أين أمة الإسلام من حرب المعادن النادرة
4 ساعات مضت
المقالات
37 زيارة
م. موسى عبد الشكور- فلسطين
تتصدر الأخبارَ في هذه الأيام عناوينُ كثيرة متعلقة بالمعادن النادرة مشيرة إلى تنافس شديد لامتلاكها والتحكم بها، أو قل إلى حرب اسمها حرب المعادن، فما المعادن النادرة؟ ولماذا هذا التسابق وما وراء ذلك، ولماذا تقع في قلب الحرب التجارية التي قد تتطور إلى عسكرية؟ ولماذا هذا التحرك الكبير لرئيس أكبر دولة في العالم يطير من دولة لأخرى ويهدد ويتوعد ويعقد الصفقات والاتفاقات للحصول على المعادن النادرة؟
فمع التطور الصناعي والتقدم التكنولوجي والتحول العالمي نحو عالم أقل ضررا، يتزايد الإقبال على بعض المعادن الأرضية قليلة الانبعاثات الملوِثة للبيئة والتي تُعد عنصراً أساسياً في أهم الصناعات المتقدمة التي يعتمد عليها العالم بشكل متزايد، مثلما هو من متعلقات الإنترنت، والأبحاث الطبية، والأسلحة المتطورة والاتصالات المتقدمة، ومن هنا كان الاعتماد الكبير على أنواع من المعادن سميت بالمعادن بالنادرة لأنها محدودة في العدد وأماكن التواجد والتصنيع والتوريد.
والمعادن الأرضية النادرة عبارة عن مجموعة مكونة من 17 عنصرًا معدنيًا، لها مجموعة من الخصائص الفيزيائية والكيميائية أو المغناطيسية والبصرية المحفزة للطاقة التي تجعلها ذات قيمة عالية، إذ تستخدم في مجالات مختلفة، وفي مجموعة واسعة من الصناعات الحيوية، منها الاستهلاكية مثل الهواتف الذكية، وشاشات التلفزيون، وأجهزة الكمبيوتر، وفي مجال الطاقة النظيفة مثل محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، ومنها المجالات العسكرية مثل أنظمة الصواريخ، والطائرات المقاتلة الحديثة والمعدات العسكرية. وكذلك في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والصناعات المتعلقة بالأجهزة الطبية والزجاج والليزر والإضاءة وأجهزة الحواسيب، والإنسان الآلي “الروبوت”.
ومن ناحية أخرى فإنها تسمى نادرة لصعوبة استخراجها وتعقيد عمليات فصلها وتكريرها واستخراجها تجارياً لوجودها ضمن مواد معقدة التركيب، كما أن عدد الدول القادرة على تكريرها ومعالجتها محدود للغاية، مع أن بعضها موجود بكميات كبيرة أكثر من النحاس مثلا، لكنها ألحقت بالمعادن النادرة لأن استخراجها بكميات صغيرة يتطلب إزالة العديد من الأطنان من الركام والصخور، ما يسبب تلوثا بيئيا وتكلفة عاليين، ثم يأتي فصل المعادن، ثم تحضيرها لاستخدامها، وقد استطاعت الصين تقليل تكلفة الانتاج لبعضها بمقدار 30% أقلّ من أيّ دولة أخرى، ما جعل الصين مصدرا لها. ومن هنا استشرفت الصين التي ركزت على الصناعات المتقدمة من بداية التسعينيات في القرن الماضي وأدركت أهمية المعادن النادرة في الصناعات الحديثة والذكية، فاستثمرت في تطوير تكنولوجيا استخراجها، وفصلها عن بقية المعادن وتكريرها، حتى هيمنت بنسبة 90% على الإنتاج العالمي مع مطلع القرن الحادي والعشرين، مستفيدة من انخفاض أجور اليد العاملة، وعدم تشدد البلاد في شروط الحفاظ على البيئة، ما أتاح تصدير الفائض من إنتاجها بأسعار تنافسية، لذلك هيمنت الصين على صناعة المعادن النادرة.
وهذه المعادن لها خصائص فريدة تجعلها لا غنى عنها في الصناعات المتقدمة: حيث إن المعادن الأرضية النادرة حين استعمالها في الأدوات عالية التقنية يمكنها أن تجعلها أصغر وأرخص وأخف وزنًا، ويتيح أيضا تحسين جودة التقنيات المتعددة، وهنا خصائص مغناطيسية قوية لها تُستخدم في صنع مغناطيسات قوية وصغيرة الحجم، وهو ما يساهم في تصغير الأجهزة الإلكترونية وتقوية المعادن وزيادة جدواها.
ونتيجة للفكر الرأسمالي الاستعماري الجشع والمبني على الصراع والتنافس والاحتكار فقد دخلت هذه المعادن في قلب الصراع والدور الإستراتيجي بالنسبة للدول الكبرى، وأصبحت المعادن النادرة سلاحا تتسابق الدول الكبرى للسيطرة عليه، نظرًا لأهميتها في تأمين مكانتها الاقتصادية والسياسية. فالمعادن النادرة ليست مجرد مواد خام، بل هي أدوات قوة تعزز النفوذ في السوق التكنولوجي والاقتصاد العسكري. حتى إن بعض الدول أصبحت تفكر في إيجاد مصادر جديدة وغير تقليدية، مثل التعدين في أعماق البحار أو حتى على سطح القمر، لأن هذه المعادن أصبحت أحد أبرز سمات الصراع الجيوسياسي في العصر الحديث بين أكبر اقتصادين عالميين؛ وهما أمريكا والصين، لذلك أصبحت هذه المعادن أكثر من مجرد مورد اقتصادي، فقد باتت أداة للضغط السياسي بين واشنطن وبكين، فالصين تملك 44 مليون طن من المعادن النادرة أي نصف احتياطي العالم من المعادن النادرة وتملك 23 ضعفا مما تملكه أمريكا من هذه المعادن، وتسيطر الصين على حوالي 70% من الإنتاج العالمي، وتحتكر أكثر من 80% من عمليات التكرير والمعالجة، ما يمنحها قدرة هائلة على التأثير في سلاسل التوريد العالمية واستخدامها ورقةَ ضغط جيوسياسية. وكذلك فإن الصين تحتكر إنتاج سبع عناصر من المعادن النادرة الضرورية لتصنيع المغناطيسات الدائمة التي تلزم في مختلف الصناعات الحديثة، حيث تسيطر على 90 بالمائة من إنتاج المغناطيسات الدائمة.
والأمر الآخر بالنسبة لأمريكا الذي يشكل تحدياً كبيراً في مجال معالجة المعادن النادرة هو أن الصين تهيمن على عمليات التعدين والتكرير عالمياً، ما يسبب مشكلة لأمريكا في استخراج العناصر النادرة ومعالجاتها؛ حيث تقوم بإرسال المواد المستخرجة إلى الصين لمزيد من المعالجة، بالإضافة إلى أن الصين فرضت قيودا على سبعة معادن نادرة تمثل عصب الصناعات المستقبلية.
وأما بالنسبة للضرائب فقد فرضت الصين ضرائب على المعادن المصدرة لأمريكا وأوروبا ردا على فرض الضرائب الأمريكية ورفعها، ما سبب ارتفاعا في تكلفة إنتاج البضائع الأوروبية والأمريكية خاصة السيارات الكهربائية، ما أدى إلى تسريح مئات الآلاف من العمال، فأصبحت الصين تلبي 90 بالمئة من سوق السيارات الكهربائية العالمي. كما أنها منعت بيع أي منتج تدخل فيه المعادن الصينية النادرة لكافة الصناعات التي تنتجها الدول الأُخر. كما وأنها فرضت قيودا على نقل تكنولوجيا التعدين والاستخراج للمعادن النادرة.
ومن جهة أخرى فقد أصبحت المعادن النادرة في صلب الصناعات العسكرية التي تعتمد على الذكاء الصناعي، فبدأت أمريكا بالتخوف من قدرات الصين العسكرية ووصولها إلى التفوق العسكري، حيث رفعت الصين الإنفاق العسكري إلى 230 مليار دولار، وزادت من قوتها النووية فوصلت الى 500 رأس نووي و370 قطعة بحرية من سفن وغواصات بحرية، وكذلك طورت البرامج الفضائية والأقمار الصناعية العسكرية، حيث تحاول الصين تقليل الفجوة بينها وبين أمريكا في النواحي العسكرية، علما بأن طائرة أف 35 الأمريكية تحتاج إلى 450 كيلوغرام من المعادن النادرة.
لذلك فإن الصين بإمكانها تهديد صناعة الدفاع الأميركية والأوروبية إذا وضعت قيودا عليها، ما يجعل المعادن النادرة محور صراع جيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، ما يتيح فرصة للتفوق الصيني على أمريكا في مجال الدفاع والفضاء والسيارات والذكاء الصناعي، ما حدا بترمب لوصف الصين بأنها دولة شريرة وأنها تأخذ العالم رهينة، فكان منه أن رفع الضرائب على الصين ووعدها بالانتقام، فقامت الصين بردود مماثلة، عندها بدأ التراجع الأمريكي في التعامل مع الصين، وجرى لقاء بين الرئيسين الصيني والأمريكي والخبراء بعد أن غير ترمب لهجته وحولها إلى لهجة تصالحية، حيث وصف ترامب الرئيس الصيني شي بأنه “صديق قديم” تربطه به “علاقة جيدة جدًا” في تراجع ميكافيلي واضح.
ومن هنا فقد أصبحت العناصر النادرة عنصرا إستراتيجيًا دخل لعبة التنافس بين القوى الكبرى: الصين، والولايات المتحدة، واليابان، والاتحاد الأوروبي، حتى أنهم قاموا برفع دعوى ضد الصين في منظمة التجارة العالمية بأن الرسوم الجمركية والحصص التصديرية التي فرضتها الصين على المعادن النادرة مخالفة لقواعد المنظمة للتجارة العالمية، حيث ثبت أن الاعتماد على الصين خطر إستراتيجي، فشرعت الدول الكبرى باتخاذ خطوات لفك ارتباطها بسلاسل التوريد الصينية بالتنقيب محليا والبحث عن مصادر أخرى في إفريقية، في دول غنية بالمصادر مثل الكونغو ومدغشقر وناميبيا ونيجيريا. كما عملت بعض الشركات على تطوير طرق لاستعادة المعادن النادرة من الأجهزة الإلكترونية القديمة ومحاولة إيجاد بدائل صناعية وعناصر بديلة للمعادن النادرة، لتقليل الاعتماد على الصين.
وقد حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السيطرة على جزيرة جرينلاند التابعة للدنمرك والغنية بالمعادن النادرة، وقامت أمريكا بعقد صفقة مع الباكستان التي تمتلك 92 معدنا مختلفا تشمل معظم مساحة باكستان مقابل استثمارات أمريكية فيها. وفي المغرب عقدت اتفاقا بشأن المعادن النادرة، تبلغ قيمته 60 مليار دولار، مقابل اعتراف أمريكا بتبعية الصحراء المغربية للمغرب ودعمها في مجلس الأمن ضد الجزائر التي عرض سفيرها في واشنطن استعداد بلاده لمناقشة صفقة مع الولايات المتحدة بشأن مواردها من المعادن النادرة على غرار أوكرانيا. أما أوكرانيا فقد عقدت معها اتفاقيات بشأن المعادن النادرة بقيمة نصف ترليون دولار مقابل إعمار البلاد بعد الحرب الروسية الأوكرانية. كما عقد اتفاقات مع اليابان لتوريد 16 مليون طن. وعقد صفقة مع ماليزيا بقيمة 18.5 مليون طن من المعادن النادرة. أما أفغانستان – وهي واحدة من الأراضي المليئة بالمعادن النادرة- فإن أمريكا وبعد هزيمتها وفرارها منها تحاول اليوم الدخول إليها واستعادة قاعدة باغرام العسكرية من أجل استغلال المعادن والنشاطات العسكرية وتأمين طرق إمداد للمعادن النادرة التي تمر عبر أفغانستان. وأما السودان فإن حقولها حافلة بالمعادن النادرة التي تستخدم في الصناعات الإستراتيجية، وإن أحد أهداف الحرب الأهلية التي أشعلتها أمريكا محاولة الاستحواذ الكامل على الثروات والمعادن النادرة وطرد منافسيها والعمل لتجزئة السودان وفصل دارفور الغنية بالثروات واستقلالها لاستغلالها. ولا ننس إثارة المشكلات لكل دولة غنية بالثروات، مثل ما تثيره ضد نيجيريا بذريعة قتل النصارى، أو فنزويلا الثرية بالثروات بذريعة تهريب المخدرات، وقبلهما العراق، وقد عقدت أمريكا مع أستراليا عقدا بشأن المعادن النادرة إذ تملك 5.7 مليون طن.
أما في تركيا فقد أعلن أردوغان أن هناك 694 مليون طن من الموارد، تشمل بالدرجة الأولى المعادن النادرة، وقال إن تركيا يوجد فيها 10 من أصل 17 عنصرا نادرا، على نحو 12.5 مليون طن من أكاسيد المعادن النادرة، وأضاف إن استخراجها يتطلب تعاوناً دولياً. وأما أوروبا فإنها تعتمد على الصين غالبا في الحصول على المعادن النادرة رغم وجود بعض الاحتياطيات غير المستغلة في أوروبا، فالإنتاج المحلي لا يغطي سوى جزء ضئيل من الطلب، ويواجه تحديات بيئية واجتماعية تعيق تطويره.
هذا واقع الصراع الاقتصادي على المعادن النادرة، مع أن الله تعالى قد أوجدها ليس للصراع والحروب وإنما لخدمة البشرية، فقد سخر الله تعالى ما في السموات والأرض وقد وضعها الله سبحانه وتعالى خدمة للبشرية وخدمة لمصالحهم وتلبية لاحتياجاتهم المختلفة، حيث امتلأت الأرض بالمناجم والمواد الخام التي تحتاجها العديد من الصناعات. فإذا استُخدمت وفق ما أمر الله تعالى كان الخير للبشرية جمعاء، حتى في سنة التدافع التي تستخدم القوة والحديد والبأس الشديد لنشر الدين ومنعا لتغول الكفار وحماية للمسلمين وثرواتهم وأعراضهم.
وكذلك فقد فرق الله تعالى هذه المعادن والثروات في الأرض وفق مشيئته، فلم يوزعها بشكل متساو، ولكن طبيعة البشر والطمع والتنافس وحب السيادة جعلها مكان منافسة بين الحكومات للوصول إلى هذه الموارد واستغلالها، وعلى مر التاريخ. يقول الله في سورة الحديد عن أهمية الموارد المعدنية واستخداماتها: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحدید۲۵). لذلك فإن الإسلام قد حدد كيفية استخدام مقدرات الأمة وطاقاتها وثرواتها لأمرين؛ الأول: استخدام المعادن في إقامة دين الله ونشره، وثانيها: استخدام المعادن لتلبية حاجات البشرية وتأمين مصالحها.
والعالم الإسلامي قد حباه الله تعالى ثروات هائلة، وهذا أمر لا نقاش فيه، حيث تملك البلاد الإسلامية ثروات هائلة وكثيرا من المعادن الثمينة النادرة، ولكنها غير مستغلة من قبل الأمة، فلا بد من استثمارها من قبل المسلمين. وقد أصبح التعدين والمعادن النادرة والثروات الطبيعية قضية سياسية بين الدول العظمى. ومن هنا كان لا بد من مواجهتها والرد عليها من خلال دولة عظمى، وهذا لا يتأتى إلا باجتماع الأمة والخلاص من حكامها وإقامة الخلافة الإسلامية، لمواجهة الصين وأمريكا وأوروبا وروسيا، وجميع القوى الطامعة في خيرات الأمة، ولإنهاء الحرب التي تشنها على العالم الإسلامي من طريق قادته العملاء. ولا بد من التنبيه إلى حقيقة دامغة، وهي أن الاستخدام الصحيح والفعال للثروة وللمعادن النادرة والمواد الطبيعية المعدنية في العالم الإسلامي أمر شبه مستحيل في غياب أحكام الإسلام وتسلط الكفر.
وقد بين الإسلام القواعد الفقهية الأساسية للاقتصاد والمِلكية، فقسم المِلكية إلى ثلاث فئات: الملكية الفردية، وأملاك الدولة، والممتلكات العامة. وتقع الموارد الطبيعية والجوفية التي تأخذ صفة العِدّ الذي لا ينقطع مثل النفط والغاز ومعادن الذهب والحديد واليورانيوم والليثيوم والعناصر الإستراتيجية والنادرة الأخرى بوضوح في الممتلكات العامة. وبيّن أن هذا النوع من الممتلكات يمنع أن يحوزه الأفراد، وليس هو مِلكا للدولة، بل هو ملك للأمة الإسلامية، وترعى بصفتها مصالح عامة للمسلمين، بخلاف النظام الرأسمالي في نظرته إلى ملكية الموارد الطبيعية وطريقة استخراجها. ففي النظام الرأسمالي الغربي تصبح الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والمعادن ملكية حصرية من خلال عمليات مثل “الخصخصة” أو الامتيازات الممنوحة للشركات الكبرى المحلية أو الأجنبية الكبيرة.
ولا بد من التذكير بأن تسليم ثروات الأمة أو خصخصتها أو منح الامتيازات التي تعطى للدول والشركات العابرة للقارات في إطار النموذج الاقتصادي الرأسمالي هو كارثة سياسية واقتصادية كبرى، وهو أحد أساليب الاستعمار وربط اقتصاديات الدول الفقيرة باقتصاديات القوى العالمية والمؤسسات الدولية الاستعمارية، كما في تجربة الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية ودول العالم الإسلامي حيث لم يحقق دخول الشركات الأجنبية تقدما اقتصاديا، بل تسبب أيضا في عدم الاستقرار السياسي وانتشار الفساد ونهب الموارد والقضاء على الاستقلال الاقتصادي والسياسي. وكذلك فإن إعطاء ثروات الأمة بأي أسلوب للدول الاستعمارية من طريق شركاتها أو من طريق المؤسسات الدولية ليس فقط غير شرعي من وجهة نظر الإسلام، وإنما هو أيضا من الناحية السياسية والأمنية خطأ كبير وانتحار سياسي. والإسلام يحرم أي نوع من التعاون الاقتصادي الذي يؤدي إلى تقوية أعداء الإسلام أو سيطرة الكفار على موارد المسلمين أو يتسبب بتبعية الأمة الإسلامية. وكذلك فإن الإسلام يحرم دخول الشركات الاستعمارية إلى الأراضي الإسلامية تحت غطاء استخراج الموارد الطبيعية، لأنها ليست في الواقع شركات تجارية، بل هي تابعة لأجهزة سياسية واستخباراتية وعسكرية تسعى إلى تحقيق أهداف استعمارية، ولأن ذلك يعتبر تعاونا مع العدو وتقوية له، وهو يشبه تسليم السلاح للعدو أثناء الحرب، وخاصة الدول التي تعدّ دولا محاربة للمسلمين مثل الصين وأمريكا وأوروبا وروسيا وغيرها من القوى الاستعمارية، فهذا يعد مساعدة للأنظمة المعادية للإسلام.
وعلى هذا فإن على الأمة الإسلامية استغلال ثرواتها بنفسها ومعالجتها وتعدينها، فالمطلوب إنشاء بنية تحتية صناعية للمعالجة والتعدين، لما لها من فوائد سياسية واقتصادية عظيمة، فالإسلام ليس مجرد دين عبادة فقط، وإنما هو طريقة عيش متميزة، حيث يقدم قواعد واضحة وعادلة وإنسانية، حتى في أصغر الأبعاد السياسية والاقتصادية ومصلحة الأمة، بما في ذلك المعادن.
أخيرا، إن الصراع حول المعادن النادرة سيظل محتدمًا في المستقبل، وسيكون مستقبل الذكاء الصناعي مرهونًا بقدرة الدول على تأمين هذه الموارد الإستراتيجية. ومع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين، يصبح الأمن التكنولوجي والاستقلال الاقتصادي مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على الوصول إلى هذه المعادن. لذلك نجد أمريكا تفرض منظومتها العالمية من عولمة وخصخصة وقرصنة من خلال التلويح باستخدام القوة أو من خلال أدواتها؛ صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة، تحت ما يسمى بالاستثمار والتعاون، وغيرها من الأدوات والأساليب الاستعمارية، لتدخل من طريقها في البلدان لنهب ثرواتنا.
ومن الجدير ذكره أن التنافس بين القوتين لا يقتصر على التجارة، بل يمتد إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والدفاع. هذا الصراع أدى إلى عدم الاستقرار، ما جعل الذهب ملاذا آمنًا، ما أدى إلى ارتفاع سعره وتباطؤ عجلة الاقتصاد والتنمية. وستسعى الولايات المتحدة إلى إنشاء تحالف دولي لتقويض احتكار الصين، فيما يُعرف بـ”تحالف الردع”. وستعمل على تنويع مصادر المعادن النادرة من دول أُخر بأية وسيلة متاحة، ولو بالقوة، وستحاول تطوير تقنيات وإعادة التدوير، وستحاول إيجاد مصانع محلية لاستخراج المعادن النادرة المتوفرة ومعالجتها، رغم التحديات البيئية والتكلفة العالية.
وعلى الصعيد السياسي فإن أمريكا تعمل على استمرار إثارة قضيتين للضغط على الصين؛ قضية تايوان وقضية كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، لتشتغل بنفسها ولمنعها من دخول منطقة الشرق الأوسط، وستدفع بعملائها في الشرق الأوسط مثل حكام تركيا والسعودية ومصر كلاعبين للحفاظ على هيمنتها وفق خطة هنري كيسنجر التي تقضي بأن من يسيطر على الشرق الأوسط يستطيع أن يتحكم بالسوق العالمي وطرق إمدادات الطاقة.
وكانت أمريكا قد أخرجت الصين من الحرب الأوكرانية الروسية وأضعفت دورها لأهداف سياسية واقتصادية، وأبعدتها عن روسيا عندما خشيت الصين أن تطالها العقوبات وتُفرض عليها كما فرضت على روسيا، وقد أمسكت بكل الخيوط السياسية في الحرب وأضعفت أوروبا وجعلت من نفسها اللاعب الرئيس، بحيث لا تستطيع أوروبا اتخاذ أي قرار ضد روسيا إلا بموافقتها، مع العلم بأن أمريكا اليوم أضعف من أي وقت، فهي ليست أكثر من شرطي عالمي متغول، وهي الآن تريد الخروج من أزماتها الداخلية، كالبطالة والمديونية العالية، فهي لا تستطيع إنشاء حرب مع الصين، ولا تستطيع الدخول في سباق تسلح معها، لذلك فالوضع الراهن مُواتٍ للصين للتسابق وتفعيل البرامج النووية لتكون نِدّا لأمريكا، وكذلك فإنها فرصة لأمة الإسلام لتعيد عافيتها ووحدتها وقيادتها للعالم، وتتحول من وقود حرب ومكان صراع إلى بطل في المسرح العالمي.
وعلى هذا فإن الأمة الإسلامية في قلب الصراع، لذلك يجب أن تجتمع وتقيم الخلافة الراشدة، ويجب أن تبحث عن المعادن النادرة وغيرها لاستغلالها، وهو من باب الرعاية ومن باب الإعداد لإرهاب العدو، فقد رأينا الحظر المفروض على العالم الإسلامي في مجال امتلاك السلاح الفعال بتزويد القوات المسلحة في البلاد الإسلامية سلاحا فاسدا أو محدود الفعالية، ولا يوجه إلا كما يأمر ويشترط الصانع والمورد.
لذلك فإنّه يجب على الدولة أن تكفل وجود مراكز للبحث، تمكّن الصناعة في دولة الخلافة من جعلها رائدة على مستوى العالم، وسينطوي هذا على استثمارات كبيرة من قبل الدولة، وربط الصناعة بالبحث الجامعي، لتلبية متطلبات الدولة من مهندسين في كل المجالات وبخبراء ومخططين في التصنيع بكل أنواعه. بالإضافة إلى ذلك على الدولة أن تشجع مؤسسات القطاع الخاص، للعب دورها في مجال البحث والتطوير والإبداع والمنافسة.
إنّ سعي دولة الخلافة لأن تكون دولة صناعية، يتطلب أن توجد الصناعة الثقيلة مثل صناعة المحركات والآلات الصناعية، أي “مصنع المصانع”، فهي محرك الصناعة الإستراتيجية، وأن توجهها لصالح الأمة وتفوقها على كل الأمم. وكما تعلمون فإن البلاد الإسلامية قادرة لو اجتمعت على أن تتحوّل من تابعٍ إلى مؤثرٍ في معادلة القوى العالمية. فالبلاد الإسلامية تملك المبدأ الصحيح والمساحة الجغرافية، والموقع الإستراتيجي، والموارد الطبيعية، والقدرة البشرية الهائلة، لكنها تحتاج إلى مشروعٍ جامعٍ يوحّد إرادتها، ويحرّر قرارها السياسي والاقتصادي من الهيمنة الخارجية.
ولقد تبنّى حزب التحرير في مقدمة الدستور موادّ تبين المِلكيات العامة وأنواعها واستغلالها وكيفية الانتفاع بها، وتبنّى في قضية امتلاك المصانع ودوائر التصنيع العسكري، سواء أكانت صناعة ثقيلة كصناعة المحركات والآلات وهياكل المركبات والمواد الإلكترونية وصناعاتها. كما وتبنى موادّ منع فيها الدولة أن تحوّل ملكية فردية إلى ملكية عامة، لأن الملكية العامة ثابتة في طبيعة المال وصفته لا برأي الدولة. ولا يجوز للدولة أن تأذن لأحد دون باقي الرعية بملكية الأملاك العامة أو استغلالها. وهي التي تستطيع التحكم بالأسواق العالمية لأنها تملك المبدأ الصحيح والصالح لسعادة البشرية، وهي الكفيلة بإعادة صياغة مفاهيم الاقتصاد والتجارة والعدل وصالح البشرية. كذلك فهي التي تسيطر على معظم ثروات العالم في أراضيها، فهي التي تستطيع فرض شروطها وهيمنتها على جميع المعادن النادرة، لقوة اقتصادها، ولحاجة الدول لها ولثرواتها، ولموقعها الإستراتيجي وسيطرتها على طرق إمدادات الطاقة بفضل اتساع مساحتها وكثرة ممراتها المائية.
وأخيرا، وبالنسبة للتوقعات في حرب المعادن فإن الدول الكبرى ستظل تلهث وراء المنافع المادية حتماً. ومن غير المرجح أن تنتهي الحرب التجارية قريباً، بل يُتوقع أن تتحول إلى صراع طويل الأمد ومتعدد الأبعاد يشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والأمور العسكرية وحتى النفوذ الجيوسياسي، ويمكن للدول الصغيرة أن تستفيد من هذا الصراع وكذلك بعض الأفراد، لكن الصراع لن يتوقف. فالمستقبل في قبضة من يمتلك المعادن النادرة، وسيستمر السباق الإستراتيجي لتأمين النفوذ العالمي، حيث تحاول الدول الكبرى إعادة رسم خريطة سلاسل التوريد، لضمان أمنها القومي وتقليل اعتمادها على الصين. وقد يتجاوز الأمرُ التنافسَ إلى حروب غير اقتصادية إن لم توجد حلول بديلة. فكل الحلول ستكون مؤقتة إلى أن يأتي الحل الجذري مع عودة الخلافة الإسلامية، لتخلص العالم من شرور الرأسمالية التي أشقت العالم، ولتُوقِف التسلط والظلم والاستعمار، فالخلافة ستجعل دافع الصراع الدولي هو حمل المبدأ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور وصالح البشرية، لا الركض وراء المنافع وتجييرها للأمور الشخصية وانتشار الحرمان والاحتكارات العالمية.
1447-11-01