العدد 212 -

السنة التاسعة عشرة رمضان 1425هـ – تشرين أول 2004م

المرحلة الثالثة من نظام النقد الدولي: تفرّد الدولار وإلغاء الذهب (9)

المرحلة الثالثة من نظام النقد الدولي: تفرّد الدولار وإلغاء الذهب (9)

 

بعد إعلان ريتشارد نيكسون وقف العمل بنظام النقد الدولي، انتهت مرحلة قاعدة (نظام الصرف بالذهب)، وأوقف تبديل الدولار بالذهب، فيكون نيكسون بذلك قد كسر اتفاقية بريتون وودز، وخرق الاتفاقات الدولية، بين أميركا وحليفاتها من الدول الغنية، وأصيب عالم المال بذهول شديد جراء هذا القرار، وكان نيكسون قد أراد تحقيق أمرين اثنين بهذا الإعلان. الأول:إنقاذ الدولار من الأزمات المتتالية التي أصابته، والثاني: إبعاد الذهب كلياً عن ساحة التعامل النقدي، وإقرار الدولار ليكون على قمة الاقتصاد الدولي من كافة الوجوه.
لقد نجح نيكسون في الأمر الثاني، حيث أبعد الذهب كلياً عن ميدان المعاملات المالية والنقدية، وتفرد الدولار بكافة الأدوار التي كان يقوم بها الذهب. أما الأمر الأول، وهو إنقاذ الدولار من الأزمات التي ألمت به، وبالتالي النهضة بالاقتصاد الأميركي، وعلاج ميزان المدفوعات الأميركي، فإن هذا الأمر لم يتحقق للرئيس نيكسون، وإنه وإن كان قد أعطى للاقتصاد الأميركي وللدولار مسكِّناً يخفف عنه آلامه, ولكنه لم يف بالمقصود، لماذا؟ لأن العلَّة آتية من صلب النظام النقدي الدولي. فالدولار وإن كان قد فرض نقداً عالمياً، ولكنه يبقى نقداً محلياً، له هوية قومية معينة، ويظهر تحيزه لاقتصاد دولته، ومعه المؤسسات النقدية التي أسست ابتداءً للقيام بهذا الدور، وبخاصة صندوق النقد الدولي.

وبدأت المرحلة الثالثة من نظام النقد الدولي إثر إعلان نيكسون في 15/8/71 وقف تبديل الدولار الذهب – بظهور الارتباك على الدول الغنية، وقامت باتخاذ إجراءات متعددة وقائية وعلاجية. وكان أبرزها بيان الإليزيه واتفاق واشنطن.
1- بيان الإليزيه:
بتاريخ 18/8/71، عقب إصدار الرئيس الأميركي نيكسون قراراته المشهورة، بادر الرئيس الفرنسي إلى إصدار بيان رسمي سمِّي (بيان الإليزيه)، يدعو فيه الدول الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة، إلى عقد مؤتمر قمة، يكون بمثابة رد انتقامي أوروبي، في المجالين الاقتصادي والنقدي، ضد الولايات المتحدة، فلقد استاء الفرنسيون الذين يشعرون دائماً بالقلق إزاء موقف الاقتصاد الأميركي من أوروبا، وأثره على بقية دول العالم من الإجراءات الأميركية المذكورة، واعتبروها إجراءات غير مشروعة، وفقاً للوائح صندوق النقد الدولي، والاتفاقية العامة للتجارة، والتعريفة الجمركية (الجات).

إن الإجراءات المذكورة التي اتخذها نيكسون، ومنها فرض ضريبة إضافية قدرها 10% على الواردات، ووقف عمليات تحويل الدولار إلى ذهب، وكذلك مطالبة نيكسون بإعادة تقييم العملات الغربية الأخرى، بمواجهة تدهور الموقف الاقتصادي والنقدي للولايات المتحدة, ولتحقيق تصحيح نسبي للعجز الضخم في ميزان المدفوعات الأميركي مع أوروبا الغربية، هذه الإجراءات الأميركية جعلت دول السوق الأوروبية المشتركة معرضةً للإصابة بعجز تجاري تقدر قيمته بنحو (2) مليار دولار سنوياً، وخاصة بسبب ارتفاع أسعار تحويل عملات دول السوق، كما تأثرت نسبة 87% من صادرات السوق الأوروبية إلى الولايات المتحدة، بما قيمته 5725 مليون دولار أي (12.8%) من مجموع صادرات دول السوق المشتركة إلى العالم.

2- اتفاق واشنطن:

عقدت مجموعة الدول العشر الغنية اجتماعاً في واشنطن، بتاريخ 18/12/71. وإثر الاجتماع، وفي ختامه، وقع زعماء هذه الدول اتفاقاً بخصوص نظام النقد الدولي، أصبح يعرف باسم (اتفاق واشنطن). نصت اتفاقات واشنطن هذه على اعتماد (الثعبان النقدي) الذي يقوم على تثبيت أسعار العملات تجاه بعضها, وتلزم المصارف المركزية بالتدخل في الأسواق المالية دفاعاً عن أسعار عملاتها. وغاب عن نص الاتفاق أي ذكر لدور الذهب في تحديد أسعار صرف العملات. وبعد مضي بضعة أشهر عجز اتفاق واشنطن عن الصمود؛ لأنه لم يعالج جوهر المشكلة، وإنما هرب من حلها نحو الأمام. فظهرت المضاربات على الإسترليني، وعجزت الحكومة البريطانية عن دفع ديونها لصندوق النقد الدولي, وأعلنت تعويم سعر صرف الجنيه الإسترليني في الأسواق الدولية، متجاوزة الثعبان النقدي. وفي مطلع عام 1973، وأمام عجز ميزان المدفوعات الأميركي، عادت المضاربات على الدولار في الأسواق المالية الدولية، فاضطرت الحكومة الأميركية لتخفيض سعر صرف الدولار مرة أخرى بنسبة 10% وأعلنت انسحابها من الثعبان النقدي، ثم تبعتها اليابان. فيما كونت دول السوق الأوروبية ثعبانها النقدي الخاص بها. واستمرت هذه الحال، وهي تعويم أسعار الدولار، والإسترليني، والين الياباني، حتى سميت تلك الفترة (نظام الصرف العائم) وهي في الحقيقة ليست سوى تعبير عن الفوضى النقدية الشاملة، وغياب أي نظام نقدي دولي.
إن ميزان القوى العسكرية السياسي هو الذي ألغى نظام (القاعدة الذهبية)، وفرض نظام (قاعدة الصرف بالذهب)؛ ليشارك الدولار الذهب في القيمة الذاتية له. وميزان القوى العسكرية السياسي هو الذي ارتأى إلغاء نظام (قاعدة الصرف بالذهب)، وكرس نظام (قاعدة الاعتماد على الدولار) فقط، وتنحية الذهب عن الساحة النقدية في العالم، حتى وصل الحال بالعنجهية الأميركية -وهي تعتبر نفسها فوق القانون الدولي، بل وتحدد مساره حسب مصلحتها- في مؤتمر نيروبي الذي انعقد في صيف 1973، حيث مثَّل الوفد الأميركي (جورج شولتز) الذي كان وزيراً للخزانة الأميركية، قبل أن يصبح وزيراً للخارجية الأميركية، فقد وجه مسبات علنية لممثل مجموعة العشرين المنبثقة عن الدول النامية، واتهمه شولتز بالكذب والتزوير، وعندما طالب الهولندي (ويتفين)، الذي كان مديراً للصندوق في ذلك الوقت، وزير الخزانة الأميركية، ومصرف الاحتياط الفدرالي، بدعم الدولار، ووضع برنامج حقيقي للقضاء على عجز ميزان المدفوعات الأميركي، هاجمه شولتز بعنف شديد، ووضع الفيتو أمام إعادة انتخابه مديراً للصندوق، وقبل نهاية العام نفسه وقعت حرب أكتوبر، وحدثت الطفرة في ارتفاع أسعار النفط.

عود على بدء:
لما تكلمنا عن الفترة مابين الحربين الأولى والثانية، كانت هذه الفترة فترة اضطراب وعدم انضباط، كما كانت فترة أزمات نقدية ومالية، أي إن العالم كان يمر في حالة عدم استقرار من الناحية المالية والنقدية؛ لعدم الاستقرار السياسي، جراء الحرب العالمية الأولى وما بعدها.
جاءت اتفاقيات مؤتمر بريتون وودز ليتقرر فيها النظام الجديد للنقد الدولي، فكان لابد من مؤسسة عالمية، تكون مسؤولة عن الإشراف على تنفيذ اتفاقية بريتون وودز، كما تكون مسؤولة عن انضباط المعاملات النقدية والمالية، ووضع قاعدة ثابتة تنضبط بها أسعار صرف العملات، وتقييم التحويلات المالية والتجارية، كما أن لهذه المؤسسة حق المراقبة على حسن سير نظام النقد الدولي الجديد.
هذه المؤسسة التي أنيط بها كل هذه الأمور هي صندوق النقد الدولي، فقد تحدد ميثاق هذا النظام الذي هو حجر الأساس بموجب الاتفاق المذكور، وأصبح الجهاز الفعلي لتطبيق هذا الميثاق، والإشراف على تنفيذه ومراقبته، فقد تولى صندوق النقد الدولي:
1- مهمة تثبيت أسعار الصرف، حيث يجب على كل دولة منتسبة إلى الصندوق إعلان سعر صرف عملتها المحلية، أي تحديد قيمتها بوزن من الذهب مباشرة، أو بشكل غير مباشر، عن طريق تحديد سعر صرفها تجاه الدولار، وتلتزم كل دولة بالدفاع عن ذلك السعر، بتدخل مصرفها المركزي في الأسواق المالية، وشراء الكميات المعروضة من العملة المحلية بسعر الصرف الثابت، وقد حدد ميثاق الصندوق هامش تقلب أسعار صرف العملات، بين ناقص واحد وزائد واحد في المائة، من سعر الصرف الثابت.
2- منح قروض قصيرة الأجل للدول الأعضاء: وهذه هي المهمة الثانية لصندوق النقد الدولي، وهي مماثلة لدور المصرف الدولي، لكن قروض الصندوق تتميز بكونها شرطاً يجب تحقيقه قبل إقدام أية دولة على تخفيض سعر صرف عملتها، أي يجب على تلك الدولة استنفاد احتياطياتها المتوفرة لدى الصندوق، في الدفاع عن عملتها، قبل الإقدام على تخفيض سعر صرفها.

لقد حصل تحول كبير في ميزان القوى العسكري السياسي، وبروز الكتلة الاشتراكية من جهة أولى. وقد تحول مركز القوة في العالم الرأسمالي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة من جهة ثانية، بينما كان وجود الاستعمار القديم، وتقسيم الدول النامية إلى مستعمرات بريطانية وفرنسية, يعبر عن ميزان القوى الذي كان قد نتج عن الحرب العالمية الأولى، لهذا طالبت واشنطن بإنهاء الاستعمار القديم، حتى تتمكن من استغلال مركزها الجديد، وتقيم علاقات تبعية اقتصادية هي جوهر الاستعمار الجديد.
في بداية عصر الاختراعات والثورة الصناعية، بدت الحاجة ملحة إلى السيولة اللازمة لتأمين التوسع في الصناعات، ولمجاراة التطورات السريعة المستمرة. ولما كان يصعب العثور على كميات هائلة من الذهب، تستطيع سد هذا الطلب على العملة، بدأت الأنظار تتطلع إلى العملة الورقية المغطاة بالذهب، لسهولة التداول بها. فأنشئ في بريطانيا أول بنك لإصدار الأوراق النقدية، إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى، فأصدرت بعدها ألمانيا أوراقاً نقدية بدون تغطية ذهبية، حتى تستطيع دفع تعويضات الحرب الباهظة التي فرضت عليها. وفي نهاية العشرينات وصلت ثقة المؤسسات المصرفية بالعملات الورقية أدنى درجة.

غير أن العملات الذهبية بقيت محتفظة بقيمتها، أو بأجزاء كبيرة من قيمتها، عندما كانت تستعمل غطاءً حتى عام 1929، عام الكساد والانهيار الكبير للأسواق والأسهم والبنوك، إلى أن جاءت سنة 1944، ووجدت اتفاقية بريتون وودز التي نصت على أن تكون لكل عملة قيمة ثابتة مقومة بالذهب، لها حق الهبوط أو الارتفاع 1% عن قيمتها المقومة بها، وجعل للدول المنضمة إلى الاتفاقية، أن تعتمد على الدولار كعملة للاحتياط أو للتغطية النقدية، كما أنه باستطاعتها الاستعانة بصندوق النقد الدولي في عملية تثبيت الأسعار. وقد حدد فيها سعر الأونصة من الذهب التي وزنها (31.1) غراماً بخمسة وثلاثين دولاراً، فربط بذلك سعر الذهب بالدولار، مع جعل الذهب مع الدولار احتياطاً للدولة. وفي عام 1968، بدأ الذهب يتعرض إلى نظام السعرين: أحدهما رسمي وآخر السعر الحر في أسواق النقد العالمية، وذلك عندما اتفقت المصارف المركزية في الدول الكبرى، على فصل العمليات النقدية على الذهب، عن العمليات التجارية على الذهب. وبعد أن أعلن نيكسون، رئيس الولايات المتحدة سنة 1971، إنهاء علاقة الدولار بالذهب كعملة، وأن الدولار لم يعد قابلاً للتحويل إلى ذهب، منذ ذلك التاريخ، شنّت أميركا حرباً شعواء لا هوادة فيها على الذهب؛ لإخراجه عن كونه نقداً, ولجعله سلعة كأية سلعة من السلع، يتحكم فيه قانون العرض والطلب، بعد أن تنتـزع عنه الصفة النقدية نهائياً، حتى يتربع الدولار على عرش النظام النقدي العالمي، ويأخذ مكان الذهب، ويصبح هو العملة الوحيدة في الأساس النقدي، وفي تحديد أسعار النقد والسلع، وفي التجارة الدولية. وبهذه الحرب القائمة بين الدولار والذهب، أخذت أسعار الذهب في التغير والتذبذب، حتى وصلت الارتفاعات الجنونية في أسعار الذهب، إلى أن وصل سعر الأونصة الواحدة إلى أكثر من (850) دولاراً، ثم لما وضعت أميركا الذهب جانباً، بإصدار نيكسون قراراته التي جعلت الذهب سلعة من السلع، تكون بذلك قد أوجدت هزّةً عنيفةً في الأسواق العالمية، وفي ظنها أنها قد عالجت أزمتها الاقتصادية. لكننا نرى أن أسعار البترول قد ارتفعت، وكان يواكب ارتفاعها ارتفاع في أسعار الذهب، فكلما زاد سعر البترول ازداد سعر الذهب, ومعروف أن الأونصة من الذهب قد قاربت الألف دولار، كما ارتفع سعر برميل النفط إلى أن قارب الأربعين دولاراً.

ولكن الذهب لما كان سلعة ثمينة, والموجود منه في احتياطات الدول كميات كبيرة، كانت الدول الصناعية، عندما يزيد ميزان مدفوعاتها مقابل ارتفاع أسعار النفط الذي تستورده، وحتى تستطيع أن تمتص من الدول المصدرة الثمن الذي دفعته لها مقابل نفطها، تبيعها الذهب بأسعاره العالية، فتعوض بذلك ما تدفعه للدول المنتجة للنفط، خاصة العربية منها، هذا فضلاً عن استرجاع ذلك بالرفع الفظيع لأسعار صناعاتها التي تبيعها، وبذلك لا ينال الدول المنتجة للنفط، إلا ثمن رمزي ومقيد دفترياً؛ لأن فائض دول النفط يبقى في أميركا والدول الغربية، ويحسب لها بالدفتر، وأن ما تحصل عليه الدول المنتجة للنفط، وكبار المستثمرين فيها، من ذهب سيضرب عندما يراد إلحاق الخسارة بهم، للقضاء على مدّخراتهم عن طريق إنزالٍ حادٍ لأسعار الذهب، وبذلك يعود النفط وأثمانه إلى أميركا والدول الصناعية الكبرى.
من كل ما سبق، يتبين أن لا قيمة لأية اتفاقية اقتصادية تبرمها الولايات المتحدة، إلا بقدر المنفعة التي تحققها لها، وهي تنقض هذه الاتفاقية، حتى وإن كانت هي التي وضعتها، إذا رأتها لا تحقق مصالحها. فأميركا هي التي أبرمت اتفاقية بريتون وودز، ثم نقضتها، بل وألغاها نيكسون. وكذلك أميركا كانت وراء منظمة التجارة الدولية، وتركيز حريّة التجارة دولياً، ثم نقضتها، ورفعت الرسوم الجمركية على مادة الصلب المستوردة.
إن تحكم أميركا في النقد الدولي هو سبب الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية، التي تتوالى في العالم، وهذا واضح منذ عقد اتفاقية بريتون وودز 1944 وإدخال الدولار شريكاً للذهب في المعيار، ثم إقصاء الذهب نهائياً بقرار نيكسون 1971، وإلى يومنا هذا. وسنذكر فيما يلي الأزمات التي توالت على الدولار، والتي بدورها ذات أثر خطير على العالم:

1- بعد الحرب العالمية الثانية، أعلنت أميركا أن مشروع (مارشال) لتعمير أوروبا، وعلى الرغم من أن ظاهره لتنمية اقتصاد أوروبا بعد أن دمرته الحرب، إلا أنه كان بالدرجة الأولى خدمة للاقتصاد الأميركي، وذلك بتوفير أسواق جديدة لها في فترة التعمير. وبدأت أميركا تضخ (دولارات) للإنفاق على تعمير أوروبا، ورفد الخزينة في الدول الأوروبية. وقد كانت أميركا بموجب الاتفاقية ملزمة بإبدال كل (35) دولار ورقي بأونصة ذهب، غير أن (طبع) أميركا لدولارات ورقية تنفق في أوروبا، في مشاريع تعمير وتبادلات تجارية، جعلها تزيد زيادة هائلة عن احتياطي أميركا من الذهب. وهنا بدأت نذور الأزمة في الدولار.
2- بدأت الاضطرابات النقدية في الظهور سنة 1960، وذلك عندما زادت حدة الطلب على الذهب، نتيجة زعزعة الثقة بالدولار، وهذه جاءت من زيادة كميات الدولار في الخارج، رسمية كانت أو خاصة، حيث ازدادت بنسبة محسوسة، الأمر الذي دعا السلطات النقدية المسؤولة في العالم، إلى تقدير وفهم مدى خطورة تراكم عجز ميزان المدفوعات الأميركي. فأخذ الأفراد يكتنـزون الذهب، وأخذت المصارف المركزية تطلب من الولايات المتحدة تبديل قسم من دولارات أرصدتها بالذهب، فقد بلغت أزمة الذهب أشدها سنة 1960، كما أخذت تسدد عجز ميزان مدفوعاتها بالدولار فقط، دون استعمال الذهب، وهذا أمر فيه خطورة، كما أن بعض المصارف ضاعفت طلبها على الذهب من الولايات المتحدة، ومن سوق لندن أيضاً، وتضاعف ازدياد الطلب على الذهب، حتى وصل الطلب على الذهب إلى حد لم يعد يكفي لتلبيته كميات الذهب المستخرجة جديداً. وهكذا ارتفع سعره، في 20 تشرين الأول عام 1960، من (35) دولاراً للأونصة إلى (40) دولاراً وهذا يعني فقدان الثقة بالدولار، وفقدان الثقة بالدولار معناه زعزعة أسس نظام النقد الدولي.
عندئذٍ اضطرت الولايات المتحدة الأميركية أمام هذه الأحداث الخطيرة إلى التحرك، وأعلنت أن مصرف بريطانيا يستطيع أن يحصل على الذهب من الولايات المتحدة الأميركية، من أجل طرحه للبيع في سوق لندن؛ لتثبيت سعره عند مستوى (35) دولاراً للأونصة. بيد أن تصريح الولايات المتحدة هذا لم يستطع تهدئة الأوضاع؛ لذا طلبت معونة البلدان الرئيسية في العالم من أجل معالجتها. وهكذا تم الاتفاق على إنشاء مجمع الذهب.
مجمع الذهب
فقد عقد في بال مؤتمر من الدول الأوروبية الرئيسية أي: ألمانيا الغربية، وبلجيكا، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، والسويد، وسويسرا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وكان الهدف من انعقاد هذا المؤتمر إنشاء (مجمع الذهب)، من أجل تثبيت سعر الذهب، أي من أجل منعه من الارتفاع، هذا ما أعلن رسمياً. ولكن الحقيقة هي أن الهدف الواقعي هو من أجل تثبيت سعر الدولار، ومنعه من الانخفاض بالنسبة إلى الذهب.
إن طريقة مجمع الذهب في تثبيت أسعار الذهب، لا تختلف عن طريقة تثبيت سعر القطع الأجنبي المطبقة في أكثر بلدان العالم، يعني أن البلدان المعنية في مجمع الذهب قررت، بوساطة مصارفها المركزية، التأثير في عرض وطلب هذا المعدن الأصفر في سوق لندن. فإذا ارتفع سعر الذهب -لسبب من الأسباب- في السوق المذكورة، تسارع المصارف هذه إلى التدخل فوراً بطرحها كمية إضافية من الذهب للبيع؛ لإعادة السعر إلى مستوى التوازن. وفي المقابل، إذا انخفض السعر، فإنها تسارع أيضاً إلى شراء كمية الذهب الفائضة فيرتفع السعر إلى مستواه الأول.
وهناك نقطة جديرة بالبحث والاهتمام، وهي من أين تأتي كميات الذهب الإضافية إلى سوق لندن، عندما يرتفع سعره؟ الجواب: إنه لا يأتي إلا من مصدر واحد، إذ لم يوجد سوى مصدر واحد لزيادة كمية الذهب في السوق، وهو الأرصدة الرسمية لهذه الحكومات. إذن تأتي الكمية الإضافية في عرض هذا الذهب، عند ارتفاع سعره، من الأرصدة الذهبية الرسمية لبلدان مجمع الذهب فقط. أي إن الأرصدة الذهبية لبلدان مجمع الذهب تستعمل شراءً وعرضاً لخدمة أميركا، في دعم سعر الدولار لتثبيته.

وعلى كل، نستطيع أن نقول إن مجمع الذهب سار، في الفترة الممتدة من 1960-1965، أي من تاريخ إنشائه إلى سنة 1965، سيراً حسناً، إذ استطاع أن يثبت عملياً سعر الذهب عند المستوى الرسمي (35) دولاراً للأونصة. ولكن ابتداءً من سنة 1965 وحتى تاريخ وفاته، في 17 آذار سنة 1968، انقلب الوضع رأساً على عقب. فبعد أن كان في الفترة الأولى يدخل سوق الذهب في لندن، إما عارضاً وإما مشترياً، أصبح يدخلها في الفترة الثانية عارضاً فقط، الأمر الذي هدد أرصدة البلدان الأعضاء الذهبية بالذوبان؛ لذا انسحبت فرنسا منه في شهر حزيران سنة 1967، وفي خريف العام نفسه اندلعت أزمة الإسترليني، وتلتها أزمة الذهب (وهاتان الأزمتان موضحتان تالياً)، واندلاع هاتين الأزمتين آل إلى اشتداد الطلب على الذهب بصورة مخيفة. فلقد خسرت بلدان مجمع الذهب من أرصدتها الذهبية في غضون ستة أشهر (2.5) مليار من الدولارات؛ لذا اضطرت أخيراً إلى عقد اجتماع في واشنطن في 17 آذار 1968، قررت فيه إلغاء مجمع الذهب، وترك المعدن الأصفر حراً يتحدد بقوى العرض والطلب. وهذا المؤتمر لم تحضره فرنسا، وفيه تعهدت الولايات المتحدة أن تبذل جهدها للقضاء على عجز ميزان مدفوعاتها. والأهم من ذلك أنها قررت إلغاء الغطاء الذهبي الداخلي للدولار، أي حذف الـ(25%) لضمان قيمة الدولار في الخارج .

فتحي سليم

… يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *