبها تهيأ الأمة. فإن صحت هذه الأفكار هذه الأحكام بنظر الجماعة وتم اختيار الأساليب والوسائل الناجحة لها، فيجب الصبر عليها ولا يجوز تغييرها مهما تأخر قطاف ثمرها.

إن أمر التغيير يتعلق بأمة وليس بتغيير فرد أو أفراد. ودولاب تغيير المجتمع أكبر بكثير من دولاب تغيير الأفراد. لذلك فحركته أبطأ بكثير. حتى لا يكاد يراها إلا من أوتي بصيرة نافذة وتجهاً صحيحاً. وهذا لا يعني أن الفرد عندما يعمل يجب أن يعمل وفي ذهنه أن هذا الأمر لن يقوم على يديه. وأنه سيقوم على أيدي الأجيال القادمة.بل ينطلق الفرد أو أفراد الجماعة وفي ذهنهم أنه سيقوم على أيديهم وسيشهدونه إن شاء الله تعالى. كما قام على أيدي الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه. بل المقصود أن عمر الفرد الزمني قد يقصر وقد يطول. والوعد لم يأت لفرد أو لأفراد بل للجماعة. فهذه الجماعة المؤمنة هي التي وعدها الله سبحانه بالاستخلاف، وحين العمل قد يموت الفرد. وقد يموت الأمير وقد يسقط الكثير ويبقى الوعد قائماً ما دامت الجماعة قائمة على أمر الله وستحقق النصر على يديها طال أمده أم قصر. فهذا علمه عند الله ولا يسأل عنه. والجماعة مسؤولة عن الالتزام فقط.

لذلك لا يقال عن العمل إنه تجربة. فإن كانت تجربة ملحة وتأخر تحقق هدفها حكمنا عليها بالفشل وتخلينا عنها، لمصلحة عمل آخر تجريبي وإن كان سياسياً أو وعظياً ولم يؤت ثماره من الزاوية نفسها حكمنا عليه بالفشل ورحنا نفتش عن العمل الذي لم نجربه بعد، لكي نجري عليه التجربة ذاتها□

(يتبع)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *