العدد الرابع - السنة الأولى، العدد الرابع، محرم 1408هـ الموافق أيلول 1987م

الهجرة بعد الوعي

الهجرة بعد الوعي

مع بزوغ هلال المحرم من كل عام، يمر بنا عبق حدث تاريخي مجيد، هو ذكرى الهجرة، هجرة المصطفى عليه وعلى آله الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة. ذلك الحدث الذي كان له أثره العميق في تاريخ البشرية جمعاء. ذلك الحدث الذي كان نقطة تحول بارزة في تاريخ الدعوة الإسلامية، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من مراحل الدعوة، بإرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة، وإيجاد الإسلام في واقع الحياة، مُنفّذاً بالسلطة والحكم، ومن ثم نشر دعوة التوحيد في الدنيا الواسعة بالجهاد وماحقة دول الشرك والظلم إلى الأبد… ذلك الحديث الذي قلب ميزان القوى، ليس فقط على مستوى شبه الجزيرة العربية بل على مستوى العالم كله، أنها الخطوة العملية التاريخية، التي سجّلت بداية عهد إنساني جديد.

… ومع مرور الزمان على هذا الحدث الجليل، فإن الهجرة ما زالت تتجدد ذكراها عاماً بعد عام، ليستخلص منها المسلمون العِبَر والدّروس، ليصححوا مسيرتهم، ويتعلموا منها أن الإسلام إنما ينتصر بعزائم الرجال، وبالتخطيط المحكم وبالإخلاص والصبر على المكاره.

لم تكن الهجرة مجرد حدث عادي في تاريخ الدعوة الإسلامية، بل كانت نقطة تحول فاصلة بين عهدين مختلفين من عهود الدعوة، إيذاناً بقيام دولة الإسلام ورفع راية التوحيد، وانكسار راية الكفر وانحسار وانهيار حصون الشرك والوثنية.

الإعداد والتخطيط

لقد سبع هذا الحدث العظيم إعداد وتخطيط محكم، وتضحيات جسام تحمّلها الرسول عليه وآله الصلاة والسلام وأتباعه من المسلمين في مكة… ولقد كانت الدعوة مع بداية ظهور الإسلام في مكة، بحاجة إلى رجال لا يخافون في الله لومة لائم، رجال يصدقون ما يعاهدون الله عليه، رجال أصحاب عقيدة لا تتزعزع، وثقة لا يخامرها شك في نصر الله. لذلك كان الابتلاء وكان التعذيب والتنكيل بالمسلمين، وكان ما لاقوه من صنوف الاضطهاد من مجتمع مكّة. كل هذه الأحداث الجسام كانت امتحاناً لصبر المسلمين وتمسّكهم بدينهم وثبات عقيدتهم، ومدى استعدادهم للتضحية في سبيله وقد وصل طغيان قريش وظلمها إلى حدّ مقاطعة الرسول مع بني هاشم وبني المطلب، حتى عاني الرسول والمسلمون الأمرين، فكان يدعوهم إلى الصبر، ويسليهم عن أذى الناس بذكرى الجنة ونعيمها. وظل هو المثل الأعلى في الصبر واليقين بوعد ربه. ولا ننسى ردّه عليه السلام على عمه أبي طالب حين فاوضته قريش على ترك الدعوة والتلهي بالدنيا: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الدين ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه».

لقد خالف المبدأ الجديد ما اعتاد المجتمع المكي سماعه من ألفاظ ومعان، وأتى بمفاهيم جديدة تخالف مفاهيم المجتمع السائدة آنذاك، ولذلك كانت الدعوة بادئ الأمر غريبة عن المجتمع المكّي، ولم ينجذب إليها إلا النخبة ممن كان الإحساس فيهم قوياً.

الرحلة الحدث

… وبدأت الرحلة التاريخية، بعدما تفاعل مجتمع المدينة بالمبدأ السماوي الجديد وانتصر له. فقد هاجر المصطفى عليه وآله السلام بوحي منه عزّ وجل. فانتقل الرسول يذلك من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة. وكانت ضرورة استلام السلطة في المدينة تقتضي منه الانتقال إلى المدينة ليطبق مبدأه على مجتمعها. لم تكن هذه مجرد نقلة من حال العذاب والخطر المتصاعد إلى الأمن والطمأنينة، بل كانت انطلاقة مرحلة مصيرية حاسمة في التاريخ. أنها مرحلة العمل المنظم من خلال دولة مرحلة المواجهة العنيفة الصادقة بين الصالح والطالح بين الخير والشر بين الحق والباطل هذه المرحلة شهدت بناء أول مسجد في الإسلام، وتأسيس أول دولة إسلامية أول نقطة مضيئة على خريطة العالم. ولم تلبث دائرة الضوء الصغيرة هذه أن اتسعت مبدّدة جحافل الظلام، ونشارة نور الهدى وعدالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.

والهدف من الهجرة تكل هو إقامة وحدة عقائدية سياسية بالمدينة. وكان التدبير المناسب لتحقيق هذا الهدف هو تنظيم الصفوف للقضاء على كل شبهة تثير العداوات القديمة فيما بين العرب المسلمين آنذاك في يثرب، سواء أكانوا مهاجرين أم أنصاراً. وقد اتبع صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك أسلوباً فريداً لم يعرفه قائد أمة من قبل ولا من بعد، وهو أسلوب يقوم على الإخاء الإنساني، إخاء في العقيدة، وإخاء في الحقوق والواجبات، لا فرق بين زيد وعمروا، ولا بين الأوس والخزرج، ولا بين المهاجرين والأنصار.

بفضل هذا التنظيم النبوي المحكم، قام هذا التكتل الصحيح على أساس مبدئي إسلامي، وكانت فكرته هي روحه، وهي نواته، وهي سر حياته. وعلى هذا اندمج المهاجرون والأنصار وتلاحموا في كيان واحد ذابت فيه النزعات الفردية، والنعرات القبلية، وسارت الروح الجماعية على أساس جديد لم يشهد التاريخ له مثيلاً، وهو أساس العقيدة، لا أساس الحسب والنسب، كلهم جنود للإسلام وأتباع لمحمد بن عبد الله عليه وآله السلام. وبذلك استطاعوا أن يكوّنوا قوة تقف في وجه قريش، وترسم الخطط لهدم الشرك، ونصرة الدعوة وتعزيزها بكل وسيلة ممكنة… بهذا صار الكفر يضمحل والإسلام ينتعش ويمتد سلطانه، حتى عادت مكة إلى المطرودين منها طائعة، وخفقت عليها الراية التي كانت فيها مغلوبة، وتحطمت الأصنام التي كانت معبودة فيها، وانقشع الكفر كله من أرضها، وأصبح محظوراً عليه أن يكون له أثر هناك. بجانب كلمة التوحيد. تلك الجملة التي حوربت كثيراً وحورب أهلها. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا).

الهجرة المشعّة

هذه هي الخطوات التي سار فيها المصطفى عليه السلام في معترك الحياة، ونقل الفكرة إلى الدور العملي. وبعبارة أخرى، نقل المبدأ إلى معترك الحياة بإيجاد الحياة الإسلامية، وتأسيس مجتمع إسلامي نهض فيه وحمله من بعده خلفاؤه حتى عم الإسلام الدنيا. ففتحت الشام والعراق ومصر وأفريقيا وفارس والسند والهند وبلاد الترك والأندلس، وبلغ المسلمون الصين شرقاً، وفرنسا غرباً، وتوغلوا في بلاد الفولغا شمالاً وفي أواسط أفريقيا جنوباً، في دولة إسلامية واحدة.

ثم تشاغلت الأمة بالدنيا، فضاعت خلافتها. وكان من سوء صنيع المسلمين بأنفسهم أن يتأخروا عن إقامة الدولة الإسلامية، فكيف بوقوفهم للحيلولة دون قيامها؟؟؟

ونحمد الله ونشكره أن المسلمين اليوم بدأوا يدركون أن ما أصابهم من ضعف وتخلف وانحطاط، لم يكن بسبب كونهم “مسلمين” كما صوَّر لهم الاستعمار وأدواته على امتداد عقود من الزمن، وإنما كان بسبب كونهم “مسلمين بلا إسلام”!!! وفي ضوء هذا الإدراك، بدأت الأيدي تمتد إلى الرفوف، باحثة عما أهملته هناك قروناً…

ولكي يتحول التململ وضياع الهوية الربّانية إلى حركة دائمة الإشعاع والإدراك، والتفكير إلى مفاهيم، فإن على المسلمين أن يعيدوا قراءة تاريخهم، وأن يستلهموا منه المنطلق وسواء السبيل.

إننا لا ندعو إلى قراءة عابرة للتاريخ، قراءة سطحية لا هدف لها إلا التغنّي بالوقائع واجترار الأحداث والأمجاد الغابرة. ولكن الذي ندعو إليه قراءة مستنيرة منبعثة من التفكير المستنير، تربط المواقف والمعاني التي خطّها وسار عليها وعمل بها صاحب أعظم حدث في تاريخ الأنام,

إكسير الفلاح

وحين نتأمل واقع المسلمين اليوم، نجد شبهاً بينه وبين واقعهم في تاريخ ما قبل الهجرة. ولا ينفي اختلاف الزمان، واتساع المكان، وكثرة العدد، وجود العديد من القواسم المشتركة التي نجدها في ظاهرة الضعف والتخلف والبحث عن مخرج، كما نجدها في تفرّق القوى المعادية وشراسة الهجمات والمؤامرات التي تعرّض لها المسلمون الأوائل، وتمكنّوا من صدّها ودحرها بفضل إيمانهم الراسخ، وعزيمتهم الجبّارة وسائر الخصائص التي نصروا بها الله، فنصرهم الله بها، وفتح لهم فتحاً مبيناً، بدأ بمكّة وامتد إلى الصين ومشارف فيينّا وفرنسا!!

كيف انتقل المسلمون من موقع الضعف الشديد إلى موقع القوة المظفرة، كيف خرجوا من ديارهم أذلاّء وعادوا إليها أعزّاء؟ كيف كانوا عشرات وأصبحوا ملايين، ثم مئات الملايين؟ وكيف كانوا بلا مأوى، فصاروا أصحاب دولة منظّمة مترامية الأطراف، علية اللواء، عظيمة السنى والسناء؟!!

وبسؤال جامع مانع، كيف انتقلوا من تخلّف البداوة، إلى قمّة الحضارة والمجد؟

إن الجواب على ذلك كلّه، يبدأ حتماً من الهجرة كمنطلق أساسي لمسيرة التاريخ. وما دام للهجرة كل هذه العلاقة الصميمة بالتاريخ عموماً، وبالتاريخ الإسلامي خصوصاً، أفلا يكون من المفارقات غير السارة، ولا المعقولة، أن نظل عالة على الغير حتى فيما نؤرّخ به لحياتنا الرسمية والشعبية؟!

ولقد لاحظنا في الآونة الأخير، مع انطلاقة مجلة الوعي، ضمن بداية الوعي الإسلامي، أن ثمة محاولات لصياغة الشخصية الإسلامية من جديد، بإحياء مفردات ومصطلحات التراث والتاريخ الإسلاميين، كبديل طبيعي وضروري لمفردات القاموس الأجنبي الذي نعيش عالة عليه، ونكاد نذوب فيه.

فالمسالة ليست شكلية كما يحلو للبعض أن يتصورها ويصورها. فاستعادة التاريخ الهجري يمكن أن يكون منطلقاً ورمزاً لاستعادة روح الهجرة ونتائجها الباهرة بل أكثر من ذلك، إنه إكسير الفلاح!! وهل نجد في تاريخ هذه الأمة، بل في تاريخ الإنسانية أسنى وأسمى من روح الهجرة، وأعظم وأجل من معطياتها؟؟

لقد كانت مرحلة الهجرة بحق مرحلة التحول العظيم، ونحن، عرباً وعجماً، أشد ما نكون حاجة إلى مرحلة تحوليّة في نفس العمق وعلى نفس المستوى. ونحن بالطبع لسنا مضطرين إلى الهجرة، وإنما نحن مضطرون إلى الأخذ بقوانينها ومعطياتها الكبيرة. السنا في أمس الحاجة إلى التحوّل من الضعف إلى القوة؟ من التخلف إلى التقدم؟ من التناقض والاختلاف إلى التآخي والائتلاف؟ من السير العشوائي بلا منهج ولا مصطلح إلى أمة ذات شخصية متبلورة ودولة مُحكمة النظام، وحياة واضحة المنطلق والهدف، وباختصار شديد ألا يتطلع المسلمون إلى الانتقال بمجتمعهم من حالة الاستهلاك الحضاري إلى استئناف دورهم في إغناء الحضارة؟؟

إن معاني التحول هذه نجدها جميعاً في مرحلة الهجرة التي يجدر بنا ونحن في العقد الأول من القرن الخامس عشر الهجري أن نجعل من ذكراها نبراساً. ومنطلقاً، ورمزاً لعودة الوعي الإسلامي.

لماذا التاريخ الهجري؟

أية ضرورة حقيقية تجعلنا نبحث عن تاريخ لحياتنا المعاصرة خارج نطاق التأريخ الذي اعتمدته عبقرية عمر بن الخطاب فاروق هذه الأمة رضي الله عنه؟ ومن المؤكد أن اختيار الفاروق عمر لهجرة الرسول في كتابة التاريخ، لم يكن من باب الصدفة أو الاجتهاد المرتجل، بل جاء نتيجة تأمّل دقيق وبصيرة نفّاذه، فهل يوجد تعبير أدق وأغنى دلالة من تاريخ مجتمع ما، من يوم ميلاد ذلك المجتمع نفسه، هل يؤرخ للدولة الإسلامية بتاريخ سابق أو لاحق لقيامها، أم يكون يوم تأسيسها هو المنطلق؟

لم يكن الخليفة العبقري ليغفل عن يوم ميلاد الرسول لولا أنه وجد في ذلك تقديساً لغير الله لا يرضاه الإسلام، فضلاً عن كونه محاكاة واضحة للنصارى، وهو ما يأباه مؤسس دولة رائدة، وحامل لواء رسالة سماوية خالدة. وكذلك لم يغفل الخليفة العبقري الفاروق عمر عن يوم وفاة الرسول، ولكنه ما دام قد استبعد يوم ميلاده وهو الحدث السعيد، فمن باب أولى أن لا يأخذ بيوم وفاته وهو الحدث المؤلم الفاجع؟

وما دام عمر رضي الله عنه قد رفض محاكاة النصارى واليهود، فكان طبيعياً أن لا يحاكي العرب أو العجم في اعتماد يوم أو حدث ما كمنطلق للتاريخ الإسلامي.

وهكذا، فقد كان المنطلق السليم، يقتضي أن يؤرخ للإسلام بأكبر وأهم حدث في تاريخ الإسلام والمسلمين، وهل هذا الحدث إلا الهجرة التي صانت الإسلام وأقامت مسجده الأول ودولته الأولى التي انطلق منها الفتح المبين؟

أسرة الوعي

شاهد أيضاً

waie383

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383) ذو الحجة 1439هـ – آب/أغسطس 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *