الإسلام السياسي بين وهم النصر وحقيقة الفشل
8 ساعات مضت
كلمات الأعداد
54 زيارة
وائل سلطان
الإسلام دين الله الذي أنزله على النبي محمد ﷺ، ليعالج مشكلات الإنسان وينظم علاقاته الثلاث: علاقته بربه، وعلاقته ببني الإنسان، وعلاقته بنفسه؛ لذلك فالإسلام دين شامل، ومنه الدولة، دينٌ جعل لمن آمن به أحكامًا تعبدية وخلقية، ودولةٌ ترعى شؤون الناس وتحكم بينهم بالإسلام، وتتعامل مع غيرها من الدول وفق أحكامه، وتحمل رسالة الإسلام إلى العالم.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: متى بدأ الفكر الحديث في تصنيف الإسلام الذي يتناول شؤون الحكم والمجتمع والعلاقات العامة تحت مسمى «الإسلام السياسي»؟ وما الذي كان موجودًا قبل ظهور هذا التصنيف؟
فالإسلام لم يبدأ «سياسيًا» في القرن العشرين؛ وإنما الذي ظهر حديثًا هو تصنيف الإسلام السياسي بوصفه ظاهرة مستقلة في علم السياسة والاجتماع الحديث، وما ترتب على ذلك من وضع الإسلام والحركات التي تستند إليه في المجال السياسي ضمن إطار اصطلاحي جديد.
ومن أقدم الاستخدامات الأكاديمية الموثقة التي نقف عليها للمصطلح كتاب الباحث الأمريكي مارتن كريمر (Martin Kramer) الصادر سنة 1980 بعنوان Political Islam (الإسلام السياسي). غير أن مجرد ظهور المصطلح في الأدبيات الحديثة لا يعني أن الفكر الإسلامي أقرّ به بوصفه مفهومًا صحيحًا، أو أن المسلمين كانوا قبل ذلك يميزون بين «إسلام» و«إسلام سياسي»؛ فوجود المصطلح وانتشاره شيء، وصحة المفهوم الذي يدل عليه شيء آخر.
ومن هنا تبرز الإشكالية: إذا كان الإسلام في تصوره العام يتناول شؤون الإنسان الخاصة والعامة، ويتضمن أحكامًا تتعلق بالحكم والقضاء والاقتصاد والعلاقات الدولية وغير ذلك، فما الذي يعنيه وصف هذا الجانب من الإسلام بأنه «سياسي»؟ وهل يؤدي هذا المصطلح إلى افتراض ثنائية بين إسلام ديني وإسلام سياسي، وكأن السياسة عنصر طارئ أضيف إلى الإسلام في العصر الحديث؟
ثم يزداد السؤال أهمية عندما ننتقل من المصطلح إلى الحركات التي أُطلق عليها هذا الوصف: فإذا كان «الإسلام السياسي» مصطلحًا حديثًا وغير منضبط الدلالة، فما الذي نعنيه عندما نتحدث عن نجاحه أو فشله؟ وهل يكفي أن تصل حركة إسلامية إلى البرلمان، أو تشكل حكومة، أو تصل إلى قمة السلطة، لكي يكون ذلك انتصارًا للإسلام؟
أم لا يعدو الأمر أن يكون نجاحًا سياسيًا لحركة تعمل داخل نظام سياسي قائم، دون أن يعني بالضرورة نجاح المشروع الذي تقول تلك الحركة إنها جاءت لتحقيقه؟
ومن هنا يبدأ البحث في السؤال الأهم: هل كان وصول بعض (الحركات الإسلامية) إلى مؤسسات النظام السياسي المعاصر انتصارًا للإسلام، أم انتصارًا لحركات سياسية استطاعت أن تنجح داخل نظام لم تتغير أسسه؟
لم يكن مصطلح الإسلام السياسي هو الإطار الاصطلاحي الذي تناوله علماء المسلمين في مسألة الحكم والسياسة؛ فقد تناولوها ضمن مفاهيم الإمامة والخلافة والسياسة الشرعية والأحكام السلطانية.
فهذا الماوردي يتحدث عن الإمامة، ووظائفها، وحفظ الدين وتنفيذ الأحكام وتحقيق العدل في كتابه الأحكام السلطانية..
أما ابن تيمية فيقول إن “ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، وإنه لا قيام للدين والدنيا إلا بها”.
وأما ابن خلدون فهو يعرّف الخلافة بأنها “خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”.
وهكذا نرى أن علماء المسلمين لم يتعاملوا مع الحكم والسياسة باعتبارهما مجالًا أُضيف إلى الإسلام، ولا باعتبارهما «نوعًا من الإسلام» يقابل إسلام العبادات والأخلاق، وإنما بحثوهما داخل منظومة الإسلام نفسها، وتحت عناوين الإمامة والخلافة والسياسة الشرعية والأحكام السلطانية.
إذن فما الذي حدث في العصر الحديث حتى أصبحنا بحاجة إلى تصنيف الحركات التي تدعو إلى تطبيق الإسلام في الحكم تحت مسمى «الإسلام السياسي»؟
من الخلافة إلى الدولة الحديثة
كان التحول الأكبر الذي واجهه المسلمون في العصر الحاضر هو انتقالهم من واقع سياسي كانت فيه الخلافة والإمامة والإطار العام للشريعة حاضرة في تصور الدولة، إلى واقع جديد تشكلت فيه دول قومية ذات حدود سياسية مستقلة، ودساتير ومؤسسات وأنظمة قانونية حديثة، مع تراجع المرجعية السياسية الجامعة للمسلمين.
وكان إلغاء الخلافة العثمانية في 3 مارس/آذار 1924 محطة حاسمة في هذا التحول؛ فقد ألغت الجمعية الوطنية التركية منصب الخلافة، وأُنشئت في الوقت نفسه بُنى مؤسسية باتجاه النظام العلماني الجديد،ولم يكن أثر هذا التحول محصورًا في تركيا؛ إذ أصبح العالم الإسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية موزعًا بين دول قومية أو قطرية متعددة، لكل منها نظامها السياسي والقانوني، وهو واقع جديد اختلف عن الإطار السياسي الذي كانت تتعامل معه كتب الفقه السياسي الإسلامي القديمة.
وفي هذا السياق ظهرت الحركات الإسلامية المعاصرة بوصفها استجابة لهذا الواقع الجديد. ومن أبرز الأمثلة جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في مصر سنة 1928، أي بعد أربع سنوات من إلغاء الخلافة. وتصفها المصادر الأكاديمية بأنها من أقدم الحركات الدينية-السياسية المعاصرة، وقد بدأت بمشروع إصلاحي ودعوي ثم أخذ نشاطها يتجه بصورة متزايدة نحو المجال السياسي.
وفي شبه القارة الهندية ظهر في السياق نفسه مشروع أبي الأعلى المودودي، الذي أسس الجماعة الإسلامية سنة 1941، واشتغل على إعادة صياغة مفهوم الدولة الإسلامية في مواجهة القومية والدولة الحديثة. وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن مشروع المودودي لم يكن مجرد استعادة حرفية لنظرية الخلافة القديمة، بل كان محاولة لصياغة دولة إسلامية قادرة على العمل داخل واقع الدولة الحديثة.
وهم النصر
إذا كان ظهور الحركات الإسلامية الحديثة قد جاء في واقع سياسي جديد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس كيف استطاعت هذه الحركات الوصول إلى السلطة؟ وإنما: ما الذي كانت تريد الوصول إليه أصلًا؟
فالحركة التي تنطلق من أن الإسلام ليس مجرد عبادات وأخلاق، وإنما نظام شامل للحياة، وأن الحكم ينبغي أن يقوم على أساس العقيدة الإسلامية، لا يمكن أن تجعل مجرد الوصول إلى مؤسسات الحكم معيارًا لنجاح مشروعها؛ لأن الوصول إلى السلطة ليس هو الغاية، وإنما الغاية هي ما الذي ستفعله هذه السلطة، وعلى أي أساس ستقوم.
وهنا وقع الإشكال الذي يستحق التوقف عنده: فقد سعت بعض الحركات الإسلامية إلى العمل داخل الأنظمة السياسية القائمة، ودخلت الانتخابات والبرلمانات، وتحالفت مع القوى السياسية المختلفة، ثم سعت إلى الوصول إلى الحكومة أو رئاسة الدولة، على أساس أن امتلاك أدوات السلطة سيمكّنها بعد ذلك من إيصال الإسلام إلى الحكم.
لكن هذا المسار يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كان النظام القائم يقوم على أسس ومفاهيم تخالف التصور الذي تنطلق منه الحركة، فهل يمكن الوصول إلى تغيير ذلك النظام من خلال التزام قواعده وآلياته دون أن يؤدي التزام هذه القواعد إلى تغيير المشروع نفسه؟
فالمشكلة ليست في دخول الانتخابات أو البرلمان من حيث هما وسيلتان، وإنما في أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح النجاح في الحصول على الأصوات والمقاعد والمناصب هو المقياس الذي تقاس به قوة المشروع الإسلامي.
وعند هذه النقطة يبدأ وهم النصر: أن تصل الحركة إلى الحكم فتظن أنها أوصلت الإسلام إلى الحكم، بينما قد يكون الذي وصل إلى السلطة في الحقيقة حركة إسلامية تعمل داخل نظام سياسي لم تتغير أسسه ولا مرجعيته التشريعية.
ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين: نجاح الحركة سياسيًا، ونجاح المشروع الذي ترفع الحركة شعاره.
فقد تنجح الحركة في الانتخابات، وتحصل على أغلبية برلمانية، وتشكل حكومة، وربما تصل إلى رئاسة الدولة؛ وكل ذلك نجاح سياسي نعم ولكن هل يعني ذلك بالضرورة أن الإسلام قد انتصر؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُجاب عنه، لا أن يُستبدل به سؤال: كم مقعدًا حصلت عليه الحركة؟ وكم وزيرًا أصبح لها؟ وهل وصلت إلى قمة السلطة؟
فإذا كانت الغاية هي إقامة حكم يقوم على الإسلام، فإن معيار النجاح لا بد أن يكون متعلقًا بمدى تحقق هذه الغاية، لا بمجرد مقدار النجاح الذي حققته الحركة داخل النظام السياسي القائم.
وبعد هذا كله، فإن وهم النصر لا يكمن في أن الحركات الإسلامية دخلت المجال السياسي أو وصلت إلى بعض مؤسسات الحكم، وإنما في أن يُحسب مجرد الوصول إليها نصرًا للإسلام، مع أن الحركة قد أصبحت جزءًا من الواقع الذي قامت أصلًا لتغييره.
فحين تتطبّع الحركة مع الواقع، وتعيد تشكيل مشروعها وفق شروطه وحدوده، وتندمج في منظومته بدل أن تسعى إلى تغييرها، فإن نجاحها في الوصول إلى السلطة يصبح نجاحًا للحركة بوصفها كيانًا سياسيًا، لا نجاحًا للإسلام الذي رفعت رايته.
وحقيقة الفشل هنا ليست في خسارة الانتخابات، ولا في فقدان مقاعد البرلمان، ولا في الخروج من السلطة؛ وإنما في مخالفة الأساس الذي أقامه الله تعالى للإسلام: أن يكون ظاهرًا، مهيمنًا، غير تابع لمنهج آخر ولا مندمجًا فيه.
قال تعالى:﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28]. فالإسلام لم يأتِ ليكون مكوّنًا من مكونات منظومة أخرى، ولا ليأخذ مكانه داخل نظام يخالف أصوله ثم يُسمّى ذلك انتصارًا له؛ وإنما جاء ليكون هو المرجعية التي تُقاس بها المناهج والأنظمة، لا أن يكون هو الذي يتطبّع بها.
ومن هنا فإن السؤال الصحيح عند الحديث عن نجاح الحركات الإسلامية ليس: هل وصلت إلى الحكم؟ ولا: كم مقعدًا حصلت عليه؟ ولا: كم سنة بقيت في السلطة؟ وإنما السؤال: هل حافظت على غايتها؟ وهل سارت في طريقها وفق نهج الإسلام؟ وهل كان وصولها إلى السلطة خطوة في إظهار الإسلام، أم كان اندماجًا في واقع استطاع أن يغيّرها قبل أن تستطيع هي تغييره؟
فقد يكون الوصول إلى السلطة فوزًا لحركة، وقد يكون الحصول على الأغلبية نجاحًا سياسيًا، وقد يكون تشكيل الحكومة إنجازًا حزبيًا؛ لكن ليس كل نجاح سياسي نصرًا للإسلام، كما أنه ليست كل خسارة سياسية فشلًا للمشروع الإسلامي. وهنا تتضح حقيقة الفارق بين وهم النصر وحقيقة الفشل.
1448-04-30