مع القرآن الكريم: القضاء والقدر
ساعتين مضت
المقالات
33 زيارة
خليفة محمد- الأردن
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:
( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [سورة الحديد،22-23].
بُدئت الآية الكريمة بـ(ما) النافية المتلوّة بـ(إلّا) الاستثنائية؛ لإفادة الحصر، أي: حصر حال المصائب في كونها في كتابٍ.
و(مصيبة) كل ما ينزل بالمرء من شيء يكرهه ويضرّه، ويشمل المصيبة المباشرة في نفسه من مرضٍ أو ضعف أو خوف أو جوع، ويشمل المصيبة غير المباشرة، وهي التي تقع في الأرض من قحط أو فيضانات أو زلازل أو غيرها. وبتعبير آخر: المصيبة هي كلّ ما يُبتَلى به الإنسان مما يكرهه أو يضرّه. وجاءت كلمة (مصيبة) نكرة في سياق النفي للدلالة على العموم، أي: عموم المصائب.
و(أصابَ) بمعنى نزل أو وقع، وفاعله كلمة (مصيبة) المسبوقة بحرف الجرّ (مِنْ)، وعليه فإنّ كلمة (مصيبة) مجرورة لفظاً مرفوعة محلّاً. ومفعول (أصابَ) محذوف، تقديره: (أصابكم) أو (أصابَ أحداً).
(في الأرض) جار ومجرور، شبه جملة، وقعت بعد نكرة (مصيبة)، فهي صفة لها، أو متعلقة بصفة محذوفة بمعنى (مصيبةٍ كائنةٍ في الأرض)، والمعنى: المصائب الواقعة في الأرض، وهي المصائب العامة كما مثّلنا من قبل.
(ولا في أنفسكم) أي: المصائب الخاصة التي تصيب كل واحد، عُطفت على المصائب العامة في الأرض، لإفادة التنويع واستقصاء أنواع المصائب. وتكرّر النفي بـ(لا) لتأكيد أهمية المصائب الخاصة الواقعة على الإنسان لشدّة تأثيرها في نفسه.
(إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) استثناءٌ بعد نفيٍ لإفادة الحصر، والمعنى: لا تقع من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا هي مكتوبة في كتاب، والفعل (بَرَأَ) معناه (خَلَقَ)، والضمير (ها) المتصل بـ(نبرأها) يعود إلى الأرض، ويحتمل عودته إلى الأنفس أيضاً، كما يحتمل أن يعود إلى المصيبة أيضاً، لكن النصوص الشرعية دلّت على أنّ الكتابة وقعت قبل خلق السماوات والأرض، فقد روى أبو داود والترمذي وأحمد عن عبادة بن الصامت قوله: “يا بُنَيَّ، إنَّك لن تَجِدَ طَعمَ حقيقةِ الإيمانِ حتى تعلَمَ أنَّ ما أصابَك لم يكُنْ لِيُخْطِئَك، وما أخطَأَك لم يكُنْ لِيُصيبَك، سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: إنَّ أولَ ما خلق اللهُ القلمُ، فقال لهُ: اكتبْ، قال: ربِّ وماذا أكتبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ. يا بنيَّ إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: من مات على غيرِ هذا فليسَ مِني”.
والكتابةُ في كتابٍ كنايةٌ عن علمِ الله سبحانه وتعالى المسبق، لكنّ الكناية لا تمنعُ من إرادة المعنى الحقيقيّ، أيْ: لا تمنع من وجود كتابٍ كُتبَت فيه المصائب، وقد تضافرت النصوص الشرعية التي تدلّ على وجود كتاب، وهو اللوح المحفوظ، قال سبحانه وتعالى: ]أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[[الحج،70]، فقد جمعت هذه الآية الكريمة بين علم الله تعالى الخاصّ بالسماوات والأرض وبين وجود كتابٍ كَتَبَ اللهُ سبحانه وتعالى فيه ذلك العلم، وأفادت الآية أيضاً أنّ ذلك يسير عليه سبحانه.
وكذلك الآيةُ التي نقفُ معها اليوم وصفت كتابةَ المصائب في كتابٍ من قَبْلِ خلْقِ السمواتِ والأرضِ- وصفت هذا الأمر بأنه يسير على الله تعالى: {إن ذلك على الله يسير}.
وموقف المؤمن تجاه المصائب التي تَحُلّ به هو الصبر والاحتساب، فيصبر محتسباً أجر صبره عند الله تعالى، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فينال رحمة الله سبحانه وتعالى، قال عزّ وجل: ]وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[ [البقرة، 155-157]. ويقول رسول الله ﷺ: “عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ.” أخرجه أحمد ومسلم.
وهذه المصائب التي تقع في الأرض أو في أنفس الناس هي من القضاء والقدر، لأنّ أفعال الإنسان تقع في دائرتين، الأولى يسيطر على أفعاله فيها، فيقوم بجميع أعماله فيها مختاراً، فهو يأكل وينام ويعمل وغير ذلك، ويفعل كل ذلك بإرادته واختياره، وهذه الدائرة هي موضع الحساب، فيثاب على أفعاله فيها إن كانت بحسب أوامر الله تعالى ونواهيه، ويعاقَب عليها إن كانت على غير أوامر الله ونواهيه، قال عزّ من قائل: ]فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[[الزلزلة،7-8]. والدائرةُ الثانية هي التي تقع فيها الأفعال من الإنسان أو عليه رغماً عنه ولا يملك لها دفعاً، سواء مما كان يقتضيه نظام الوجود: كشكل الإنسان وطوله ولونه ومحدودية قدراته، والخواص والقوانين التي قدّرها الله سبحانه وتعالى في السماء والأرض وما فيهما؛ كالجاذبية والليل والنهار والمطر والرياح وغيرها، أو مما لا يقتضيه نظام الوجود؛ كأنْ تصدمه سيارة، أو تسقط به طائرة، أو يقع من سطح أو رأس جبل، أو يصيبه مرض أو غير ذلك، فهذه لا يُحاسب الإنسانُ عليها؛ فقد وقعت منه أو عليه دون يستطيع التحكم فيها ولا منع وقوعها.
(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) ورد هنا التعليل بـ(لكيلا) مفيداً الحكمةَ من إخبارنا بأنّ المصائب النازلة بنا إنما هي من عند الله سبحانه وتعالى، وأنه تعالى قد علمها وكتبها وقدّرها قبل خلق السماء والأرض. والحكمة من هذا الإخبار هو تسليةُ المؤمنين وتصبيرهم، ليؤمنوا أنّ ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وأنّ ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، فلا يأسى المؤمن على خير فاته ولم يستطع تحصيله، ولا يأسى على مصيبة نزلت به، بل يصبر عليها ويحتسب. وكذلك لا يفرح بما آتاه الله سبحانه وتعالى، والفرح المذموم هنا هو الفرح الزائد عن الحدّ، المؤدّي للبطر وكفر النعمة، كفرح قارون:]إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ[[القصص،76]، وهو الفرح المؤدّي للاختيال والزهو والفخر، يدل على ذلك أيضاً ما جاء بعده في هذه الآية نفسها: ]وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[. أما السرور الذي يحسّ به الإنسان لشيء يحبّه فليس مذموماً، كفرح الشهداء بما يرونه عند الله سبحانه من الكرامة قال تعالى: ]فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ[ [آل عمران،170]، وكذلك فرح الصائم بفطره ولقاء ربه.
]وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[، تقرّر في أصول الفقه تحريم ُكلّ ما لا يُحبّه الله سبحانه وتعالى والنهيُ عنه، فالتعبير بـ(والله لا يحبُّ) قرينة من القرائن الدالة على الجزم في طلب الترك، أي تحريم ما بعدها، والاختيال هو الكبر والزهو بما أوتي، والفخر هو المباهاة والتطاول والتمدّح بما أوتيه الإنسان، فكلاهما منهيٌّ عنه محرّم يأثم فاعله، و(فَخور) صيغة مبالغة من الفخر، أي كثير الفخر.
1448-04-01