العدد 432 - السنة السابعة والثلاثون، محرم 1444هـ ـ آب 2022م

إلغاء الانقسام بين الدولة والمجتمع (الباكستان نموذجًا)

بقلم المهندس معز/ باكستان

حرّكت التطورات المتعددة في النظام السياسي الباكستاني الأخير النقاش حول ضعف الدولة وقدرتها على فرض سلطتها، وكان أحد هذه التطورات هو مفاوضات الدولة الباكستانية مع حركة طالبان باكستان (وهي جماعة غير مرتبطة برباط تكتلي متين، ومكوّنة من مقاتلي البشتون الذين قاتلوا الدولة الباكستانية لأكثر من عقد من الزمان)، وأيضًا قرار الدولة الباكستانية حظر جماعة «تحريك لبيك باكستان» والدخول في اتفاق مع الجماعة والسماح لها بالعمل كحزب سياسي فحسب، وفي كلتا الحالتين انتقد المثقفون الليبراليون الدولة لضعفها في مواجهة الجماعات القوية والمنظَّمة، بينما برَّرت الدولة خضوعها بأنه لم تكن لديها الإرادة السياسية للوقوف في وجه الضغط السياسي الذي تشكِّله الحركات المنظَّمة.

ضعف الدولة لا ينتهي هنا، فقد انتقد المثقَّفون الليبراليون مسؤولي الدولة والقادة السياسيين والحكامَ لعدم استخدامهم سلطة الدولة لتحدي ما يعتبرونه تيارات قوية تتحدَّى الأساس العلماني والـمُثل العلمانية التي بُنيت عليها الدولة الباكستانية الحالية؛ وينبري هذا النقد على الاعتقاد بأن المجتمع أصبح متحلِّقًا حول فكرة أن الإسلام يجب أن يلعب دورًا مركزيًا في السياسة وإدارة الدولة، ومثل هذا الدعم القوي وواسع الانتشار للدور السياسي للإسلام يُنظر إليه على أنه «تهديد» لعمل الدولة ويعتبر مشكلة؛ حيث يجعل المجتمع راديكاليًّا، ويجب على الدولة أن تعالج المجتمع من الراديكالية، من خلال تطبيق «الاعتدال المستنير» بدل المدارس الدينية، و«إصلاح» المناهج التعليمية لتجفيف منابع الجماعات الإسلامية «المتطرفة» حتى لو لم تكن عنيفة.

تنظر الدولة إلى المجتمع على أنه «مشكلة» تتفاقم، فيسعى مسؤولو الدولة إلى تغيير المجتمع ليصير بالصورة الخاصة التي يرتضونها، ومثل هذه النظرة من قبل الدولة تنطوي على إشكالية عميقة؛ حيث ينظر المثقَّفون الليبراليون إلى الدولة على أنها مؤسسة جامدة ذات خصائص معينة غير قابلة للمساومة. لنتأمل هنا التمرد الذي اندلع في مناطق الباشتون الباكستانية على طول الحدود الشمالية الغربية الباكستانية الأفغانية؛ حيث صوَّر الليبراليون ومسؤولو الدولة التمرُّدَ على أنه حركة رجعية تحدَّت احتكار الدولة للعنف وأدّت إلى بروز جهات فاعلة عنيفة من غير الدول، وكان هذا تمثيلًا خاطئًا للواقع، فالحقيقة هي أن تمرد البشتون كان تمرُّدًا على السياسة الخارجية للدولة الباكستانية التابعة للسياسة الأمريكية في المنطقة، وقد رفضت قبائل البشتون ببساطة خضوع الدولة الباكستانية لأمريكا، وتمرَّدت على الدولة التي سعت لإجبارها على الانصياع للأجندة الأمريكية الخاصة بالمنطقة، وقد هدأ التمرد بعد تغيير السياسة الأمريكية في المنطقة من العمليات العسكرية إلى المفاوضات السياسية، ولم تستقرَّ المناطق القبلية في نهاية المطاف إلا بعد مغادرة أمريكا للمنطقة. هنا تتضح وجهة النظر الخاطئة التي يتبنَّاها الليبراليون والمسؤولون الباكستانيون عن الدولة، فسلطة الدولة وقراراتها ليست مطلقة يمكن فرضها من خلال استخدام القوة، بل إن سلطة الدولة وسيادتها تمثِّل في الواقع توافقًا سياسيًا، فسلطة الدولة في جوهرها ظاهرة سياسية أمرها يخدم التوافق السياسي، وإذا ادَّعت الدولة حصولها على إجماع سياسيٍّ ترفضه الجماهير، فإن سلطة الدولة وشرعيتها تكون على المحك، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن تنفيذ الأمر الصادر عن الدولة باستخدام القوة.

مثال حركة «تحريك لبيك باكستان» مشابه للمثال السابق؛ حيث رفضت الحركة السياسةَ الخارجية للدولة، والتي تُقدِّم المصالح الاقتصادية على قدسية رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما يوجب الإسلام حماية شرف النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأي ثمن، ولا يقرُّ الإسلام بحرية التعبير، ولا يعطي أي شخص أي حق في إهانة نبينا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؛ لذلك يجب أن يحاسِب الحكامُ المسلمون الأفرادَ والدول التي تتجرَّأ على ازدراء مقدسات الإسلام؛ لكن رفض الدولة الباكستانية الوقوفَ في وجه الدولة الفرنسية الكافرة ورفضها لطرد السفير الفرنسي أوجد أزمة شرعية للدولة، ولم تكن الدولة تطبق التوافق السياسي الذي طالب به المجتمع، وفي مثل هذا المثال، لا تستطيع الدولة ببساطة أن تفرض سلطتها أو أن تشقَّ طريقها للأمام.

ويجدر هنا طرح أسئلة أكثر عمقًا حول مفهوم الدولة، من مثل: هل يمكن أن يكون للدولة مُثلٌ وقيمٌ منفصلة عن المجتمع الذي تحكمه؟ هل الدولة مؤسسة منفصلة عن المجتمع أم أنها ممثِّلة وامتداد له؟ هل للدولة إرادة خاصة بها، منفصلة عن المجتمع، أم أن الدولة مجرد أداة لما يريده المجتمع؟

إن الدولة في حقيقتها هي الكيان التنفيذي للمجتمع، وهي امتداد له وتعبير عنه، ويحصل إجماع سياسي فيما بين الدولة والمجتمع على تحقيق المثل والقيم التي يتحلَّق حولها الناس كمجتمع سياسي، ثم تشكِّل هذه المثل والقيم أساسَ الحكم، وعليها تُشكّل وتتجذَّر هياكل الحكومة ومؤسساتها، وليس للدولة فكر خاص بها، فهي مجرد منفِّذ لإجماع سياسي، ومن الخطأ اعتبار الدولة والمجتمع عنصرين منفصلين، فالأصل أنهما كيان واحد.

يعود الانقسام الحالي بين الدولة والمجتمع إلى فترة الاستعمار، عندما هدم المستعمرون الأوروبيون الخلافة العثمانية وأقاموا دولًا أجنبية في بلاد المسلمين، بُنيت هذه الدول على مُثُل المجتمعات الغربية وقيمها، وكانت في جوهرها أشجارًا أجنبية خبيثة في أراضٍ إسلامية، ولا تزال حتى يومنا هذا بمثابة إرث للاستعمار الأوروبي والغربي. ولأن هذه الدول بُنيت على أفكار مستعارة من مجتمعات أجنبية، سعت إلى تغيير المجتمعات الإسلامية واستبدال قيمها وَفقًا للمُثل والقيم الغربية الأجنبية. إنّ هذا الصدام بين الدولة والمجتمع هو الذي تسبَّب في الركود والانحدار في العالم الإسلامي، ولسوف ينتعش العالم الإسلامي عندما يزول هذا الانقسام بين الدولة والمجتمع، وعندما تُقام دولة إسلامية عضوية وطبيعية في العالم الإسلامي، هي دولة الخلافة، وحينها يتشكل في المجتمعات الإسلامية الإجماع السياسي للجماهير الإسلامية التي تسعى لأن يحكمها القانون الإلهي الذي أنزله الله سبحانه وتعال؛ حيث قال: ( وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ ).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *