الولايات المتحدة الأمريكية تُيسِّر التعاون بين كيان يهود والدولة الهندوسية لضمان استمرار السيطرة على الأمة الإسلامية
3 ساعات مضت
المقالات
16 زيارة
(مترجم)
الأستاذ محمد عبد الله – كشمير المحتلة
المصالح الجيوسياسية الأمريكية في المسرح الموحّد
يشكّل الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية معًا المسرح الجيوسياسي الأكثر أهمية على وجه الأرض بالنسبة للإستراتيجية الكبرى الأمريكية. وهذه الأهمية ليست اعتباطية؛ بل تحددها حقائق جغرافية لا يمكن لأي خيار سياسي تغييرها. حيث تحتوي الأراضي ذات الأغلبية المسلمة على نحو 55% من احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا و70% من احتياطيات الغاز الطبيعي، ويقع في المنطقة أربعة من أهم الممرات البحرية العالمية ضمن هذه المناطق أو على مقربة منها؛ مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 21% من استهلاك النفط العالمي يوميًا، وباب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا. وتمتلك باكستان المحاذية للهند وأفغانستان وإيران والصين السلاح النووي، وهي البلد الوحيد من بلدان العالم الاسلامي الذي يمتلكه. هذه الحقائق الجغرافية لا تشكّل بحد ذاتها مصالح أمريكية، لكنها تصوغ كل هدف سياسي أمريكي في المنطقة وتمنحه طابعه الجيوسياسي.
والمصلحة الجيوسياسية العليا للولايات المتحدة هي منع قيام سلطة سياسية إسلامية موحّدة عبر هذه الجغرافيا قادرة على ممارسة نفوذ سيادي على موارد الطاقة والممرات البحرية والقدرة النووية في آنٍ واحد، وهذا هدف سياسي تحدده الجغرافيا تحديدًا مباشرًا، إذ إن تركّز النفط والغاز والممرات والقدرات النووية في فضاء واحد، هو العالم الإسلامي، يمنحه أهمية إستراتيجية، وقيام سلطة سياسية إسلامية جامعة، أي الخلافة، سيمنحها السيطرة على هذه الأصول بحكم الجغرافيا وحدها. وقد كان منع هذه الوحدة هو الأساس المنظِّم للإستراتيجية الغربية منذ إلغاء الخلافة العثمانية في 28 رجب 1342هـ (3 مارس 1924)، ولا يزال حتى اليوم الأساس الذي تتفرع منه بقية المصالح.
وتتفرع من هذه المصلحة الأساسية عدة أهداف جيوسياسية، كل منها مرتبط بتكوين جغرافي محدد. فالتجزئة السياسية للعرب والمسلمين تمنع أي سلطة واحدة من التحكم في نفط الخليج، وهو هدف يرتبط بتوزع حقول النفط بين السعودية والعراق والكويت والإمارات وإيران، بحيث يصبح انفصالها شرطًا للهيمنة الأمريكية. واحتواء الصين يتطلب حزامًا من الدول الحليفة عبر المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما تحدده جغرافية الهند بحدودها المتنازع عليها مع الصين بطول 2000 كيلومتر وسيطرتها على سواحل المحيط الهندي الشمالية. كما أن الحفاظ على شبكة من الأنظمة التابعة في البلاد الإسلامية يرتبط بكون هذه الأنظمة تقع فوق الموارد والممرات الحيوية. واستنزاف باكستان مرتبط بإحاطتها جغرافيًا: الهند شرقًا، وأفغانستان المتأثرة أمريكيًا غربًا، وإيران الخاضعة للعقوبات جنوب غرب. أما بناء منظومة مراقبة تمتد من غزة إلى كشمير، فيرتبط بتوزع السكان المسلمين عبر هذا المسرح.
ويُعد كيان يهود والهند عنصرين لا غنى عنهما في هذا النظام، ليس بسبب التقارب الأيديولوجي فقط مع واشنطن، بل أيضًا بسبب موقعهما الجغرافي. فكيان يهود يقع عند تقاطع إفريقية وآسيا وأوروبا، ويمنع قيام وحدة عربية بين النيل والفرات. أما الهند فتسيطر على الساحل الشمالي للمحيط الهندي، وتمنع قيام وحدة سياسية إسلامية بين أفغانستان وبنغلادش، وإن موقع هاتين الدولتين على طرفي العالم الإسلامي هو ما يجعل تعاونهما مهما للمصالح الأمريكية.
الأدوات الجيو-اقتصادية: اقتصاد الإخضاع
تُدعَم هذه المصالح الجيوسياسية بأدوات جيو-اقتصادية تجعل السيطرة السياسية مستدامة وممولة ذاتيًا، وتُعد هيمنة الدولار الأداة الأساسية؛ إذ يشكل الدولار نحو 58% من احتياطيات البنوك المركزية عالميًا و88% من معاملات الصرف. ويضمن نظام البترودولار إعادة تدوير عائدات النفط الخليجي عبر أدوات مالية أمريكية، ما يمكّن الولايات المتحدة من تمويل ديونها الضخمة واستخدام النظام المالي كسلاح،أما الأداة الثانية فهي نظام الديون عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، الذي يحوّل البلاد الإسلامية إلى مدينين دائمين من خلال شروط مثل الخصخصة والتقشف، وتُعد باكستان مثالًا بارزًا على ذلك، وكذلك مصر والأردن وتونس، والأداة الثالثة هي نظام “سويفت”، الذي يمنح واشنطن القدرة على عزل الدول ماليًا، كما حدث مع إيران. كما تُستخدم عائدات النفط المودعة في البنوك الأمريكية وسيلةَ ضغط سياسي، كما في حالة العراق.
وتُعد مبادرات مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) ومبادرة التكنولوجيا (iCET/TRUST) أدوات تجمع بين الجيوسياسة والاقتصاد، إلى جانب صفقات نقل التكنولوجيا العسكرية للهند، التي تهدف إلى تعزيز دورها في احتواء الصين، كما يظهر توجيه سوق السلاح بوضوح، حيث تراجعت حصة روسيا من تسليح الهند لصالح الغرب، مع استثناء الهند من عقوبات CAATSA رغم شرائها منظومة S-400، ما يوضح أن الأدوات الاقتصادية تُكيّف لخدمة الأولويات الجيوسياسية، ويبرز ما يسمى “اقتصاد الإبادة” أداةً جيو-اقتصادية، حيث ترتبط شركات كبرى ومؤسسات مالية بدعم العمليات العسكرية لكيان يهود، ما يربط بين الربح الاقتصادي واستمرار الهيمنة.
آلية التنفيذ المزدوجة
يخدم كيان يهود المصالح الأمريكية من خلال موقعه ودوره العسكري كقاعدة أمريكية متقدمة في قلب العالم الإسلامي، إضافة إلى دوره في مشاريع مثل IMEC،كما يسعى لتحقيق مشروعه التوسعي الخاص. أما الدولة الهندوسية فتخدم المصالح الأمريكية عبر موقعها الجغرافي ودورها في مواجهة الصين ومحاصرة باكستان، مدعومة باتفاقيات دفاعية واستخباراتية، كما تسعى لمشروع “أخند بهارات”. ولا يعمل الطرفان بشكل منفصل، بل ينسَّق تعاونهما عبر الولايات المتحدة، من خلال أطر مثل I2U2 والتعاون العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، ما يخلق نظامًا متكاملًا يعزز السيطرة.
الاستجابة السياسية الإسلامية
يرى هذا التحليل أن النظام القائم يعتمد على تجزئة العالم الإسلامي إلى دول ضعيفة. والاستجابة البنيوية في الفكر السياسي الإسلامي هي إعادة إقامة الخلافة،بما هي سلطة جامعة تطبق الإسلام. فالإسلام، بخلاف الرأسمالية، يقدم نظامًا اقتصاديًا مختلفًا، يقوم على توزيع الثروة وضمان الحاجات الأساسية، وتحريم الربا، وجعل الموارد الطبيعية ملكية عامة للأمة. كما سيؤدي ذلك إلى إنهاء هيمنة الدولار والنظام المالي العالمي الحالي، وسيؤدي قيام الخلافة إلى تفكيك البنية الجيوسياسية والاقتصادية الحالية، وإنهاء التعاون العسكري بين الهند وكيان يهود، ودعم قضايا المسلمين بشكل موحد، كما يشترط ذلك إزالة الأنظمة التابعة في العالم الإسلامي، واتباع منهج التغيير الذي يقوم على العمل الفكري والسياسي وطلب النصرة لمشروع الدولة الإسلامية.
الخلاصة
حددت الولايات المتحدة مصالحها الجيوسياسية، واستخدمت أدوات اقتصادية وعسكرية لتحقيقها، واعتمدت على كيان يهود والدولة الهندوسية أداتين للتنفيذ. ويقوم هذا النظام على تجزئة العالم الإسلامي. وترى هذه الأطروحة أن إعادة الخلافة تمثل الاستجابة البنيوية الوحيدة القادرة على تفكيك هذا النظام، وأن حزب التحرير هو الجهة الحاملة لهذا المشروع.
1447-12-25