الفرق بين الخليفة والملك: حين يخاف الحاكم من الله قبل أن يخافه الناس
ساعتين مضت
المقالات
29 زيارة
أ.بهاء الحسيني
ليست القضية في اسم الحاكم الذي يجلس على كرسي السلطة، ولو كان اللقب الذي يُكتب أمام اسمه يدل على نوع حكمه، ولكن الأهم هو منهج الحكم الذي يحكم به، والغاية التي يقوم لأجلها، والحدود التي تقف عندها سلطته أمام شرع الله وحقوق الناس.
وهنا يقف معنا موقف جليل من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقد أخرج ابن سعد عن زاذان عن سلمان رضي الله عنهما أن عمر قال لسلمان: «أملك أنا أم خليفة؟» فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر، أي بكى.
وتُنقل عنه رضي الله عنه كلمة أخرى في المعنى نفسه، أوردها الإمام ابن سعد في «الطبقات الكبرى»: «والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك». فقيل له: إن بينهما فرقاً؛ الخليفة لا يأخذ إلا حقاً ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا ويعطي هذا.
فتأملوا هذا الفهم العميق!
عمر بن الخطاب، الذي خضعت له العرب. دانت له الأعاجم ومساحات واسعة من الأرض، وامتدت دولته من بلاد فارس إلى الشام ومصر، لم يكن يرى السلطة امتيازاً شخصياً، ولا غنيمة يتصرف فيها كيف شاء، بل كان يرى نفسه مسؤولاً أمام الله عن كل درهم وكل نفس وكل حق من حقوق المسلمين. وهذا هو جوهر القضية. ليست المشكلة في التاج… بل في مصدر السلطة ومنهج الحكم.
إن الإسلام لا يجعل الحاكم إلهاً فوق الناس، ولا يمنحه حصانة من الحق، ولا يجعل الأمة ملكاً شخصياً له. والقرآن يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
فالسلطة في الإسلام أمانة، والحكم مسؤولية، والمال العام ليس مال الحاكم، والأمة ليست مزرعة خاصة، والرعية ليست ملكاً لشخص أو عائلة أو حزب.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم: ليس كل ملك مذموماً لمجرد كونه ملكاً؛ فقد قال الله تعالى عن داود عليه السلام: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 251]، وقال عن سليمان عليه السلام: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35].إنما الحديث هنا عن الملك الذي يتحول فيه الحكم إلى استبداد وجبر وتسلط واستئثار، وهو ما عبّر عنه الحديث بالملك العضوض.
أين نحن من نموذج عمر؟
كان عمر رضي الله عنه يخشى أن يحاسبه الله على درهم من مال المسلمين. أما في زماننا، فقد تتحول أموال الأمة إلى أرقام ضخمة في حسابات ومشاريع وامتيازات، ثم يُطلب من الناس أن يصمتوا، وأن يَعدّوا مساءلة الحاكم تعدياً على الدولة، وأن يصبح نقد السلطة جريمة، بينما قد يُعامل المال العام وكأنه ملك لمن بيده القرار.
فأيُّ فارق بين خليفة يخاف أن يضع درهماً في غير حقه، وحاكم يرى الدولة بما فيها من أرض وثروات ومؤسسات ومقدرات ملكاً خاصاً له ولمن حوله؟ إنها ليست مسألة شعارات. إنها مسألة أمانة وعدل وحكم بشرع الله.
وماذا عن الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة؟
لقد رأينا في العقود الأخيرة شعوباً ثارت على الاستبداد، وسقطت أنظمة بعد صراعات دامية، ودُمرت مدن، وهُجّر ملايين البشر، ودُفعت أثمان هائلة.وسوريا مثال مؤلم على ما يمكن أن يفعله الاستبداد والصراع المسلح حين تتراكم المظالم وتنهار مؤسسات الدولة ويغيب العدل. لكن العبرة لا تكون باستبدال شخص بشخص، أو شعار بشعار، أو نخبة بنخبة. فالسؤال الأكبر هو: ما النظام الذي سيحكم الناس بعد سقوط الظلم؟ فإذا رحل مستبد وجاء مستبد آخر، فما الذي تغير؟ وإذا تغيرت الوجوه وبقيت القواعد التي تنتج الاستبداد، فهل انتهت المشكلة؟
إن المطلوب ليس مجرد تغيير الجالس على الكرسي، وإنما تغيير منهج الحكم بحيث تكون السلطة مقيدة بالشرع، والمال العام مصوناً، والحقوق محفوظة، والحاكم مسؤولاً عن رعيته أمام الله وأمام الأمة. قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالحاكم راعٍ، وليس مالكاً للناس. فلنراجع أنفسنا، لقد آن لنا أن نتوقف لحظة، لا لنسأل فقط: من يحكمنا؟ بل لنسأل: بم يحكمنا؟ ولمصلحة من يحكم؟ وممن يستمد سلطته؟ وهل أموال الأمة عنده أمانة أم غنيمة؟ وهل يستطيع المظلوم عنده أن يصل إلى حقه؟ وهل يستطيع الناس محاسبة من ظلمهم بالطرق التي أقرها الشرع؟ وهل يكون الحاكم خادماً للأمة أم متسلطاً عليها؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تشغل أهل العقل والبصيرة.
إن الأمة لا تحتاج إلى استبدال مستبد بمستبد، ولا إلى إعادة إنتاج الظلم تحت أسماء جديدة. إنها تحتاج إلى نظام حكم يقوم على العدل والشرع والمحاسبة وصيانة الدماء والأموال والأعراض. ولهذا فإن الواجب على المسلمين أن يطلبوا تحكيم شرع الله بالطريقة الشرعية وبالوسائل المشروعة، وأن يعملوا على إقامة الحكم الذي يحقق العدل ويصون الحقوق ويقيم أحكام الإسلام، بعيداً من الفوضى والانتقام واستحلال الدماء. فليست العبرة بأن نرفع شعار «الخلافة» فحسب، ولكن العبرة بأن نفهم معناها مسؤوليةً وعدلاً وأمانةً وحكماً بشرع الله.
ولنتذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يسأل نفسه: «أملك أنا أم خليفة؟» فكان يخاف أن يكون قد أخذ درهماً من مال المسلمين ووضعه في غير حقه.
فيا من تطلبون الحكم، ويا من تتولون أمر الناس: هل تستطيعون أن تقفوا مع أنفسكم وقفة عمر؟
ويا أمة الإسلام:
هل نرضى أن تبقى بلاد المسلمين أسيرة أنظمة الاستبداد والتبعية، أم نعمل على بناء نظام سياسي يحقق العدل ويحفظ الأمة ويجعل الحاكم مسؤولاً أمام الله عن رعيته؟
إن الطريق الشرعي يكون بالتغيير الشرعي لا بالفوضى ولا بسفك الدماء ولا بالاعتداء على الأبرياء، وإنما بالوعي والعدل والعمل المنظم المشروع، وبناء الأمة على أساس الإسلام، حتى يكون الحكم أمانة لا غنيمة، ورعاية لا تسلطاً. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40].
فاللهم أصلح أحوال المسلمين، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وأقم في أمتنا العدل، وارفع عنها الظلم والاستبداد والتبعية، واجعل الحكم فيها قائماً على طاعة الله وتحقيق العدل وصيانة الدماء والأموال والأعراض.
1448-04-01