حكّام باكستان سلّموا أنهار الأمة إلى العدو الهندوسي ولا يستردها إلا نظام الخلافة
7 ساعات مضت
المقالات
55 زيارة
محمد عبد الله – كشمير المحتلة
إن معاهدة مياه نهر السند لعام 1960 هي معاهدة لتوزيع المياه بين الهند وباكستان بوساطة البنك الدولي. وكانت تقسيماً استعمارياً لموارد المياه التي تمنح الحياة، صُمّم لإبقاء الدولتين القُطريتين اللتين نشأتا بعد الاستعمار داخل المنظومة الاستعمارية الغربية، وتحت التبعية السياسية.
شريان الحياة المسروق: كيف سلّم قادة باكستان المياه للهند
في 19 سبتمبر/أيلول 1960، في كراتشي، وقّع نظام أيوب خان، خضوعاً لواشنطن والبنك الدولي، معاهدة مياه السند. ومُنحت باكستان «السيطرة» على الأنهار الغربية: السند، وجيلم، وتشناب، بينما مُنحت الهند حق الاستخدام غير المقيّد للأنهار الشرقية: رافي، وبياس، وستلج. لكن الأهم أن الهند مُنحت حق بناء سدود «جارية النهر» على الأنهار الغربية.
وكان هذا التصنيف كارثة منذ لحظة جفاف الحبر على الاتفاق. وسرعان ما خنقت الهند الأنهار الشرقية خنقاً كاملاً. فالسدود: بهاكرا على نهر ستلج، وبونغ على نهر بياس، وثين أو رانجيتساغار على نهر رافي، خفّضت تدفق هذه الأنهار إلى ما يقارب العدم. وبخنق هذه الأنهار الشرقية، خسرت باكستان كمية هائلة من المياه. لقد كان ذلك «صفقة غير متكافئة، واستسلاماً تحت بريق المساعدات الأميركية». ولم يستسلم القادة العملاء بسبب الضعف، بل بتواطؤ مع القوى ذاتها التي ترى الأمة الإسلامية مجرد بيادق تحركها كيف تشاء.
إن حوض نهر السند، الذي يعتمد على الأنهار الغربية الثلاث وفق معاهدة مياه السند، هو قلب باكستان النابض. فهو يروي أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في البلاد، ويدعم الزراعة، ويولّد جزءاً كبيراً من الطاقة الكهرومائية. ويعتمد عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة قرابة ثلثي سكان باكستان البالغ عددهم 240 مليون نسمة. ويزيد الأمرَ سوءاً تقلّصُ قدرة التخزين إلى مستوى كارثي؛ إذ لا تكاد تكفي إلا لنحو 30 يوماً من متوسط التدفق، مقارنة بالتوصيات العالمية التي تتجاوز 120 يوماً. كما فقدت خزانات تربِيلا ومانغلا وتشاشما ما بين 22% و37% من قدرتها بسبب تراكم الطمي، مع توقع مزيد من التراجع. وانخفض نصيب الفرد من المياه من أكثر من 5,000 متر مكعب عند تقسيم الهند إلى نحو 1,000–1,200 متر مكعب اليوم، مقترباً من حدّ الندرة المطلقة.
عقود من الوهم والتفريط
على مدى عقود، ساد فصل مظلم كذَبَ فيه القادة الخونة بالقول إن معاهدة مياه السند لا يمكن انتهاكها. ولذلك استمرت المعاهدة نافذة حتى بعد صراعات كثيرة، بما في ذلك حروب 1965 إلى 1971. فمن كارجيل إلى الضربات الجراحية، استمرت الأنهار في الجريان. لكن هذه الواجهة الهشة تحطمت بعد حادثة بولواما عام 2019، عندما قُتل أربعون جندياً هندياً وأعلن النظام الهندوسي حرب المياه. فتوقف تبادل البيانات، وصدرت مطالبات بتعديل المعاهدة.
وجاء التعليق النهائي في عام 2025، غير أن الخيانة كانت قد حُسمت بالفعل في عام 2019، حين اختارت قيادة عمران خان وباجوا في باكستان ألا تفعل شيئاً عندما ألغت الهند من جانب واحد المادة 370. كانت الهند تلقي بأي التزامات دولية لا تريدها في سلة المهملات، فيما كانت القيادة الباكستانية مشغولة بتقديم الشكاوى العبثية إلى الأمم المتحدة والبنك الدولي ومحكمة التحكيم الدائمة. أكملت الهند احتلالها لكشمير، وسرّعت بناء إمبراطوريتها من السدود؛ فبينما كان قادة باكستان يقدّمون الشكاوى، كانت الهند تصب الخرسانة.
سدود الهيمنة: انتهاكات الهند وتحويل المياه إلى سلاح
بعد إلغاء المادة 370 في 5 أغسطس/آب 2019، عززت الهند قبضتها على كشمير. ثم وضعت معاهدة مياه السند في حالة «تعليق» عقب حادثة باهالغام في أبريل/نيسان 2025. وصعّدت الهند بقوة، فباتت لا تكتفي بقيود مشاريع جريان النهر. وبفعل الحماسة الأيديولوجية للهندوتفا، أطلقت نيودلهي وابلاً من مشاريع التخزين الضخمة على نهر تشناب، والتي تمثل مجتمعة سداً فعلياً بحجم غير مسبوق. وتصف الدعاية الرسمية هذه المشاريع بأنها محطات كهرومائية «جارية النهر»، لكن البيانات الهندسية تكشف حقيقة قاتلة: فهي مصممة لتخزين سعات تشغيلية هائلة تمنح الهند سيطرة مطلقة على توقيت تدفق نهر تشناب، ولا سيما خلال موسم زراعة محصول الربيع الحاسم، حين تحتاج باكستان إلى كل قطرة.
وأصبح إعلان الهند وضع المعاهدة فعلياً في حالة «تعليق» رسمياً من الناحية الخطابية بعد ما سمّته الأوساط العسكرية الهندية «عملية سيندور». ولم يكن تصريح ناريندرا مودي بأن «الدم والماء لا يمكن أن يجريا معاً» مجرد شعار، بل كان توجيهاً سياسياً. فقد أعلن وزير الموارد المائية الهندي علناً النية لوقف تدفق نصيب الهند من المياه إلى باكستان، وتحويل جميع مياه الأنهار الشرقية التي كانت لا تزال تحوي بعض التدفق المتبقي. وفي الوقت نفسه، سرّعت الهند جميع مشاريع التخزين الكبرى على الأنهار الغربية، متجاوزة حوار اللجنة الدائمة لمياه السند، ومختبرة رد باكستان المروّض أمام أنظار العالم.
وتُوسّع الهند بسرعة قدرتها التخزينية وسيطرتها على مياه السند. فالقدرة الكهرومائية التي تسيطر عليها الحكومة والشركات الهندية في كشمير المحتلة ترتفع من 3,540 ميغاواط إلى أكثر من 5,000 ميغاواط بحلول نهاية عام 2026، مع طموحات للوصول إلى 12,000 ميغاواط. ويجري التعجيل بأربعة مشاريع رئيسة كبرى على نهر تشناب، ومنها: باكال دول بقدرة 1,000 ميغاواط، وكيرو بقدرة 624 ميغاواط، وكوار بقدرة 540 ميغاواط، وراتلي بقدرة 850 ميغاواط، إلى جانب مشاريع أخرى مثل بورساروكيرثاي 1 و2. كما يجري إدخال تحسينات في باغليهاروسالال، وتنفيذ مشاريع جديدة مثل ساوالكوت بقدرة 1,856 ميغاواط، والمرحلة الثانية من دولهاستي، مع عمليات غسل الرواسب وتعديلات تصميمية أخرى لتعظيم السيطرة. وهناك خطط لسدود تخزين كبيرة، تتجاوز مشاريع جريان النهر، على روافد تشنابوجيلم، مع دفع استثماري يُقدّر بنحو 60 مليار دولار لرفع التخزين من 15 يوماً إلى أكثر من 55 يوماً. وهذا سيسمح للهند بحجز التدفقات لنحو شهرين، وهو ما سيدمّر محاصيل باكستان في موسمي الربيع والخريف.
والأخطر من ذلك أن الهند تمضي في مشروع النفق الرابط بين تشناب وبياس في منطقة لاهول–سبتي في هيماتشال براديش. ويتضمن المشروع نفقاً تحت الأرض بطول 8.7 كيلومتر وحاجزاً لتحويل المياه الفائضة من نهر تشاندرا، وهو أحد الروافد العليا التي تكوّن نهر تشناب عند تاندي، باتجاه الغرب إلى حوض نهر بياس، وهو نهر شرقي خُصص بالكامل للهند. وتُقدّر كلفة هذه البنية التحتية بـ23,520 مليون روبية هندية. وهذه البنية تنقل المياه فعلياً خارج منظومة الأنهار الغربية، متجاوزة بند المعاهدة المتعلق بالمحافظة على تدفقات المياه إلى باكستان. وقد استغلت الهند هذه الثغرة في معاهدة مياه السند وطبقتها بالكامل في مشروع كيشانغانغا، إذ حوّلت نهراً مع بناء سعة تخزينية كبيرة خفّضت التدفقات إلى محطة نيلوم–جيلم الكهرومائية الباكستانية. كما استُخدم هذا المشروع لاختبار إرادة باكستان في التحرك، لكن ردها بقي محصوراً في الأوراق والالتماسات فقط. ويزيد نفق لتحويل الرواسب، تبلغ كلفته 2,680 مليون روبية هندية، في سد سالال من هذه السيطرة. ويحاكي هذا التحويل سوابق أقدم مثل مشروع كيشانغانغا، وصمت باكستان.
إن هذه ليست مشاريع طاقة بريئة، بل هي «أسلحة استراتيجية» لحرب المياه: إطلاق الفيضانات للتدمير، أو حجب المياه في مواسم الجفاف لإحداث المجاعة، واستخدام المياه ورقة ضغط في المساومات المستقبلية. وتمنح منابع المياه في كشمير، الخاضعة الآن لإدارة استعمارية مباشرة بعد عام 2019، الهندَ موقع السيطرة من المرتفعات، حرفياً ومجازاً، لإخضاع باكستان الواقعة في مجرى النهر الأدنى. كما توسّع الهند قدرتها التخزينية بسرعة. وعلى الرغم من أن البنية التحتية الحالية تحدّ من قدرتها على حجب المياه بالكامل، فإن المسار واضح: ستتيح المشاريع المتراكمة تنظيماً أكبر للتدفقات، بإطلاق الفيضانات خلال موسم الأمطار أو حجب المياه في مواسم الجفاف. إنه إعداد لـ«حرب المياه»، أي استخدام المياه أداةً للمساومة والإكراه والإخضاع في المستقبل. وقد تسببت عمليات إطلاق المياه غير المعلنة بالفعل في فيضانات في باكستان، فيما تهدد التدفقات المقيّدة بالجفاف.
ولا تنوي الهند بأي حال من الأحوال التعاون في تنفيذ معاهدة مياه السند، بل تطبق انتهاكاً صامتاً مخططاً له بعناية. فهي تستغل كل ثغرة في المعاهدة نفسها، كما تستغل الخطاب الفارغ للقيادة الباكستانية، وقد بنت أكثر من 30 مشروعاً على الأنهار الغربية، محولة إياها إلى أدوات للإخضاع. وفي عام 2025، عقب حادثة باهالغام، أفرغت الهند الخزانات عمداً، ما أدى إلى إغراق قرى في كشمير الحرة. ويهدد نظام حزب بهاراتياجاناتا الهندوسي صراحة بوقف المياه متى شاء. فالسدود ليست مشاريع هندسية؛ بل هي سيوف الهندوتفا الجديدة.
تقاعس قيادة باكستان
إن رد ما يسمّى بالقادة في إسلام أباد ليس سوى خطاب فارغ وبيانات صحفية ومناشدات للمؤسسات الغربية ذاتها التي تتجاهلها الهند علناً. فما قيمة المناشدات الموجهة إلى المجتمع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، الحليف الرئيس للدولة الهندوسية؟ يتحدث الناطق الرسمي باسم الخارجية الباكستانية عن «تسليح المياه»، وانتهاكات معاهدة مياه السند، و”التداعيات الخطيرة”، ويحذر من ردٍّ ما، لكنه لا يقدم شيئاً ملموساً.
لقد أتقنت القيادة الباكستانية فن تقديم الشكاوى ككتبة المحاكم، بينما يُذبح شريان الحياة. خُسرت قضية تحكيم باغليهار، ورُفضت الإخطارات القانونية. وكل الردود محصورة في مذكرات دبلوماسية عبثية تقدَّم إلى واشنطن والبنك الدولي. لقد سلّموا كشمير المحتلة بالتقاعس والتسوية، وهم الآن يستعدون لتسليم المياه التي تقوم عليها حياة باكستان ذاتها. وما مشروع كيشانغانغا لتحويل النهر إلا البداية. وتخطط الهند لتحويل 70–80 % من التدفقات، وتحويل باكستان إلى صحراء. ولذلك، فإن كشمير ليست مجرد أرض متنازع عليها، بل هي حبل الوريد للأمة. وكل سد يُبنى على أرض محتلة هو سرقة لدماء المسلمين.
ولن تفعل القيادة العسكرية الحالية في باكستان شيئاً يتجاوز الخطاب، والهند تعلم ذلك. إذ إن مصالح هذه القيادة مرتبطة بالولايات المتحدة و”الدولة الصلبة” التي تخدمها. وستكتمل الخيانة عندما تجف الصنابير في لاهور، وتتحول حقول ملتان إلى أرض متشققة من الغبار. وعندها ستفهم الأمة أخيراً أن الاستقلال لا يمكن تأجيره للعملاء. لكن سيكون الوقت قد فات. ويجب أن تُغتنم الفرصة اليوم ممن يحملون العقيدة والسيف. لقد كانت معاهدة مياه السند حبلاً استعمارياً مشدوداً بأيدٍ خائنة، والسدود هي العقدة التي تضيق، والالتماسات قد فشلت، ويجب إقصاء العملاء.
يا مسلمي باكستان وقواتهم المسلحة!
لقد سلّم حكامكم الأنهار التي تطعم أبناءكم. السدود ترتفع، والخناق يشتد. فلا تعقدوا الأمل على التماساتهم العبثية أو المحكّمين الاستعماريين. إنهم يشترون الوقت للعدو كي يهيمن عليكم. إنهم يبقونكم منشغلين بينما يقطع العدو عروقنا. وبضغط من نائب الرئيس الأميركي، أمروا بوقف إطلاق النار في مايو/أيار 2025، حين حققت القوات الجوية الباكستانية تفوقاً جوياً، وأصبح تحرير كشمير المحتلة حتمياً.
أليس قانون الجيش لعام 1952 يتضمن المادة 24 التي تتناول الجرائم العسكرية التي تنص على أن «مساعدة العدو أو التخفيف عنه بصورة مباشرة أو غير مباشرة هي جرائم يعاقب عليها بالإعدام»؟!
ارجعوا إلى الله سبحانه وتعالى ودينه. وأزيلوا هؤلاء العملاء، وأقيموا درع المسلمين، الخلافة، التي ستجمع شملنا، وتبني قوتنا، وتحمي مياهنا، وتحرر كشمير، وتعيد للأمة عزتها. إن الأنهار هي دمنا، لكن إيماننا هو قوتنا الحقيقية. فليكن النداء إلى الخلافة أقوى جرياناً من نهر السند، يقتلع الخيانة ويروي حقول النصر. لقد حان وقت العمل الآن. والنصر من عند الله وحده. وعندها يُعز الإسلام والمسلمون، ويُذل الكفر والكافرون. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
1448-04-30