العدد 479 -

السنة الأربعون ، ذو الحجة 1447هـ الموافق حزيران 2026م

من أحكام الطريقة: علاقة الدولة مع المشركين

خليفة محمد- الأردن

قال تعالى:

(وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ  إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ  وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُو َخَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا ْبِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة/3].

 

هذه الآية من سورة التوبة، وتسمّى أيضاً سورة براءة، لابتدائها بإعلان براءة الله سبحانه وتعالى من المشركين، وبراءة رسوله ﷺ منهم. ولتكرار ذكر توبة الله سبحانه وتعالى على عباده سمّيت سورة التوبة.

نزلت سورة التوبة في السنة التاسعة للهجرة، وكان رسول الله ﷺ قد استخلف أبا بكر الصديق أميراً على الحج لذلك العام، فلما نزلت سورة التوبة أرسلَ رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب بسورة التوبة ليقرأها على الناس في الحج، فلقد كان حج البيت مُتاحاً لكل الناس حتى حج ذلك العام، وجاءت سورة التوبة لتنظم علاقات المسلمين مع المشركين، فقد نادى عليّ بن أبي طالب في الحجيج بعد قراءة سورة التوبة بأربعة أمور-كما ذكر القرطبي في تفسيره-: ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وأخرجه النسائي.

فجاءت السورة لتقطع دابر المشركين في الجزيرة العربية، ولتفضح المنافقين، ولذلك ورد من أسمائها الفاضحةُ والمخزيةُ، وتتوب على المؤمنين الصادقين فسمّيت المقشقِشة، لأنها تبرئهم من النفاق. ولم تبدأ السورة بالبسملة لأنّ البسملة فيها رحمة، والبراءة تتنافى مع الرحمة.

{وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}أي إعلامٌ وإعلانٌ. وأسنِدَ هذا الإعلام إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ لأنّه تشريع، أي حكم شرعي واجب الاتّباع، آتٍ من الله سبحانه وتعالى، وبلّغَه رسولُه ﷺ، والأذانُ في بداية هذه الآية خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا.

{إِلَى النَّاسِ}أي جميع من حضر ذلك الموسم، المسلمين والمشركين، فقد كان حج البيت مُتاحاً لجميع الناس مسلمهم ومشركهم، فجاء الخطاب لهم جميعاً، وكان ذلك الموسم آخر موسم يسمح فيه للمشركين بحج البيت وهم على دينهم.

{يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} اختُلف في المقصود بيوم الحج الأكبر، فقيل إنه يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، وقال بهذا عدد من الصحابة والتابعين والفقهاء، وقيل إنّه يوم النحر العاشر من ذي الحجة، وقال به أيضاً عدد من الصحابة والتابعين والفقهاء، ولعلّ الأرجح أنْ يكون يوم عرفة التاسع من ذي الحجة؛ لقول الرسول ﷺ: (الحجُّ عَرَفة)، ولأنّ جميع الحجيج يجتمعون على جبل عرفات في ذلك اليوم. أمّا في يوم النحر فينصرف الناس إلى مناسك ذلك اليوم فيتفرقون بين مِنى ورمي الجمرات والطواف والسعي.

{أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}هذا مضمون الإعلام ببراءة الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ من المشركين، بتقدير باء محذوفة متعلقة بالأذان، والتقدير: أذانٌ بأنَّ…، وفي هذه الجملة توكيد لمضمون الآية الأولى من السورة. وقرأ القراءُ جميعهم برفع (رسولُه) من باب عطف الجملة على الجملة، والتقدير (ورسولُه بريءٌ من المشركين)، وقيل غير ذلك، لكن المعنى واحد. ولا يصحُّ قول بعض المفسّرين بقراءة الجرِ في (ورسوله) ونسبتها إلى الحسن البصريّ؛ لأنّ المعنى بها يصبح أنّ الله بريء من المشركين وبريء من رسولِه، وفي هذا ما لا يخفى من الخطأ ومجانبة الصواب.

ومن طريف ما يُروَى أنّ أعرابياً سمع رجلاً قرأ: (أنّ اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِهِ) بجرّ: ورسولِه، فقال الأعرابي: إنْ كان اللهُ بريئاً من رسوله فأنا منه بريء، وإنّما أراد لفت نظر القارئ إلى خطئه، فلبَّبَه الرجل إلى عمر، أيْ: أمسَكه من تلابيبه وساقه إلى الخليفة، فحكى الأعرابيُّ قراءتَه، فعندها أمر عمرُ بتعلّم العربية. وروي أيضاً أنّ أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمرَ إلى عليّ. فكان ذلك سبب وضع علم النحو، وقد ذكرت هذه القصة في بعض كتب النحو في ذكر سبب وضع علم النحو.

وهذه الآية بالإعلام بأنّ الله بريء من المشركين وأنّ رسوله كذلك بريء من المشركين جاء على صيغة الخبر، لكنّه مما ينصرف إلى الإنشاء، فيكون معناه معنى الأمر؛ أي: آذِنوا المشركين بذلك الإيذان، وبراءة الله سبحانه من شيء من أكبر القرائن على تحريم ذلك الشيء المتبَرَّأ منه وهو الشرك.

{فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ}في هذا الجزء من الآية تفصيل لحال المشركين بعد هذا الإعلام، فمن يتوب منهم عن شركه ويؤمن بالله ورسوله فهو خير له، ومن يتولّى ويستمرّ في تولّيه وإعراضه فليعلم أنّه لن يفلِتَ من قبضة الله سبحانه وتعالى، وأنّه لن يعجزه، ويستحق بذلك عذاب الله تعالى.

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}عُطِفَت هذه الجملة على الجملة الأولى في الآية لما في تلك الجملة الأولى من معنى الأمر، فكأنّه قيل: فآذِنوا الناسَ ببراءةِ اللهِ ورسولِه من المشركين، وبأنّ مَنْ تاب منهم فقد نجا ومَنْ أعرض فقد أوشك على العذاب، ثم قال: وبشر المعْرِضين المشركين بعذابٍ أليم.

وأصل معنى البشارة هو الإخبار بما يَسُرّ، لكنّه استُعير هنا للإنذار والإخبار بما يسوء على سبيل التهكّم من المبشّرين بالعذاب.

والعذاب الأليم: هو عذاب القتل، والأسر، والسبي، وفَيء الأموال، كما قال تعالى: {وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ}[التوبة/26]، فإنّ تعذيبهم يوم حُنَيْنٍ بعضه بالقتل، وبعضه بالأسر والسبي وغنم الأموال، أي: أنذِر المشركين بأنّك مُقاتِلُهم وغالِبُهم بعدَ انقضاءِ الأشهر الحرم، كما يدلّ عليه قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ  فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}[التوبة/5].وإطلاق لفظ العذاب يشمل عذاب الدنيا والآخرة، إلا إذا وردت قرينة تخصصّه، كما في سورة القلم بعد ذكر قصة أصحاب الجنة عقّب سبحانه وتعالى بقوله: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ  الْآخِرَةِ أَكْبَرُ}[القلم/33].

تضمنت الآية الكريمة مع ما سبقها وتلاها من آياتٍ بعضاً من أحكام السياسة الخارجية، التي هي من أحكام الطريقة، فقد نظّمت علاقة الدولة الإسلامية في دار الإسلام مع غيرها من الكيانات الأخرى في الجزيرة العربية، وأساس السياسة الخارجية في الإسلام هو حمل الدعوة، فتُقام العلاقات بين دولة الخلافة وبين الدول الأخر بما يحقّق مصلحة الدعوة، وبما لا يتعارض معها. والواجب على المسلمين وعلى حكام المسلمين اليوم أنْ تكون علاقاتهم مع الدول القائمة في ديار الكفر على هذا الأساس، فلا يتحالفوا معهم ضد المسلمين، ولا يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين. والأصل أن يكون المسلمون جميعهم في كيان سياسيّ واحد كما فعل رسول الله ﷺ، يحكمهم خليفة واحد، نسأل الله تعالى أن يغيّر حال المسلمين إلى أحسن حال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *