العدد 484 -

السنة الحادية والأربعون، جمادى الأولى 1448هـ الموافق تشرين الأول 2026م

مفهوم الاعتصام بحبل الله

أيمن صلاح –فلسطين

يستشهد بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ كثيرٌ من الخطباء والناس عند الحث على اجتماع الكلمة، وعند الدعوة إلى نبذ العصبيات، وفي اجتماعات الإصلاح بين الأطراف المتشاحنة، وغير ذلك. وهذه الاستشهادات صحيحة من حيث دلالة الآية، ولكنهم غالبا لا يدركون معناها، فيظنون أن الاعتصام هو الاجتماع وعدم التفرق، وهنا الخطأ. لأن الآية تدعو إلى الاعتصام (وَاعْتَصِمُوا) وتنهى عن التفرق (وَلا تَفَرَّقُوا). والأمر بالاعتصام بحبل الله هو الأمر العظيم الجامع لكثير من الخير، والاجتماع وعدم التفرق جزء منه. ولتوضيح ذلك لا بد من توضيح معنى الاعتصام، وبيان الصورة العملية للاعتصام بحبل الله التي يجب أن يكون عليها المسلمون.

الْعِصْمَةُ هي الْمَنْعَةُ بمعنى الحفظ والوقاية، والاعتصام هو الامتناعُ أو الكَوْنُ بحالةِ حفظٍ ووقايةٍ من الشر. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، أي يمنعك ويحميك ويحفظك من أَعْدَائِكَ، فَلَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ، فَلَنْ يَصِلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْكَ بِسُوءٍ. وقال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ يعني من ذا الذي يمنعُكم من الله، وقال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾، فكلمة يَعْصِمُنِي تعني يمنعني، وهذه الكلمة كانت على لسان ابن نبي الله نوح عليه السلام، حيث ظن أن التجاءه إلى جبل سيمنع وصول ماء الطوفان إليه ولن يصيبه الأذى، وكان رد نوح عليه السلام (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)،أي لا مانع اليوم من أمر الله الذي قدره بإغراق كل من لم يركب السفينة مؤمنا مع نوح وإهلاكهم. ومن ذلك أيضا مفهوم عصمة الأنبياء، ويعني أن الله جعل في الأنبياء مَلَكةً إِلهيةً تمنَعُهم من فعل المعصية والميلِ إِليها مع القُدْرةِ عليها. فهي حفظُ الله تعالى لأنبيائه ورسله من الوقوع في الكبائر والذنوب، أو الخطأ في تبليغ الوحي، لتكون حجتُهم سالمة ودعوتُهم نقية.

فالعصمةُ هي المنعةُ والحماية. وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ يأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتخذوا حبلَ الله عاصمًا لهم من الشرور والمخاطر التي يخشونها. والشرورُ والمخاطرُ التي قد تصيب المؤمنين كثيرة، منها عدوانُ الكفار واستباحةُ دمائهم وبلادهم، ومنها الفتُن والخلافاتُ الداخليةُ التي تمزقُهم، ومنها تسربُ الأفكار والعقائد الباطلة التي تقودُهم إلى الكفر والضلال، ومنها تسربُ عادات الكفار وسلوكهم وأنماط عيشهم إلى مجتمع المسلمين، بحيث يفسد أبناؤهم ونساؤهم وتتفسخ أسرهم. وقد جاء قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ بعد التحذير من الوقوع في الكفر بعد الإيمان، لأن الآيات التي سبقتها كانت في التحذير من الكفر بعد الايمان، فقال تعالى قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران : 100-103]، ففي الآية الأولى ينهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن طاعة أي فريق من أهل الكتاب ويبين أن طاعتهم تؤدي الى الكفر، وفي الآية الثانية يربأ بالمؤمنين أن يرجعوا إلى الكفر بأخذ التشريعات من أهل الكتابِ وكتابُ الله الذي يُتلى عليهم فيه الهدى والنور، وبينهم رسولُ الله الذي يُمكنُ أن يرجعوا إليه فيَحُل أي مشكلة إنسانية تحصل، وتبيّن الآية أن مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أي يمتنع بالله فهو على صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. والآية الثالثة تحثهم على تقوى الله حتى لا يأتيهم الموت وهم على المعصية أو الكفر الذي يمكن أن يحصل بطاعة الكافرين، ثم تأتي آية الاعتصام لتبينَ لهم الصورة العملية التي تحمي المجتمع والأمة من هذه الشرور، فبينت أن هذه الصورة العملية تتضمن أمرين: الأول الاعتصام بحبل الله سبحانه وتعالى، والثاني أن يكونوا جميعا أي جماعة. فما هو حبل الله الذي يعصمهم؟ وما معنى جميعا أو جماعة تمنعهم؟

الحَبْلُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ له عدة معان، بعضها حسية وبعضها غير حسية، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ السَّبَبُ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ إِلَى الْبُغْيَةِ وَالْحَاجَةِ. ومن المعاني الحسية التي يستعملها العرب للحبل: الرباط، أو ما فتل من ليف أو نحوه ليربط أو يقاد به، وحبل العاتق وهو عَصَبة بين العنق والمنكب،وهناك حَبْل الوَريد وحَبْل الذِّراع. وَمن المعاني غير الحسية للحبل التي يستعملها العرب الْعَهْدُ، كَمَا فِي قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾، أَيْ بِعَهْدٍ وَذِمَّةٍ. وفي حديث الأنصار عند بيعة العقبة: “إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها” أي عهود ومواثيق.

وفي هذه الآية حبلُ الله هو عهد الله أو هو القرآن الكريم. وعهد الله هو الذي أمر الله سبحانه وتعالى بالوفاء به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فالعُقُودِ هنا هي العقود الَّتِي عَقَدَها الله عَلى عِبادِهِ وألْزَمَهم إياها، وكل مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول يكون قد قَبِلَ بعهد الله وألزم نفسه الوفاء بهذا العهد، ومقتضاه تطبيقُ الأحكام الشرعية التي أنزلها الله في كتابه وسنة نبيه ﷺ. وقال بعض المفسرين إن المقصود بقوله: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ الْقُرْآنَ، حيث أُطلق لفظُ حبل الله على القرآن في أكثر من حديث، منها حَدِيث الترمذي عن الْحَارِثِ الأَعْوَرِ، عَنْ علِيّ مَرفُوعًا فِي صِفَةِ الْقُرآنِ: «هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمتِينُ، وَصِرَاطُهُ المُسْتَقِيم». وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «إنَّ هذا القرآنَ مأدبةُ اللهِ فاقبَلوا مأدُبتَه ما استطعتَم، إنَّ هذا القرآنَ حبلُ اللهِ والنُّورُ المبينُ، والشِّفاءُ النَّافعُ، عصمةٌ لمن تمسَّك به، ونجاةٌ لمن اتَّبعه، لا يزيغُ فيُسْتَعْتَبُ، ولا يَعوَجُّ فيُقوَّمُ، ولا تنقضي عجائبُه، ولا يَخلَقُ من كثرةِ الرَّدِّ«، رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، والبيهقي في شعب الإيمان، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: وهو صحيح. والحاصل أن حبل الله على أي معنى حُمِل فإنه يقتضي التمسكَ بكتاب الله الذي هو الحبل المتين والصراط المستقيم.

والاعتصام بحبل الله يعني أن يلتجأ المسلم إلى عهد الله وكتابه، فهو الذي يحميه ويمنعه من الوقوع في الفتن والضلال. والتمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى يعني أن تطبق الأحكام الشرعية المتعلقة بالفرد والأحكام المتعلقة بالجماعة والأحكام المتعلقة بالدولة، وعندئذ يكون كتاب الله سبحانه وتعالى هو العاصم الحامي من الفتن والشرور، يحمي الفرد من فتن الكفر والضلال والبدع، ويحمي الأمة من أي تهديد يستهدف الأمة والدولة، ويحمي المجتمع من تسرب الأنماط السلوكية الفاسدة والشاذة التي تسود في مجتمعات الكفر. وقد بينت الآية الصورة العملية التي يجب أن تتمثل في الأمة الإسلامية حتى يحصل هذا الاعتصام ويكون الامتناع من الشرور، وهي أن يكونوا جميعا، أي جماعة. وهذا يقود للبحث في معنى “الجماعة” وهي النقطة الثانية في هذا البحث.

إن قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ يبين الصورة العملية للأمة التي يتحصل بها الامتناع والوقاية من كل شر وفتنة وعدوان. حيث إن (جَمِيعاً) تعني جماعة مجتمعين. والمَعْنى: كُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الِاعْتِصامِ بِهِ. والجماعة تعني حالة التوحد وعدم التفرق، ورغم أن كلمة (جميعا) تكفي للدلالة على الجماعة الواحدة إلا أن الآية قد أكدت ذلك بالنهي عن التفرق ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾. وبذلك تكون الآية قد أمرت المؤمنين أن تكون الجماعة التي تجتمع على عهد الله تعالى وكتابه هي وقايتُهم وحاميتُهم من شرور الفُرقة والتشرذم ومخاطرهما، لأن الفرقة تجلب لهم كل فتنة وشر وتُغري الأعداء بهم، وقد أمر اللَّه سبحانه وتَعَالَى المؤمنين بِالْأُلْفَةِ والاجتماع وَنهَى عَنِ الْفُرْقَةِ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ هَلَكَةٌ وَالْجَمَاعَةَ نَجَاةٌ في عدة أحاديث نبوية، منها حديث النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ أنه قال: «الجماعةُ رَحمةٌ والفُرقةُ عذابٌ» (رواه أحمد والطبراني والبيهقي). وعن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «من أرادَ بَحبوحةَ الجنَّةِ فعليهِ بالجماعةِ» أخرجه الترمذي وأحمد والنسائي.

وقد جاءت الأدلة الشرعية في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ تبين التفاصيل الشرعية لصورة الجماعة التي يتحقق بها الامتناع من كل شر، وخلاصتها أن “الجماعة” هي الأمة أو جزء الأمة التي على رأسها إمام أو حاكم واحد للمسلمين يحكمهم بأحكام الإسلام وتبايعه الأمة ويكون واجب الطاعة. فمصطلح “الجماعة” هو مصطلح سياسي يتعلق بالدولة ورئاستها، ولهذا المصطلح معنى شرعي بينته الأحاديث الصحيحة، فبينت أنه بغياب الإمام أو الخليفة لا توجد الجماعة. فإذا بايعت الأمةُ خليفةً فقد وُجِدت “الجماعة”، وطالما لم تبايع الإمام أو الخليفة فلا وجود للجماعة وكانت الفُرقة. وبذلك أصبح للفظ “الجماعة” معنى شرعي أي حقيقة شرعية، فحيثما ورد لفظ “الجماعة” معرفاً بـ”أل” العهد أو مضافا إلى المسلمين (بصيغة جماعة المسلمين أو المؤمنين أو جماعتكم) في النصوص الشرعية فإنه يدل على الحقيقة الشرعية وليس المعنى اللغوي المجرد.

وفيما يأتي نذكر أهم الأحاديث التي تأمر بالجماعة أو تبين صفاتها ومنها يتبين المعنى الشرعي لمصطلح “الجماعة”:

روى فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قال: «ثَلاثةٌ لا تَسألْ عنهُم: رَجُلٌ فارَقَ الجَماعةَ، وعَصى إمامَه، وماتَ عاصيًا» (أخرجه أحمد بسند صحيح واللفظ له، والبزار وابن حبان)، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن خَرَجَ مِنَ الطَّاعةِ وفارَقَ الجَماعةَ فماتَ، ماتَ مِيتةً جاهِليَّةً» (أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد). والشاهد في هذين الحديثين أن الرسول ﷺ جعل الذي يعصي الإمام ويخرج عن طاعته مفارقًا للجماعة، أي إن “الجماعة” هي الأمة أو الفئة من الأمة التي على رأسها إمام واجب الطاعة. والطاعة لا تجب إلا للإمام أو الخليفة الذي يطبق أحكام الشرع، أما إذا كان هناك حاكم لا يطبق الإسلام فإنه لا يكون إمامًا أصلا، وبالتالي لا يكون هناك جماعة، لأن الإمامة أو الخلافة هي الرئاسة العامة للمسلمين جميعاً في الدنيا، لإقامة أحكام الشريعة في الداخل وحمل الدعوة الإسلامية إلى الخارج. وقد كان العلماء يطلقون اسم دار العدل على البلاد التي على رأسها الإمام أو الخليفة الذي أخذ البيعة أولا، ويسمون البلاد التي لا تخضع لسلطان الإمام الشرعي بدار البغي، حتى لو كان رئيسهم يطبق فيها الإسلام، فكيف لو كان رئيس البغي يطبق أحكام الكفر وأنظمة الكفر؟!

وفي حديث حُذَيْفة بن اليَمانِ رَضيَ اللهُ عنه عندما سأل النَّبيَّ ﷺ عَنِ الشَّرِّ والفتن، وجاء فيه قول النبي ﷺ: (دُعاةٌ إلى أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهُم لَنا؟ فقال: هُم مِن جِلدَتِنا، ويَتَكَلَّمونَ بألسِنَتِنا، قُلتُ: فما تَأمُرُني إن أدرَكَني ذلك؟ قال: تَلزَمُ جَماعةَ المُسلِمينَ وإمامَهم، قُلتُ: فإن لَم يَكُنْ لهم جَماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصلِ شَجَرةٍ، حتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وأنتَ على ذلك) رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث يأمر بالتزام جماعة المسلمين وإمامهم، فهو يقرن الجماعة بالإمام، ثم يسأل حذيفةُ عن حالة عدم وجود جماعة للمسلمين – وهي حالة عدم وجود الإمام – (فإن لَم يَكُنْ لهم جَماعةٌ ولا إمامٌ)، فبَيَّنَ سؤالُ حذيفة أن الصحابة يفهمون أن المسلمين لا يكونون في جماعة عندما لا يكون على رأسهم إمام واحد، حيث سيكونون في حالة تفرق في عدة دول، والفتنة الأعظم أن يقود هذه الدول دعاة على أبواب جهنم، أي حكام لا يطبقون الإسلام بل يطبقون أحكام الكفر ويستخدمون إعلامهم ومؤسساتهم للدعوة والترويج لثقافة الكفر في بلاد المسلمين. وفي هذه الحالة لا ينطبق معنى الجماعة على أي منها.

وقد كان فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن “الجماعة” لا تكون إلا إذا اجتمعت الأمة على الإمام أو الخليفة، فقد ذكر ابن كثير في تاريخه أن عمرو بن حريث سأل سعيدَ بن زيد رضي الله عنه – وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة – فقال له: أشهِدْتَ وفاة رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال له: متى بويع أبو بكرٍ؟ قال سعيدٌ: يوم مات رسول الله ﷺ كره المسلمون أن يبقوا بعض يومٍ، وليسوا في جماعةٍ. ومعنى هذا أن الصحابي سعيدَ بن زيد كان يرى أن الأمة لا تكون في جماعة إلا بعد مبايعة الإمام. وهذا ما أكده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث روى تَمِيم الدَّارِيّ رضي الله عنه، فقَالَ: تَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبِنَاءِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رضي الله عنه فَقَالَ عُمَرُ: «يا مَعْشَرَ الْعُرَيْبِ، الْأَرْضَ الْأَرْضَ، إِنَّهُ لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ، وَلَا جَمَاعَةَ إِلَّا بِإِمَارَةٍ، وَلَا إِمَارَةَ إِلَّا بِطَاعَةٍ» رواه الدارمي. ويدل على أن هذا عليه اتفاق المسلمين في القرن الأول، أن المسلمين أطلقوا اسم “عام الجماعة” على العام 41 هـ الذي تنازل فيه الحسن بن علي – رضي الله عنهما – عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، فاجتمعت كلمتهم على معاوية، وأصبح للمسلمين خليفة واحد، أما قبلها فقد كان لهم خليفتان، فلم يكونوا جميهم جماعة. وَرَحِمَ اللَّهُ عبد الله ابْنَ الْمُبَارَكِ (وهو من تابعي التابعين وعالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته) حَيْثُ قَال:

إنّ الجماعَةَ حَبْلُ اللهِ فَاعْتَصِمُوا … مِنْهُ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقَى لِمَن دَانَا

كَمْ يَدْفَعُ اللهُ بِالسلطَانِ مُعْضِلَةً … في ديننا رحمَةً مِنْهُ وَدُنْيَانَا

 لَولَا الخلافةُ لَمْ تَأْمَنْ لَنَا سُبُلٌ … وكانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأَقْوَانَا

وبذلك يكون التفرق المذموم الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ هو انقسام الأمة إلى كيانات ودول متعددة، وهذا المعنى ثابت في الأحاديث الصحيحة التي تحرّم تعدد الأئمة، وتنهى عَن أن يكون للمسلمين أكثر من خليفة أو أكثر من حاكم:

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْمَال» رواه مُسْلِمٍ. وعن عرفجة بن شريح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَن أتاكُمْ وأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ علَى رَجُلٍ واحِدٍ، يُرِيدُ أنْ يَشُقَّ عَصاكُمْ، أوْ يُفَرِّقَ جَماعَتَكُمْ، فاقْتُلُوهُ» (رواه مسلم)، فقوله (وأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ علَى رَجُلٍ واحِدٍ) أي وأنتم جماعة مجتمعون على إمام واحد مُتَّفِقون عليه، فمَن أراد أنْ يُفرِّقَ هذه الجماعة ويَفصِلَ ويَقطَعَ أمرَ هذه الأُمَّةِ ويجعل لها أكثر من إمام فاقْتُلُوهُ. فهي تحريم أن يكون للأمة أكثر من إمام واحد، أي أكثر من دولة واحدة.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «ومَنْ بَايَع إِمَامًا فَأَعْطَاه صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمْرَةَ قلْبِهِ، فَلْيُطِعُه إِن اسْتَطَاع، فَإِن جَاء آخَرُ يُنَازِعُه فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ» رواه مسلم. ومن هذا الحديث ندرك معنى “الجماعة” التي أمر الله أن نعتصم بها، وندرك وجوب التمسك بالجماعة، وأن من يود اختراقها أو الانفصال عنها أو التعدي عليها فعقوبته القتل، حيث يُحَرّم أن يبايع أي شخص للخلافة بعد أن تكون الخلافة قد عقدت لخليفة، حتى لو كان الثاني خيرًا من الأول، ولذلك يأمر بقتله. وهذا الحديث رواه مسلم مطولاً، حيث ذكر في بدايته الفتن والابتلاءات والأمور المنكرة التي يمكن تحدث في غياب الجماعة، ثم أمر بالوفاء ببيعة الخليفة وطاعته، فقد قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فَنَزَلنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يُصلِح خِبَاءَه، ومِنَّا من يَنتَضِل، ومِنَّا مَن هو في جَشَرِهِ، إِذْ نادى مُنادي رسول الله ﷺ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ. فاجْتَمَعنَا إلى رسول الله ﷺ فقال: «إِنَّه لَمْ يَكُن نبي قبْلِي إِلاَّ كَان حَقًّا عليه أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَه عَلَى خَيرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُم، ويُنذِرَهُم شّرَّ ما يعلمه لهم، وإِنَّ أُمَّتكم هذه جَعَل عَافِيَتَهَا في أوَّلِها، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا، وتَجِيءُ فِتنَةٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعضًا، وتَجِيءُ الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هَذِه هذِه. فمَنْ أَحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عن النار، ويدخل الجنة، فَلْتَأْتِه مَنِيَتُهُ وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وَلْيَأتِ إِلى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إليه، ومَنْ بَايَع إِمَامًا فَأَعْطَاه صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمْرَةَ قلْبِهِ، فَلْيُطِعُه إِن اسْتَطَاع، فَإِن جَاء آخَرُ يُنَازِعُه فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ» (رواه مسلم). فالحديث يرشد إلى أن الاعتصام والوقاية من الفتن والابتلاءات التي يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعضًا والأمور المنكرة التي يهلك بها الناس يكون بعدم السماح بأن يكون للأمة أكثر من دولة وإمام، فمن يأتي ويريد أن يكون خليفة ويقيم للناس دولة بعد أن يكون للأمة دولة وخليفة مبايع على الحكم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وجب صده، ولو بالقتل إن تطلب الأمر، كائنا من كان. وإذا حصلت بيعة لخليفة ثان وأقام دولة ثانية تُنازِع الجماعة والدولة الأولى فإنه سيكون بابًا للفتن والابتلاءات، وبابًا للفتن التي يرقق بعضها بعضا، نتيجة التفرق وعدم الجماعة. وكأن الحديث يتحدث عن الأمة في هذا الزمان، حيث لا يوجد على رأسهم إمام يحكم بالإسلام، وإنما هناك عشرات من الحكام والدول المتفرقة، الأمر الذي أفقد الأمة هيبتها، وزاد هوانها على العالم، وتسلط عليها الكفار من كل جانب يستبيحون الدماء والبلاد في شرق البلاد وغربها.

والاعتصام بحبل الله بإقامة الجماعة التي على رأسها إمام يطبق الشرع هو صفة الفرقة الناجية التي وردت في حديث الافتراق. وهو حديث يحذر فيه النبيُ ﷺ من التفرق الذي هو مقابل الجماعة، والحديث ورد بعدة روايات لم يَسْلم أيٌّ منها من ضعف في السند، وبعض رواياته – وربما تكون من أحسنها سندا – هي التي تذكر “الجماعة” صفةً للفرقة الناجية، ولفظ الحديث: «أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ. وفي رواية قال:…كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً قيل: من هي يا رسول الله؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم.

وحديث الافتراق والفرقة الناجية هذا ليس من الأحاديث الصحاح البينة الصحة، أو مما ظهرت واستفاضت صحته عند الأئمة الحفاظ، فثمة خلافٌ بين الحفاظ في ثبوته، فمنهم من يذهب إلى تضعيفه بأوجهه، ومنهم من يذهب إلى تقويته، وهذا هو المشهور والأظهر عند المتأخرين من الحفّاظ. وهذا الحديث قد جاء من رواية أبي هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان، أي من رواية جماعة من الصحابة، عن النبي ﷺ، والإشكال الأكبر يكمن في الزيادة التي وردت في بعض الروايات، وهي قوله: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، فقد ذهب ابن حزم وجماعة إلى الطعن فيه، وذهب ابن تيمية وجماعة إلى تقويته. علماً أن أئمة الفقه والأصول الذين قبلوا الحديث مع عبارة «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، لم يفهموها على ظاهرها المتبادر إلى أذهان العوام من التكفير والخلود في النار، وإنما عَدّوه وَعيدَ عصيان وبدعة.

وهنا مسألة لابد من أن تؤخذ بعين الاعتبار في بحثنا، وهو أنه ليس مهماً أن يتوصل إلى جزمٍ بصحة هذا الحديث أو عدم صحته، فإن الوصول إلى هذا الجزم ليس له نتيجة محققة في تقرير المسائل المقصودة في هذا البحث، لأن الافتراق واقع في الأمة اليوم، ولا مجال لتجاوزه أو إنكاره، حتى لو لم يخبر به النبي ﷺ.

والحديث لم يُبَيّنْ الوقتَ الذي يحصل فيه الافتراق، ولذلك كان المصنِفون في كل فترة من فترات التاريخ يَعدّون التفرق حاصلًا في عصرهم، وحاول بعضهم عَدَّ الفرق، وبعضهم كان يرى أي اختلاف في الآراء تَفَرُّق، ليصل بعدد الفرق إلى بضع وسبعين، وبعضهم اعتبر أنه لا يُقصد بالعدد إلا الكثرة. وهذا يعكس اختلافهم في مفهوم التفرق، فمعظمهم كان يرى التفرق هو وجود البدع والأفكار والمذاهب والجماعات، وحيث إن الحديث يبين أن الْفِرْقَة النَّاجِيَة هي الجماعة، فقد فسر بعض العلماء الجماعة بالسَّوَاد الْأَعْظَم وَجُمْهُور الْأُمَّةِ. وبما أن الحديث يتكلم عن تفرق أمة محمد ﷺ ولا يتكلم عن الطوائف التي خرجت من الإسلام لأنها ليست من الأمة، فلا يلزم أن يقال إن الجماعة التي هي الفرقة الناجية وأن الفرق الأخرى كافرة، بل هي آثمة لخروجها عن الإمام. ولذلك لم يُكَفر علماء السنة معظم الفرق الكلامية والسياسية التي كثرت في فترات مختلفة، حيث كان أهل السنة هم السَّوَاد الْأَعْظَم. وكان التفسير صحيحا في القرون الأولى التي كان فيها إمام “الجماعة” من أهل السنة.

وقد بَيَّنْتُ أن “الجماعة” هي الأمة التي على رأسها إمام واحد، وأن التفرق هو وجود أكثر من إمام أو رئيس للمسلمين. ويبدو أن هذا الفهم هو الذي جعل المسلمين في العصور الأولى يستخدمون مصطلح “أهل السنة” وليس “أهل السنة والجماعة” للدلالة على الطائفة الأعظم من المسلمين التي كانت تقابل أصحاب المذاهب الكلامية كالمعتزلة والجبرية والقدرية، أو تقابل الجماعات السياسية كالإمامية والزيدية. ففي العصر الذي انتشرت فيها المذاهب الكلامية تبنى الخليفة والدولة الآراء الكلامية لتلك الطوائف، والمعلوم أن عددا من الخلفاء العباسيين كانوا يتبنون آراء المعتزلة في المسائل الكلامية. فلم تكن رئاسة الأمة أو الخلافة بيد “أهل السنة”، وكان أهل السنة جزءا من “الجماعة” لا قادة لها. ولكن بعد أن رجع الخلفاء عن آرائهم وتركوا آراء المعتزلة وأخذوا بآراء “أهل السنة” أطلق الناس مصطلح “أهل السنة والجماعة”، لأن قيادة الجماعة أو الخلافة أصبحت بيد من يتبنون آراء أهل السنة. وأصبح أهل السنة هم الممثلين للجماعة، فبدأ استعمال مصطلح “أهل السنة والجماعة” في وقت متأخر، والأرجح أن الأشاعرة هم أول من استعمل هذا المصطلح.

وبالنظر في واقع الأمة اليوم نجد أن التفرق الذي يقابل مفهوم “الجماعة” السياسي والشرعي حاصل بشكل واضح، ويتمثل بوجود المسلمين في عشرات الكيانات السياسية، وعدم اجتماعهم على إمام أو خليفة واحد، بل عدم وجود إمام أو خليفة للمسلمين أصلا، لأنه لم يُبايَع أيُّ رئيس في أي كيان على الحكم بالإسلام، سواء سُمي رئيسًا أو ملكًا أو أميرًا أو ولي الفقيه أو رئيس الحركة أو غير ذلك. فالمسلمون اليوم ليسوا في جماعة ولا وجود للجماعة – بالمعنى السياسي الشرعي – في أي كيان من هذه الكيانات. وحيث إن المسلمين متفرقون في أكثر من سبعين كيان أو شبه كيان اليوم، منها 57 دولة هم الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، بالإضافة إلى وجود نحو عشرين كيان أو شبه كيان انفصالي في هذه الدول وفي دول أخر، فصورة التفرق التي وردت في حديث التفرق واضحة في الأمة اليوم. ولذلك من العبث اليوم إطلاق مصطلح “الجماعة” على أي طائفة في أي بلد لعدم وجود “الجماعة”، والصحيح أن يقال فقط “أهل السنة”.

 وحيث إن حديث الفرقة الناجية يبين أن الفرقة الناجية هي “الجماعة” فإنه يتفق مع آية الاعتصام: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾، وهي التي تبين أن النجاة والامتناع من الفتن المختلفة ومن تسلط الكفار أو عدوانهم على الأمة إنما يكون بالاعتصام بحبل الله بإقامة جماعة على رأسها إمام يطبق الشرع. ويتفق هذا المفهوم أيضاً مع الحديث الصحيح: «وإنَّما الإمامُ جُنَّةٌ يُقاتَلُ مِن ورائِه ويُتَّقى به» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. ويتفق كذلك مع الأحاديث التي تأمر بمنع تعدد الأئمة.

 وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد كرهوا أن يبقوا بعض يوم وهم ليسوا في جماعة بعد وفاة النبي ﷺ، فبادَروا لمبايعة خليفة حتى اجتمعوا على بيعة أبي بكر رضي الله عنه، فحَرِيٌّ بالمسلمين اليوم أن تكون قضيتُهم المصيريةُ هي إقامة “الجماعة” والعمل على تنصيب إمام خليفة واحد للحكم بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله ﷺ، فهم يدينون بدين واحد، ويعبدون رباً واحداً، ورسولهم واحد، وكتابهم واحد. وبهذا فقط تحصل لهم المنعة والاعتصام بحبل الله، وتعود لهم الهيبة والمكانة بين الأمم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *