العدد 483 -

السنة الحادية والأربعون، ربيع الثاني 1448هـ الموافق أيلول 2026م

رياض الجنة : صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ رضي الله عنها… من بيت العداوة إلى بيت النبوة

أ. عبد السلام البدري

ليست العبرة في الإسلام بالنسب، ولا بالعرق، ولا بتاريخ الآباء، وإنما العبرة بالإيمان والاستجابة للحق. وهذه قصة امرأةٍ اجتمعت في حياتها أحداث عظيمة؛ فهي ابنة حُيي بن أخطب أحد أبرز زعماء بني النضير، ثم أصبحت بعد ذلك زوجًا لرسول الله ﷺ وأمًّا للمؤمنين. إنها صفية بنت حيي رضي الله عنها، من بيتٍ عُرف بالعداء لبيت النبوة.

كان أبوها حُيي بن أخطب من زعماء بني النضير، ثم كان من أشد المحرضين على قتال المسلمين، وسعى في جمع الأحزاب على المدينة، وحرض بني قريظة على نقض عهدهم مع رسول الله ﷺ. لكن الإسلام لا يحمّل الإنسان ذنب أبيه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].

فلم تكن صفية مسؤولة عن اختيار أبيها، ولا عن موقف قومها، وإنما كانت أمام امتحانها هي: ماذا ستفعل عندما يظهر لها الحق؟وهنا تبدأ قصة عظيمة من قصص الهداية.

صفية أمام الإسلام

بعد فتح خيبر وقعت صفية رضي الله عنها في السبي، وكانت ذات مكانة؛ فهي ابنة سيد بني النضير.فلما علم النبي ﷺ بمكانتها، أكرمها، وخيّرها، بين أن تبقى على دينها ويطلق سراحها، وبين أن تسلم ويتزوجها. فاختارت الإسلام ورسول الله ﷺ، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها. وهذا ثابت في صحيح البخاري.

وهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا:

صفية لم تكن مطالبة بأن تدفع ثمن خطأ أبيها. لقد اختارت لنفسها طريقًا جديدًا، طريق الإيمان.وهكذا يعلمنا الإسلام أن الإنسان قد يولد في بيئة بعيدة من الحق، لكنه يستطيع أن يختار الحق عندما يعرفه.

من الأسر إلى الكرامة

لم يجعل النبي ﷺ من ماضي صفية وصلة نسبها بأعدائه سببًا لإهانتها، بل أصبحت زوجته وأمًّا للمؤمنين. وهذه من أعظم الدروس في السيرة.

الإسلام لا يغلق باب الهداية في وجه أحد. فقد يأتي الإنسان من بيتٍ معادٍ للإسلام، ثم يصبح هو نفسه من أهل الإسلام وموضع التكريم. وقد يكون الأب على طريق، والابن على طريق آخر. والميزان هو التقوى والإيمان. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

صفية في بيت النبوة

دخلت صفية رضي الله عنها بيت النبي ﷺ، وأصبحت واحدة من أمهات المؤمنين. وكانت الغيرة بين أمهات المؤمنين أمرًا بشريًا طبيعيًا، لكن النبي ﷺ كان يعالج المواقف بالحكمة والرحمة. ومن المواقف المؤثرة أن صفية رضي الله عنها تأذت من كلام قيل لها يتعلق بأصلها، فواساها النبي ﷺ وذكّرها بمكانتها، فقال لها: «إنك لإبنة نبي (يقصد موسى عليه السلام)، وإن عمك لنبي (يقصد هارون عليه السلام)، وإنك لتحت نبي». ثم قال لها ﷺ ما يرفع عنها أثر ذلك الكلام.

وهكذا كان رسول الله ﷺ يحفظ كرامة أزواجه، ولا يسمح أن تتحول الغيرة إلى ظلم أو إهانة.

صفية… زوج النبي ﷺ

كان النبي ﷺ يحسن معاشرة صفية رضي الله عنها. ومن صور ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ جعل رداءه على ظهر بعيره لتركب صفية عليه، وكان ذلك من رحمته وحسن عشرته.كما أن النبي ﷺ قال لها ولزوجه زينب رضي الله عنهما حين تعثرتا: «إنكما لابنتا نبي». وفي ذلك تطييب للنفوس وإكرام لأهل بيته.

موقف يكشف عظمة أخلاق النبي ﷺ

ومن أجمل المواقف ما رواه البخاري ومسلم أن صفية رضي الله عنها زارت النبي ﷺ وهو معتكف. فلما خرج معها ليردها إلى منزلها، مر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال لهما: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي». ثم قال ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».

فلم يترك النبي ﷺ مجالًا للظن السيئ، ولم يقل: أنا رسول الله، ومن واجب الناس أن يحسنوا الظن بي؛ بل علّم الأمة حماية الأعراض وإغلاق أبواب الشائعات وسوء الظن وجبّ الريبة.

ماذا نتعلم من صفية رضي الله عنها؟

أولًا: لا تجعل ماضي أهلك يحكم مستقبلك.

قد يكون الإنسان ابن رجل صالح، فينحرف. وقد يكون ابن رجل بعيد من الحق، فيهتدي. فليس لأحد أن يقول: “أنا هكذا لأن أبي كان هكذا.”ولا أن يحكم على إنسان بسبب أبيه أو قومه. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38].

ثانيًا: عندما يظهر الحق فالموقف هو الاستجابة.

صفية رضي الله عنها لم تجعل الانتماء العائلي حاجزًا بينها وبين الحق. وهذا درس لكل إنسان: إذا ظهر له الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلا يقدّم عليه عادةً ولا قوميةً ولا حزبًا ولا مصلحةً ولا ميراثًا فكريًا.

ثالثًا: الإسلام يجمع الناس على العقيدة.

صفية رضي الله عنها جاءت من قوم مختلفين عن المسلمين في الدين، ثم أصبحت أمًّا للمؤمنين. وهذا يبين أن رابطة الإسلام أقوى من روابط الدم والعرق والقبيلة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].

رابعًا: لا يجوز ظلم الإنسان بسبب انتمائه.

من أخطر الأخطاء أن يُحاكم الإنسان بسبب قومه أو عائلته أو أصله. صفية رضي الله عنها هي أوضح شاهد على ذلك. فقد كان أبوها من أعداء المسلمين، لكنها هي أصبحت من أمهات المؤمنين. فلا يؤخذ بريء بجريرة غيره.

صفية ليست مجرد قصة تاريخية

إن قصة صفية رضي الله عنها ليست قصة امرأة تزوجها رسول الله ﷺ فحسب. إنها قصة هداية. قصة إنسان يستطيع أن يخرج من بيئةٍ معينة إلى الحق، قصة أن الإسلام لا ينظر إلى الإنسان بعين العصبية، ولكن بعين الإيمان، وقصة أن بيت النبوة كان بيت رحمة وكرامة وتعليم وتزكية. ولهذا عندما نقرأ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فلا ينبغي أن نقرأها باعتبارها تاريخًا مضى، ولكن باعتبارها دعوة إلى الاقتداء بالهداية التي حملها الأنبياء ومن تبعهم.

صفية اليوم… ماذا تقول لنا؟

تقول لنا: لا تتبع الحق لأن آباءك اتبعوه فقط. ولا ترفض الحق لأن خصومك قالوه. ولا تجعل العصبية حاجزًا بينك وبين الهداية. إذا ظهر الحق فكن شجاعًا في اتباعه. وإذا عرفت الله فاجعل ولاءك له. وإذا عرفت رسول الله ﷺفاقتدِ بهديه. وإذا أخطأ أحد من أهلك فلا تحمل خطأه على نفسك. وإذا أساء إليك أحد فلا تجعل إساءته سببًا لترك الحق.

لقد خرجت صفية من بيت حُيي بن أخطب، لكنها لم تجعل موقف أبيها قدرًا أبديًا لها؛ بل انتهت حياتها زوجةً لرسول الله ﷺ وأمًّا للمؤمنين. فيا من تبحث عن طريق الهداية: لا تقل من أين أتيت، بل انظر إلى أين تسير.

ويا من يحمل هم الإسلام: لا تيأس من هداية الناس، فقد يأتي من ظننته بعيدًا من الحق فيكون من أقرب الناس إلى الله.

ويا من تريد الاقتداء: فاقتدِ بهدي الأنبياء، وبأخلاق رسول الله ﷺ، وبما جاء به من الهدى والرحمة والعدل.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. رحم الله أم المؤمنين صفية بنت حيي، وجمعنا بها في جنات النعيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *