هل يُعدّ الانقلاب العسكريّ من أساليب أخذ الحكم في الإسلام؟ (2)
4 ساعات مضت
المقالات
39 زيارة
أ.بسّام فرحات- تونس
المقوّم الثّالث: تحرّك فئويّ
ثالث مقوّمات الانقلاب العسكريّ أنّه فئويّ، أي تقوم به فئة من الشّعب بقيادة فرد أو مجموعة صغيرة عسكريّة أو مدنيّة بأداة عسكريّة. وفي كلتا الحالتين لا يحتاج تنفيذ الانقلاب إلى عدد كبير من المتآمرين، بل يكفي فيه عدد صغير نسبيّا شريطة أن يكون متحكّما في مفاصل حسّاسة من التسلسل القياديّ للمؤسّسة العسكريّة أو للجزء القويّ منها.
فصناعة الانقلابات لا يقع عبؤها على الوحدات والفرق التي قامت بها، بل على رأس القيادات التي تتّخذ قرار الحركة العسكريّة وتحوّله إلى عمل سياسيّ: فليس من شرطه أن تشاطر الأدوات المنفّذة المنقلِبَ مشروعه أو ولاءاته وتوجّهاته السياسيّة، وإنّما المطلوب منها هو التّنفيذ فحسب. وتتظهّر هذه الفئويّة في شكلين أساسيّين،
أوّلا: أن تكون للحساب الشخصيّ، بأن يتولّى صاحب رتبة عسكريّة عليا بنفسه قيادة الفرقة العسكريّة الموالية له أو التي له عليها سلطة عسكريّة (كتيبة أو لواء أو سريّة أو جيش..) ويقوم بالانقلاب وينصّب نفسه على رأس السّلطة (مثال: طوماسسنكارا في فولتا العليا وإبراهيم تراوري في بوركينا فاسو)، أو أن تضطلع مجموعة من الضبّاط بقيادة الانقلاب ثمّ ترشّح أحد أفرادها للحكم (مثال: الضبّاط الأحرار في مصر، محمّد نجيب ثمّ جمال عبد الناصر).
ثانيا: أن تقع بالوكالة لصالح طرف آخر عسكريّ أو مدنيّ، أي أن يتأخّر المنقلِب ويطلب من قياديّ عسكريّ أو من فرقة عسكريّة ـ سواء أكانت موالية للمنقلِب أم مرؤوسة لقائد الانقلاب – أن تقوم بالانقلاب بالنّيابة عنه وأن تسلّمه مقاليد السلطة وتحميه (مثال أحمد حسن البكر في العراق، والأتاسي في سوريا). وبالمحصّلة فالانقلاب العسكريّ ليس تعبيرا عن تحرّك جماهيريّ ولا تجسيدا لإرادة شعبيّة، بل هو عمل سياسيّ فئويّ فوقيّ مُسقَط بأداة عسكريّة تخطّط له فئة وتنفّذه فئة بمعزل عن الشّعب.
المطلوب إقامة سلطان الإسلام
ولئن كانت العمليّة القيصريّة فئويّة أيضًا ـ تمامًا كالانقلاب ـ أي يكفي فيها استقطاب المتحكّمين في المفاصل الحسّاسة من التسلسل القياديّ لجزء من الجيش بما يمكّنهم من تحريكه، إلّا أنّ هذه الفئويّة تتظهّر عمليّا بشكل يختلف حكمًا وواقعًا عن الانقلاب: فحزب التحرير لا يتبنّى العمل المادّي، ويقتصر في حمل الدّعوة على الفكر وحده، أمّا العمل العسكريّ المسلّح فلا يجوز له أن يعتمده، ولو لإزالة منكر الحكّام أو تسلّم حكم، ولا يصحّ أن يقوم إلّا بالأعمال الفكريّة والأعمال السياسيّة. وعليه فالحزب لا يطلب النّصرة من نفسه، أي لا يشكّل من شبابه مجموعة عسكريّة مسلّحة ينتصر بها ويوكل إليها أمر العمليّة القيصريّة، بل يطلب من أهل النصرة أن ينصروه ويسلّموه الحكم بوصفهم أهل القوّة والقدرة.
وهذا حكم شرعيّ من أحكام الطّريقة لا نملك مخالفته: فالرّسول ﷺ اقتصر في دعوته على الأعمال الفكريّة والسياسيّة ولم يثبت في حقّه أنّه قام في المرحلة المكيّة بأعمال مادّية عسكريّة رغم قدرته على ذلك. هذا على مستوى الجهة التي تُطلب منها النّصرة والاضطلاع بالعمليّة القيصريّة، أمّا على مستوى واقع النصرة وعمليّتها القيصريّة، فهي لا تتمثّل في طلب طرف (فردًا كان أو مجموعة من أفراد) أن يحملوا السّلاح ويقاتلوا ليسلّموه الحكم، سواء أشاركهم القتال أم لا: فالمسألة ليست استخدام عصابة مسلّحة أو توظيف جيش مأجور أو تسخير فرقة عسكريّة صمّاء بكماء تنفّذ الأوامر دون تفكير في القيام بأعمال ماديّة مسلّحة وتسليمه الحكم. وإنّما هي طلب كتلة سياسيّة تحمل مشروعًا سياسيًا من جهة قويّة نافذة منيعة متبنّية لمشروعها السياسيّ مستعدّة للتّضحية في سبيله أن تنصرها كي تأخذ الحكم، بمعنى أنّها طلب من حزب سياسيّ موجّه لمؤيّديه ومناصريه ممّن لديهم الثّقل السياسيّ والقدرة على النصرة كي يستعملوا ثقلهم وقدرتهم لإزالة الحواجز المادّية التي تحول دون أخذ الحزب للحكم. فالمطلوب هو إقامة سلطان الإسلام من طريق من ينصر الإسلام وينصر الحزب وليس مطلق تسلّم حكم، وهذا تحديدًا ما فعله الرّسول ﷺ: فقد كان يعرض نفسه بوصفه نبيّا مرسلًا ويعرض الإسلام ـ بوصفه عقيدة ومبدأ ومشروعًا سياسيًا ـ على قبائل العرب، فإن صدّقوه وآمنوا به يطلب منهم النصرة، وإنّ الاقتداء به ﷺ يقتضي أن نفعل مثل فعله على وجهه من أجل فعله.
المقوّم الرّابع: تحرّك سرّي
رابع مقوّمات الانقلاب العسكريّ أنّه سرّي: فبحكم فئويّة القرار والهدف وفقدانه للمشروعيّة الدستوريّة والقانونيّة وكونه مسقَطًا على الشّعب وعلى المؤسّسة العسكريّة، فإنّ الحدث الانقلابيّ يستلزم قدرًا عاليًا من السرّية والتكتّم، إن في كلّياته أو في جزئيّاته وتفاصيله ـ مع الانضباط والحذر والتوجّس والصمت المطبق حتّى عن الأدوات المنفّذة، وذلك؛
أوّلًا: لضمان حياد المجموعة المنفّذة وسواد الجيش ـ الذين قد لا يشاطرون الانقلابيّين أهدافهم ـ وضمان انصياعهم للأوامر العسكريّة،
ثانيًا: لتجنّب العزل قبل التنفيذ فيفقد الانقلابيّون شرعيّة وجودهم على رأس المؤسّسة العسكريّة وبالتالي قدرتهم على المناورة وتسخير القوّات العسكريّة،
ثالثًا: لتلافي تسرّب المعلومة للسّلطة القائمة أو للجهة الأجنبيّة المتحكّمة فعليًا في البلاد فتستبق التحرّك وتفشله،
رابعًا: لضمان مباغتة الشّعب ومفاجأته ووضعه أمام الأمر الواقع، فيعجز عن أخذ أيّ موقف ويرضى ويستكين.
فالخديعة والمكر والمناورة والسرّية المطلقة من سمات الانقلابات العسكريّة الأساسيّة، ومن مصلحة الانقلابيّين عدم الإفصاح عن أهدافهم ـ لا سيّما في ظلّ الصّراع الدوليّ على النّفوذ والمصالح والثّروات ـ فتتحرّك القوّات المسلّحة بموجب أمر مجهول الهدف أو بهدف صوريّ أو غير حقيقيّ يمكّن القيادة العسكريّة من سرعة التّنفيذ ونجاعته. لذلك يسارع الانقلابيّون حال نجاحهم إلى كسر هذا التعتيم والقطع مع الشّائعات والتّرويج لوجهة نظرهم ورؤيتهم للأحداث، وذلك بنشر البيان الانقلابيّ وما يليه من بيانات عبر المحطّات الإعلاميّة المحلّية والدوليّة وفي الصحف الرسميّة بما يجعل له رأيًا عامّا بَعديّا ويسبغ عليه شرعيّة قانونيّة دستوريّة مفترضة.
سياق سياسيّ لا إسقاط عسكريّ
أمّا العمليّة القيصريّة فلئن كانت سرّية فئويّة على غرار الانقلاب العسكريّ، إلّا أنّ مناطها يختلف عنه جذريًا وجوهريًا: فهي تتّفق معه في سنّة اجتماعيّة كلّية لا تتبدّل ولا تتغيّر مادام جنس الإنسان ومجتمعاته البشريّة موجودة، وهي وجوب الاستناد إلى قوّة مادّية لإقامة السّلطان أو خلعه، لكنّها تختلف معه في حيثيّات هذه السنّة وتفاصيلها وتنزيلها عمليّا على أرض الواقع: فهي سرّية مثل الانقلاب، ولكنّ سرّيتها ليست نابعة من فقدانها للمشروعيّة الدستوريّة والقانونيّة، بل مردّها إلى الحرص على نجاح العمليّة وإحباط إمكانيّة فشلها ووأدها في مهدها من باب (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان). لذلك فالعمليّة القيصريّة سريّة في جزئيّاتها وحيثيّاتها وتفاصيل تنفيذها (الأشخاص والمكان والزّمان والتوقيت والكيفيّة)، ولكنّها علنيّة في إرهاصاتها ومقدّماتها: فهي ليست عملًا مخابراتيّا مدبّرًا بليل في أقبية السّفارات ودهاليزها، فقد انعقد حول مشروعها الفكريّ السياسيّ رأي عامّ منبثق من وعي عامّ في الأمّة، ووجدت له قاعدة شعبيّة، والكلّ يعلم أنّ الحزب يطلب النّصرة لأخذ الحكم بوصفه طريقة لتطبيق ذلك المشروع. بل إنّ المؤسّسة العسكريّة نفسها تعلم أنّ هناك طرفًا سياسيًا يطرق بابها ويخطب ودّها وتعرف مشروعه، كما أنّ الجنود المنفّذين يجب أن يكونوا واعين وراضين بما هم مقدمون عليه باعتباره أمّ الفروض وأوكد الواجبات في حقّهم.
وبالمحصّلة فإنّ العمليّة القيصريّة عمل سياسيّ بأداة عسكريّة يتوّج مسارًا كاملا من الكفاح السياسيّ والأعمال الفكريّة والسياسيّة في صلب الأمّة، وليست إسقاطًا عسكريًا عليها. بخلاف الانقلاب، فهو بوصفه عملًا مخابراتيًا استعماريًا لا دستوريًا، يتطلّب السرّية المطلقة حتّى عن أدوات التّنفيذ فضلًا عن الأمّة ـ إن في إرهاصاته ومقدّماته أو في حيثيّاته وتفاصيله ـ بما يتطلّبه ذلك من الخديعة والمكر والمناورة والتّخابر والخيانة..
المقوّم الخامس: تحرّك مطلبيّ
خامس مقوّمات الانقلاب العسكريّ أنّه تحرّك مطلبيّ، أي إنّ دافعه وهدفه جزئيّ مطلبيّ لا يتعدّى تغيير طاقم الحكم لفشله في جزئيّات اقتصاديّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة؛ فالانقلابيّون ليسوا أصحاب مشروع مبدئيّ يروم تغيير عقيدة الدولة وبناء الحكم فيها على فكرة جديدة تنهض بالشّعب، أي إنّهم لا يعملون على تسلّم السّلطة من حيث هي طريقة لإيجاد ما يتبنّونه من أفكار في المجتمع. وقصارى ما يمكن أن يقوموا به إذا نجحوا بعض التّرقيعات الجزئيّة الشكليّة، على غرار إعلان الأحكام العرفيّة أو تعديل الدستور أو إلغاء تعديل معيّن فيه.
فباستقرائنا لتجارب حزام الانقلابات غرب إفريقية جنوب الصّحراء نلمس دون عناء أنّها تشترك في نفس المحفّزات (تدنّي المؤشّرات الحقوقيّة وفقر وبطالة وظروف اجتماعيّة سيّئة وضغوط ديموغرافيّة وأزمات مختلفة وفشل سياسيّ وعقم اقتصاديّ واحتكار الثّروات من قبل النّخبة الحاكمة وفساد ومحسوبيّة وغياب العدالة وانعدام الشّفافيّة وضعف الكفاية في المسؤولين وجريمة منظّمة والإرهاب والحركات الجهاديّة وعرقلة التداول السّلميّ على السّلطة..). وهذه المحفّزات الجزئيّة المطلبيّة وإن كانت في حقيقتها تعلّات وشمّاعات وغطاء لصراع دوليّ شرس بين القوى العظمى على ثروات القارّة ومقدّراتها (أمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصّين) إلاّ أنّها واقع معيش في تلك المنطقة ومشاكل حقيقيّة تعاني منها إفريقية وتتطلّب علاجا فوريّا يبرّر الحركات الانقلابيّة.
فالانقلابات العسكريّة لا علاقة لها بالمبادئ والعقائد والأفكار الكلّية بخلاف الثّورات: فإنّ مطالبها مبدئيّة كلّية تستهدف منظومة الحياة برمّتها، فهي انقلاب كلّي وتغيير جذريّ في الحياة ومطالبها تتجاوز التفاصيل الجزئيّة لتطال القواعد الفكريّة التي انبثقت منها تلك الجزئيّات الفاسدة (الثّورة الفرنسيّة والثّورة البلشفية والثّورة الثقافيّة الصينيّة). وهي منذورة للنّجاح إذا ما اتّخذت بالأسباب السياسيّة والسنن الاجتماعيّة، أمّا في حال فشل التحرّك العسكريّ الذي يتوّج مسارها السياسيّ والشّعبيّ فهذا مؤشّر على كونها مجرّد انتفاضة شعبيّة غير واضحة الهدف تنقصها الحاضنة الشعبيّة الحقيقيّة وليس لمطالبها رأي عامّ كاف. فالانتفاضات – وإن كانت شعبيّة في واقعها علنيّة محدّدة الهدف – يكون تحرّكها غير ناضج ولا مدروس ولا مبلور، كما تتخلّلها الأغراض الشّخصيّة والأطماع الفئويّة، فهي مجرّد ردّ فعل غريزيّ على واقع متردّ وتحرّك عشوائيّ غير منظّم ولا منضبط، فيكون مآلها الفشل الذّريع.
تغيير عقيدة الدّولة
في المقابل فإنّ العمليّة القيصريّة ليست مجرّد تحرّك مطلبيّ هدفه جزئيّ لا يتعدّى تغيير الولاءات الاستعماريّة وطاقم الحكم بإيعاز من القوى الكبرى المتنافسة مستغلّا امتعاض النّاس من فشلهم في جزئيّات الحكم، بل هي أسلوب لإيصال مشروع سياسيّ جديد إلى الحكم: فقضيّة حزب التحرير تتمثّل في بعث الحياة في العقيدة الإسلاميّة عند المسلمين، وهدفه أن يقيم الحكم على الفكرة الإسلاميّة التي تعتنقها الأمّة. وبذلك فإنّ مشروعه مبدئيّ عقدي كلّي يستهدف منظومة الحياة برمّتها ويروم تغيير عقيدة الدّولة وبناء الحكم فيها على فكرة كلّية تنهض بالشعب: فالعمليّة القيصريّة تفضي إلى كنس عقيدة فصل الدّين عن الحياة وتحكيم العقيدة الإسلاميّة في الحكم والعلاقات وجميع منظومات الحياة، أي تفضي إلى تطبيق شرع الله على أنقاض الديمقراطية الرأسماليّة.
فهي تغيير جذريّ يتجاوز الترقيعات الجزئيّة ليستهدف المرتكزات العقدية المبدئيّة التي أفرزت تلك الجزئيّات الفاسدة، ومن الطبيعيّ أن يشمل هذا الاستهداف حَمَلَة تلك المرتكزات والقائمين على تطبيقها سواء من الحكّام أم من النخب الفكريّة. ورغم التقائها في نقطة (التغيير الجذريّ المبدئيّ) مع الثّورة بمفهومها السوسيولوجيّ (تحرّك شعبيّ لتغيير صفة الدّولة ومبدئها بأداة عسكريّة) فإنّها تبقى ثورة مخصوصة متميّزة متفرّدة مختلفة عن سائر الثورات، لذلك يجب تمييزها بصفتها العقائديّة فنقول (ثورة إسلاميّة). أمّا مردّ تميّزها وتفرّدها فيكمن في الوعي العام: فالثّورات الكبرى التي غيّرت مجرى التّاريخ (الثّورة الفرنسيّة والثّورة البلشفيّة) – رغم أنّها تغيير جذريّ كلّي علنيّ غير مطلبيّ – اعتمدت على الرأي العامّ الجافّ وركبت امتعاض الشّعوب من واقع متردّ لتوصل وعيًا نخبويّا إلى سدّة الحكم على أكتافهم، فالوعي العامّ فيها بَعديّ وليس قبليّا، أي إنّه اصطناع من النّظام الثوريّ بعد قيامه ثمرةً لقوّة تحكّمه بالسّلطة، وليس مطلبا شعبيّا ولا تعبيرًا عن سلطان الأمّة.
المقوّم السّادس: تحرّك فجائيّ وفوريّ
سادس مقوّمات الانقلاب العسكريّ أنّه فجائيّ وفوريّ، أي إنّه قائم بذاته ويُختزل في الحدث الانقلابيّ بحدّ ذاته دون مقدّمات أو حيثيّات مسبقة: فمن مقتضيات السرّية في التنفيذ والتكتّم على الهدف الحقيقيّ أنّ الفعل الانقلابيّ فجائيّ ليست له إرهاصات علنيّة واضحة ولا أعمال سياسيّة أو عسكريّة سابقة له. فهو ليس تتويجًا لسيرورة سياسيّة أو عسكريّة ظاهرة يكلّلها ويقطف ثمارها، بمعنى أنّه ليس جزئيّة أو مرحلة نهائيّة من جملة مراحل وأشواط قُطعت، سواء على المستوى السياسيّ وعلى المستوى الشّعبيّ. فغاية الانقلاب العسكريّ هي اغتصاب الحكم فحسب، أي إنّه لا ينظر إلى الحكم بوصفه عملًا من أعمال بناء الدّولة لأنّه لا يروم إقامة الحكم على فكرة كلّية معيّنة بما يقتضيه ذلك من كفاح سياسيّ طويل وأعمال فكريّة وسياسيّة في صلب الشّعب تسبق أخذ الحكم وتُتوَّج به، على غرار إفهام الفكرة وإيجاد التجاوب معها وتركيز رأي عامّ ووعي عامّ حولها وبناء قاعدة شعبيّة لها.
ولأنّهم لم يأخذوا السّلطة سلطانًا ذاتيّا من مظانّها حيث تكمن طبيعيًا (الشّعب أو أقوى فئة فيه) يحرص الانقلابيّون:
أوّلا: على عدم استهداف أيّ طرف سياسيّ أو اجتماعيّ بعينه خلال الأيّام الأولى، مع توزيع الأمل على الجميع بخطاب سياسيّ عامّ وغائم يرضي الكلّ ولا يسخط أحدًا خصوصًا الذّين يمثّلون خطرًا محتملًا (باقي مكوّنات الجيش والأحزاب والنقابات والصحفيّون ورجال الأعمال ورجال الدّين).
ويحرصون ثانيا: على انتقاء عناصر من النّظام القديم وتحييدهم أو التحالف معهم مؤقّتًا تخفيفًا من صدمة التغيير المفاجئ عليهم وعلى أتباعهم، وهي رسالة سياسيّة قويّة بعدم جدوى الدفاع عن نظام تخلّى عنه أقرب المقرّبين إليه.
كما يحرصون ثالثا: على كسب ودّ الطّبقة المتوسّطة المتعلّمة ممّن لم يستفيدوا من النّظام البائد، لأنّ تعليمهم يجعلهم مؤهّلين للمساندة الفعّالة، وحرمانهم يعطيهم دافعًا نفسيّا لها. وكونه قائمًا بحدّ ذاته ومختزلًا في حيثيّاته فإنّ الحدث الانقلابيّ يجب أن يكون فوريّا مختزلًا في الصدمة العسكريّة الأولى ينجح بنجاحها ويفشل بفشلها: ففشل الصدمة الأولى يكون مؤشّرا على فشل التحرّك، وقد يفتح البلاد على مصراعيها على انتفاضة شعبيّة أو حرب أهليّة دمويّة أو تمرّد عسكريّ قد يفشل أو ينجح.
فالعمل العسكريّ بمثابة الطّريقة، أي الكيفيّة الدائميّة للظاهرة الانقلابيّة، لذلك ففي غيابه أو الاستغناء عنه يتغيّر مناط الحدث وواقعه ليصبح (انقلابًا أبيض) أي انقلاب من داخل أجهزة الدّولة بأدوات سياسيّة لا عسكريّة. أمّا العمليّة القيصريّة فهي أسلوب لأخذ الحكم قد يُعتمد وقد تولد الدّولة بغيره حسبما يمليه واقع نقطة الارتكاز.
بناء دولة لا تَسَلُّم حكم
إنّ العمليّة القيصريّة ليست عملا فجائيّا فوريّا قائما بحدّ ذاته مختزلًا في الفعل العسكريّ على غرار الانقلابات العسكريّة، بل هي عمل سياسيّ بأداة عسكريّة له إرهاصات علنيّة وحيثيّات سابقة وتداعيات لاحقة تتوّج سيرورة سياسيّة ظاهرة مكشوفة وتقطف ثمارها بوصفها جزئيّة ومرحلة نهائيّة من جملة أعمال وتحرّكات وأشواط قُطعت على مستوى الأمّة لبعث الحياة في العقيدة الإسلاميّة وتصحيح الأفكار والمفاهيم والقناعات وتنقيتها من شوائب الديمقراطية وأدران وجهة النظر الغربيّة في الحياة:
فتسلّم الحزب المبدئيّ للحكم يختلف عن أخذ الحكم من حيث هو، إذ يقتضي إيجاد قاعدة شعبيّة أوّلا قبل توفّر القوّة المادّية، لأنّ تبنّي الأمّة لمشروع الحزب وانعقاد رأي عامّ منبثق من وعي عامّ حوله شرط أساسي وأمر جوهريّ لنجاحه في تحقيق غايته. فقضيّتنا ليست مجرّد تسلّم حكم فحسب، بل قضيّتنا بناء دولة ببعث الحياة في عقيدة رعاياها المفترضين المسلمين، فإذا تحقّق ذلك وحصل التّجاوب مع الأمّة يأتي تسلّم الحكم طبيعيّا.
ويتأكّد هذا المنحى أوّلا من حيث واقع الدّولة المنشودة: فهي كيان قائم على الفكرة الإسلاميّة التي يتبنّاها الحزب جهازًا تنفيذيًا لما انبثق منها من مفاهيم ومقاييس وقناعات، ولبناء هذا الكيان بناء سليمًا متينًا لا بدّ من صهر الأمّة في بوتقة الحزب بإرساء رأي عامّ منبثق من وعي عامّ حول تلك الفكرة وإيجاد القاعدة الشعبيّة التي تحتضنها هي وحَمَلَتَها. فالدّولة هي الأمّة بحيث إذا وُجدت فكرة الدّولة في الأمّة فقد قامت الدولة، أمّا الحكم فهو عمل من أعمال بنائها وأمّا العمليّة القيصريّة فهي أسلوب لولادتها لا لإقامتها.
ويتأكّد ثانيًا من حيث واقع النّهضة المنشودة: فالنّهوض بالمجتمع لا يعني اغتصاب الحكم بانقلاب عسكريّ ثمّ إقامته على الفكرة الإسلاميّة، فهذا لا يحدث نهضة، بل يعني إفهام الأمّة الفكرة الإسلاميّة المراد إنهاضها بها وجمعها على السير بها في معترك الحياة، ثمّ يؤخذ الحكم ليقام عليها، فالحكم طريقة للنهضة إذا أُقيم على الفكرة.
ويتأكّد ثالثًا من حيث واقع الحكم: فاغتصاب الحكم وأخذه مُسقَطًا على الأمّة لا يُرسي حكمًا إسلاميًا ولو طُبّقت الشّريعة، ولا يزوّده بأسباب الصّمود والثّبات، فلا يلبث أن يُقتلع أو يفقد صفته الإسلاميّة تحت ضغط الشارع والأعداء. أمّا الضمانة الحقيقيّة لثبات الحكم وديمومته فهي العمليّة الصهريّة والقاعدة الشعبيّة: ففوق كونها الأساس الذي يستند إليه الرأي العامّ والوعي العامّ، فإنّها هي التي تحفظ الدولة والأمّة وتصون الإسلام وتركّز أفكاره في المجتمع وتضمن إحسان تطبيق أحكامه.
بهذه الكيفيّة تكون دولة الخلافة تعبيرًا حقيقيّا عن سلطان الأمّة وتحقيقًا صادقًا لرغبتها في العيش بالإسلام، فتولد قويّة منيعة مطمئنّة على جبهتيها الدّاخليّة والخارجيّة، بشوكتها المهيبة وسمعتها المدوّية والتفاف الأمّة حولها ما يوفّر لها أسباب الصّمود والثّبات والاستقرار والانتعاش لا سيّما بإزاء صدمة القيام الأولى وتكالب الكافر المستعمر عليها. لذلك فإنّ فشل العمليّة القيصريّة في أخذ الحكم ـ فضلًا عن كونه مستبعدًا ـ لا يعني البتّة فشل التحرّك على غرار الانقلابات العسكريّة: فخسارة موقعة لا يعني خسارة الحرب، كما ولا يعني تغيير مناط الفعل العسكريّ من انقلاب إلى تمرّد على غرار الانتفاضات الشعبيّة غير النّاضجة، لأنّ الرأي العامّ المنبثق من وعي عامّ والحاضنة الشعبيّة تُبقي جذوة التحرّك مشتعلة إلى أن تقام الدولة.
وبالمحصّلة
نخلص بعد هذه الدّراسة المقارنة وبكلّ ثقة إلى أنّ الانقلاب العسكريّ والعمليّة القيصريّة اصطلاحان سياسيّان مختلفان بالوضع ـ مناطًا ومقوّماتٍ ودلالةً ونواميس ـ بما ينعكس وجوبًا على الشحنة المعنويّة لكلّ منهما. فلئن كان العمل العسكريّ الذي يُقام عليه أو يُتوّج به الفعل السياسيّ هو القاسم المشترك بين الظاهرة الانقلابيّة والعمليّة القيصريّة، فهذا لا يعني البتّة أنّهما داخلان كلاهما في دائرة الانقلابات العسكريّة: فكلّ واحد منهما اصطلاح سياسيّ قائم بحدّ ذاته، تواضع عليه علماء الاجتماع السياسيّ والعسكريّ وفقهاء الشرع والقانون، وإن تشابها واشتركا في بعض حيثيّاتهما وتفاصيلهما:
فإلى جانب كونه مصطلحا ذا شحنة سلبيّة مفتوحة على الفوضى والهمجيّة ومخالفة الدّستور وتجاوز القانون وبالتّالي الوصم بالدّكتاتوريّة واللاّشرعيّة، فإنّ مقوّمات الانقلاب العسكريّ تنطق صراحة بمناقضته للعمليّة القيصريّة بما يجعلنا نجزم بأنّه ليس من الأساليب التي يُتَسَلَّم بها الحكم في الإسلام: فمناط الانقلاب العسكريّ مختلف تمامًا عن مناط العمليّة القيصريّة، ولا يجوز لنا شرعًا تنزيل حكم على غير مناطه. فأخذ الحكم بانقلاب عسكريّ يعني أن نغتصب الحكم دون تتويج طبيعيّ لسيرورة من الكفاح السياسيّ في صلب الأمّة، أي دون أن ينعقد الرأي العامّ المنبثق من الوعي العامّ ودون أن توجد الحاضنة الشّعبيّة وأن تقع العمليّة الصهريّة، وهذا إلى جانب كونه مخالفًا للطّريقة هو عقيم عمليّا: فكما أنّ المرأة الحامل لا تُجرى لها عمليّة قيصريّة إلّا في حال اكتمال الجنين وانقضاء مدّة الحمل وظهور بوادر الولادة مع وجود عائق معيّن يحول دون خروج الجنين بشكل طبيعيّ ويهدّد بهلاكه هو وأمّه، فكذلك العمليّة القيصريّة لأخذ الحكم لا نلتجئ إليها إلّا إذا تأكّد حصول التجاوب بين حملة الدعوة والمجتمع، وأنّ الدولة تكوّنت في أحشاء الأمّة ولم يبق على استكمال بنائها إلّا أخذ الحكم، لكن السند الخارجيّ غير الطبيعيّ حال دون ذلك، ما مكّن للعملاء وعسّر ولادة الدولة.
هذا الاستنتاج النهائي كان ثمرة لسيرورة فكريّة تصاعديّة ارتقائيّة متلبّسة عمليّا ميدانيّا بحمل الدّعوة مستنيرة نظريّا وفكريّا بالسيرة النبويّة العطرة، حيث فرق الحزب بين أسلوب أخذ الحكم وطريقة إقامة الدّولة، واعتبر صراحة في نشرة (قضيّتنا ليست استلام حكم.) بتاريخ 1968 أنّ إقامة الحكم على فكرة الإسلام لا تعني القيام بانقلاب عسكريّ، ليردفها بنشرة أخرى (مفاهيم متبنّاة) سنة 1970 صرّح فيها بأنّه لا يريد أن يتسلّم الحكم من طريق انقلاب عسكريّ، بما يُقصيه نهائيّا من قائمة أساليب أخذ الحكم وبالتّالي من دائرة العمليّة القيصريّة. انتهى
1448-04-30