العدد 28 - السنة الثالثة – العدد 28 – محرم 1410هـ، الموافق آب 1989م

الغزو التبشيري في بلاد المسلمين

منذ زمن طويل والغرب يحلم بالتغلب على المسلمين والقضاء على الدولة الإسلامية، ونتيجة للعداء المتأصل في نفوس الأوروبيين للإسلام والمسلمين قامت الدول الأوروبية بالحروب الصليبية. ولكن هذه الحروب الصليبية فشلت، فقامت دول أوروبا بحروب صليبية أخرى عن طريق التبشير. وما كان سبب هذه الحروب إلا قصد محو الإسلام، وبعثت أوروبا الحركات التبشيرية التي كانت تهدف إلى التبشير بالديانة النصرانية وإلى تشكيك المسلمين في دينهم واحتقاره في نفوسهم. وبذلك أوروبا في سبيل ذلك الأموال الطائلة والجهود الضخمة. وبالرغم من أنهم أنفقوا هذه الأموال الكثيرة، ولكنهم لن ينالوا مرادهم بإذن الله، ولسوف يعود المسلمين إلى دينهم، وتعود الدولة الإسلامية وسيذهب عمل المبشرين حسرة. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ).

لقد عانى الأوروبيون كثيراً خلال الحروب الصليبية فقد رأوا من قوة المسلمين وصبرهم على الجهاد ما لم يكونوا يتوقعونه، فكم كانت دهشتهم عظمية عندما رأوا كثيراً من النصارى يحاربون مع الجيش الإسلامي في حين كان الأوروبيون يتوقعون عكس ذلكن أي أنهم ظنوا بأن النصارى سيكيدون للمسلمين وأنهم سيساعدون الصليبيين بحجة أن هذه الحرب هي حرب دينية. وخاب ظن الأوروبيين، ووقف كثير من النصارى بجانب المسلمين وحاربوا معهم. ذلك لأن النظام الإسلامي الذي كان يطبق على النصارى ساوى بينهم وبين المسلمين في الحقوق والواجبات، وضمن لهم حقوقهم. فكانت مساعدة النصارى للمسلمين أمراً طبيعياً، فهم إنما يدافعون عن بلادهم التي فيها أمانهم ومعاشهم.

وقد بحث الأوروبيون عن السر في انتصار المسلمين، وفي وقوف النصارى إلى جانب المسلمين رغم اختلاف دينهم، باعتبار هذه الحروب هي حروب دينية، فوجدوا السر في ذلك هو العقيدة الإسلامية لأنها منشأ القوة في المسلمين، ووجدوا أن الإسلام ضمن للنصارى حقوقهم، فنتج عن هذا التماسك بين الرعية. لذلك فكر الغرب في طريقة يغزو بها العالم الإسلامي، فوجد الغزو التبشيري خير طريق لذلك. لأن التبشير سيكسب النصارى إلى جانب الغرب وسيشكك المسلمين في دينهم ويقربهم من الحضارة الغربية. واستطاعت أوروبا تنفيذ ذلك بالفعل، فأخذت تجند المبشرين للقيام بحملات تبشيرية تمهد للغزو العسكري، أرسلت الحركات التبشيرية إلى البلاد الإسلامية باسم الطب والعلم والإنسانية، بل وأنشأت المدارس التبشيرية والإرساليات الأجنبية، كل ذلك فعلته لغرس جذور الاستعمار في البلاد الإسلامية.

وكانت أوروبا آنذاك تسعى لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول فصل العرب عن الدولة العثمانية المسلمة للإجهاز على دولة الإسلام، والثاني إبعاد المسلمين عن الرابطة الإسلامية. ولقد كانت الدولة العثمانية ترتاب في حركات التبشير، فأخذت تراقب المبشرين وتضيق عليهم، ولما بدأت الدولة العثمانية تضعف مع الأيام زادت الحركات التبشيرية وأخذت الدول الكبرى تتبارى في استخدام المبشرين. وقد كانت أميركا وفرنسا وبريطانيا على رأس المهتمين بالغزو التبشيري، وعلى الرغم من اختلاف مصالحهم وتباين وجهات نظرهم السياسية فقد كانت بعثاتهم التبشيرية متفقة في الغاية وهي زعزعة عقيدة الناشئة الإسلامية ثم تهيئة هذه الناشئة لقبول النفوذ الغربي والاستكانة إلى الاستعمار. وحاولوا بأساليب شتى إنجاح تبشيرهم وتمكين أنفسهم في البلاد الإسلامية لتبشيرها. وأهم الوسائل التي استخدموها ما يلي:

أولاً: التعليم:

يبذل المبشرون والذين هم وراء التبشير، يبذلون الجهود الضخمة لاستخدام العلم والتعليم في سبيل التبشير، ولقد استغل المبشرون التعليم لأنه له أثراً فعالاً، بل هو أقوى وسائل التبشير. وغاية المبشرين من التعليم هي تعليم المسلمين حتى يصبحوا أفراداً مسيحيين وشعوباً مسيحية، فها هو المبشر بنروز يصرح برأيه فيقول: «لقد أدى البرهان إلى أن التعليم أثمن وسيلة استغلها المبشرون الأميركيون في سعيهم لتنصير سورية ولبنان» [التبشير والاستعمار في البلاد العربية]. ويرى المبشرون أن الوسيلة التي تأتي بأحسن الثمار في تنصير المسلمين إنما هي تعليم أولادهم الصغار. وقد أكد ذلك المبشر جون موط فقال: «يجب أن يحمل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم سن الرشد وقبل أن تأخذ طبائعهم أشكالها الإسلامية» [The Moslem Woصلى الله عليه وسلمld of To  ـ Day] وعلى هذا الأساس بدأ المبشرون إنشاء المدارس التبشيرية في البلاد الإسلامية، لإخراج التلاميذ من نطاق التعليم الإسلامية إلى مدى التعليم المسيحي. يقول المبشر «تكلي»: «يجب أن نشجع إنشاء المدارس وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي. إن كثيرين من المسلمين قد زعزع اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنكليزية. إن الكتب الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمراً صعباً جداً» Islam And] Missions] إذاً فهم يسعون بكل جهودهم إلى إبعاد المسلمين عن القرآن الكريم، وتقريبهم من الحضارة الغربية لأن بعدهم عن كتاب الله تعالى سيؤدي إلى ضعفهم وانحطاطهم، ]قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ[.

هذا وكان يطلب من المعلم المبشر أن يكون مسيحياً، بل وأن يكون مسيحياً من كل قلبه، وأن يطبق الحياة المسيحية على المبادئ الاجتماعية والسياسية والدولية. ولهذا كانوا يعتبرون المعلم الأجنبي أفضل من المعلم الوطني، وخصوصاً إذا كان المعلم الوطني مسلماً.

وعندا بدأ المبشرون عام 1834 بفتح المدارس في بلادنا كان معظمهم يقصر التعليم على التوراة، والإنجيل فقط، وعندما جاءت العلوم الحديثة، ولم يبق بالإمكان أن تتجاهل المدارس الأجنبية علوماً نافعة كالرياضيات والكيمياء والفيزياء، لجأ المبشرون إلى سياسة الدس على الإسلام وتشويه التاريخ الإسلامي. فأخذوا يألفون كتباً كثيرة تشوه الحقائق وتتضمن تهجماً على الإسلام. وهنا تستعرض شيئاً بسيطاً من الكتب الكثيرة التي ألفوها ضد الإسلام. فقد جاء في كتاب اسمه «تاريخ فرنسة» كان يدرس لصفوف الشهادة الابتدائية في بعض مدارس الإرساليات الأجنبية ما يلي: «إن محمداً مؤسس دين المسلمين قد أمر أتباعه أن يخضعوا العالم وأن يبدلوا جميع الأديان بدينه هو. ما أعظم الفرق بين هؤلاء الوثنيين وبين النصارى. إن هؤلاء العرب قد فرضوا دينهم بالقوة وقالوا للناس (اسلموا أو تموتوا) بينما أتباع المسيح ربحوا النفوس ببرهم وإحسانهم. ماذا كان حال العالم لو أن العرب انتصروا علينا؟ إذن لكنا نحن اليوم مسلمين كالجزائريين والمراكشيين».

بهذا الحقد والبغض والكراهية يكتب المبشرون الكتب، ويشوهون فيها تاريخ الإسلام، ثم يعلمونها لأبناء المسلمين، لكي يحملوهم على احتقار تاريخهم وعلى تمجيد الغرب وحضارته، واعتبار المسلمين برابرة متأخرين كما هو رأي كل أوروبي. ومع هذا فلن يفلحوا بإذن الله، لأنهم إن أغروا بعض المسلمين بحضارتهم وما عندهم من مغريات، وأعموهم عن الحق في فترة من الزمان، فإن الله تعالى سوف يعيد المسلمين إلى رشدهم ويريهم أن دينهم هو طريق نصرهم. ]وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ[.

ثانياً: التطبيب:

لقد عُنِيَ المبشرون أول ما عنوا بالتطبيب على أنه ميدان فسيح للتبشير. يقول المبشرون: «حيث تجد بشراً تجد آلاماً، وحيث تكون الآلام تكون الحاجة إلى الطبيب، وحيث تكون الحاجة إلى الطبيب فهنالك فرصة مناسبة للتبشير [Milligan]. وهكذا اتخذ المبشرون الطب ستاراً يقتربون تحته وينتشرون من خلاله في صفوف المسلمين. ولم يغب عن ذهنهم أن الطبيب بإمكانه الوصول إلى جميع طبقات المجتمع ففرضوا أن يكون الطبيب نسخة حية من الإنجيل بحيث يصبح باستطاعته أن يغير من حوله وأن يجعل منهم نصارى، أو يترك في نفوسهم أثراً عميقاً. ولقد كان الأطباء المبشرون يفضلون زيارة المريض المسلم، ذلك لأن عدداً غفيراً من المسلمين يجتمعون عند المريض، وحينئذ يستطيع المبشر تبشير أكبر عدد ممكن من المسلمين، إضافة إلى ذلك فقد سخرت مستشفيات الإرساليات الأجنبية لغاية التبشير، ثم إن الخدمات الطبية التي أسدتها هذه المستشفيات لا توازي شيئاً بالنسبة للأضرار الضخمة التي أوقعوها في البلاد.

ثالثاً: الأعمال الاجتماعية:

لقد اهتم المبشرون بالأعمال الاجتماعية، لذلك أخذوا يتعرفون إلى أحوال المسلمين الاجتماعية والاقتصادية، ويتدخلون في الحياة العامة متظاهرين بإصلاح وذلك بالدعوة إلى الرفق بالحيوان والحيلولة دون تشغيل الأطفال، وإنصاف العمال. لكنهم في الحقيقة كانوا ينشرون الفساد في البلاد الإسلامية، فقد أخذت إنكلترا تشحن الخمر إلى الدولة العثمانية لتفتك بالشعوب المسلمة.

واهتم المبشرون بالمرأة المسلمة لأن وصول التبشير إلى المرأة يعني وصوله إلى الأسرة كلها. فأخذوا يزعمون أن المرأة المسلمة متأخرة وأن الدين الإسلامي هو مصدر تأخر وألم للمرأة المسلمة. وصفق المبشرون حينما خرجت المرأة المسلمة من بيتها، لقد نزعت حجابها إلى الهواء الطلق… إلى الحرية والعمل ومشاركة الرجل في حقوقه. لم يصفقوا لها لأنها فعلت ذلك، لكن لأنها أتاحت للمبشرين التغلغل عن طريقها بالأسرة المسلمة، وبدأ المبشرون بإرسال النساء المبشرات ليتصلن بالنساء المسلمات ويبشرنهن.

هذا وإضافة إلى ذلك لاستخدام اللغة العامية بدلاً من اللغة العربية الفصحى، وذلك بهدف هدم اللغة العربية لإبعاد المسلمين عن لغتهم لغة القرآن والحديث والفقه وجميع أحكام الشريعة الإسلامية، ومن ثم لهدم ارتباط المسلمين بدينهم. وأخذوا يزعمون بأن اللغة الفصحى صعبة ومعقدة، وأن المسلمين يجدون فيها صعوبة. وقد لبى الناس هذه الدعوة، دعوة استخدام اللغة العامية، ظناً منهم أنها أفضل وأسهل.

وهكذا استخدم الغرب جميع الوسائل واستغل كل الفرص وسار في طريق شتى، لكي يصل إلى هدف واحد، ألا وهو تبشير المسلمين بالديانة النصرانية، وتشكيكهم في دينهم وزعزعة عقيدتهم، لكي يمكن دوائر الاستعمار الغربي من التمركز في البلاد، ولإخضاع الشرق للاستعمار الغربي وحضارته. ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أو من قلة يومئذ نحن يا رسول الله؟ قال: لا إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل». حقاً إن المسلمين كثر ولكنهم كغثاء السيل. ذلك لأنهم نسوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي».

فلقد فرط المسلمون بهذه الوصية فأصابهم ما أصابهم من الضعف والذل والهوان. ونجح الغرب في تبشيره نجاحاً كبيراً حتى ضعفت الدولة الإسلامية وتفككت ودخلت الحرب العالمية الأولى وخرجت منها مهزومة، فقضي عليها، وحقق الغرب الحلم الذي داعبهم زمناً طويلاً وهو القضاء على الدولة الإسلامية للقضاء على الإسلام والمسلمين. ومع أنهم هزموا المسلمين، ولكنهم لا يزالون يبدون مختلف النشاط ضد المسلمين ولا يفترون عن الطعن في الإسلام وتشويه تاريخه، كل ذلك نتيجة بغضهم وحقدهم على الإسلام والمسلمين. وبزوال الدولة الإسلامية زال تطبيق الأحكام الإسلامية، وضعف المسلمون واختل أمرهم، وساء حالهم بعدما كانوا أسياد الأرض وملوكها.

نجاح ع. فاعور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *