العدد 432 - السنة السابعة والثلاثون، محرم 1444هـ ـ آب 2022م

هيمنة الدولار الأمريكي على العملات الأخرى وعواقبها

محمد حنفي يغمور

المال هو مقياس قيمة السلع والخدمات، وهو الشيء الذي يتمُّ تبادل السلع والخدمات به. وقد استخدم الناس أشياء مختلفة كأموال منذ العصور القديمة. إلى جانب أن الناس استخدموا المعادن مثل الذهب والفضة والنحاس كنقود على مرِّ التاريخ، فقد أجمع الناس على قبول واستخدام الذهب والفضة كنقود سائدة. وتمَّ تطبيق نظام النقود الذهبية بأشكال مختلفة في جميع أنحاء العالم حتى عام 1971م، عندما توقف الدولار الأمريكي عن التذبذب الحر.

وكان لنظام العملة الذهبية المستخدم في العلاقات النقدية ثلاثة أشكال أساسية:

الأول: تمَّ تطبيق نظام العملة الذهبية حتى الحرب العالمية الأولى. في هذا النظام، تم استخدام العملات الذهبية أو الأوراق النقدية التي تعادل الذهب بنسبة 100٪ ويمكن تحويلها إلى ذهب في التداول.

الثاني: تمَّ تطبيق نظام سبائك الذهب في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى. في هذا النظام، تتمُّ طباعة العملات الورقية المتداولة مقابل الذهب، ولكن التحويل إلى الذهب يقتصر على أوزان معينة ويرتبط بشروط وأحكام معينة. وقد تمَّ التخلي عن هذا النظام، الذي تم تنفيذه لفترة قصيرة، في عام 1931م.

الثالث: نظام صرف الذهب (العملة). وفقًا لهذا النظام، لا تملك العملات الوطنية ميزة التحويل المباشر بالذهب. وفي هذا النظام، لا ترتبط أموال بلد ما مباشرة بالذهب؛ ولكن بأموال بلد آخر يمكن تحويلها إلى ذهب. وعليه تمَّت تسمية البلدان كبلد تابع، وبلد رئيسي، ونقد البلد الرئيسي.

في الشكلين الأول والثاني، لم يكن هناك نقص في المدفوعات الدولية خلال الفترات التي طُبِّق فيها نظام العملة الذهبية. خاصة وأنه لم يكن هناك انخفاض في قيمة العملة الذهبية المستخدَمة قبل الحرب العالمية الأولى، فقد تمكنت الأموال من التنقل بحرية بين الدول ولم تتسبب في مسألة انخفاض قيمة العملة. على سبيل المثال، عندما تمَّت طباعة أول عملة في الدولة العثمانية عام 1326م وحتى 1740م، كان إجمالي الانخفاض في قيمة العملة العثمانية يساوي 84٪ على مدى فترة 414 عامًا. وهو ما يعادل 0.20٪ سنويًّا. وبعبارة أخرى، فهي العملة الوحيدة التي تمكَّنت من الحفاظ على قيمتها بشكل مستمر طالما لم تكن هناك تدخُّلات خارجية (تغشيش) على الرغم من مرور سنوات وعصور على الذهب الذي يستمد قيمته من ذاته.

الذهب عملة يقبلها العالم كله باعتبار معدنها، وإنتاجها محدود ولا يمكن زيادته أو تخفيضه وفقًا لرغبات الناس. ولا يمكن تخفيض أو زيادة طرحه في السوق كما هو الحال مع العملات الورقية المستخدَمة اليوم. فالزيادة فيه تعتمد على تشغيل مناجم الذهب، واستخراج الذهب من هذه المناطق. إننا عندما نأخذ في الاعتبار العالم ككل، يكون إنتاج الذهب السنوي محدودًا. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تحويل جميع الذهب المستخرَج مباشرة إلى نقود؛ نظرًا لأنه يستخدم أيضًا في مجالات مختلفة من الصناعة (مثل صناعة التلفزيون والهاتف المحمول). وباعتبار أنه يتمُّ إنتاج ما يقرب من 3500 طن من الذهب سنويًّا في العالم بأرقام عام 2018م، وحيث يتم استخدام هذه الكمية من الذهب المنتَج في الصناعة من ناحية ويمكن استخدام بعضها كحلي أو كأداة توفير بطرق مختلفة؛ لذلك في حال تمَّ تطبيق نظام الذهب يكون كافيًا لتقييم السلع والخدمات المنتَجة في جميع أنحاء العالم.

ومع ذلك، على الرغم من أن الدول حاولت العودة إلى معيار الذهب بسبب ارتفاع التضخم والبطالة في الحرب العالمية الأولى، إلا أن الكساد الشهير لعام 1929م بسبب بعض الجوانب المتعلقة بتطبيق النظام الرأسمالي، وتكاليف الحرب العالمية الثانية سرعت من طباعة دول العالم للنقود بدون مقابل، وتسبَّبت في تدهور نظام عملة الذهب.

إلا أن بداية الهيمنة النقدية للدولار في العالم بدأت مع بريتون وودز. ففي عام 1944م، وفي المؤتمر الذي حضرته 44 دولة، تمَّ إنشاء نظام نقدي جديد، على أساس ربط جميع عملات العالم بالدولار الأمريكي نظرًا إلى أن الدولار له مقابل من الذهب. بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة وحدها تملك الغالبية العظمى من احتياطيات الذهب في العالم. في عام 1950م، بلغت احتياطيات الذهب التي تحتفظ بها واشنطن أكثر من 65 في المائة من احتياطي الذهب العالمي.

إلا أن النقود المتداوَلة تجاوزت احتياطيات الذهب في أمريكا نظرًا لطباعة أمريكا النقود دون مقابل، خاصة بسبب مصاريف حرب فيتنام والطلب على الدولار من دول العالم. وعلى ذلك تمَّ إلغاء اتفاقية بريتون وودز وتمَّ ترك الدولار للتذبذب الحر في كانون الأول/ديسمبر 1971م، في عهد الرئيس نيكسون. وبموجب اتفاق بريتون وودز، كان قد تمَّ تحديد (1) أونصة = (31.1 جم) من الذهب مقابل 35 دولارًا أمريكيًّا. أما في الوقت الحاضر، فإن (1) أونصة من الذهب تقابل 1942 دولارًا (باعتبار التاريخ 4 آذار/مارس 2022م). وبعبارة أخرى، فقد الدولار 55.48٪ من قيمته مقابل الذهب!

ولكن في الوقت الذي تتخلَّى فيه أمريكا عن نظام بريتون وودز، والذي يتطلَّب طباعة الدولار مقابل الذهب من ناحية أخرى، توصلت أمريكا إلى حلٍّ من خلال النفط للتغلب على الصعوبات الناجمة عن الدولارات التي تطبعها دون مقابل. فقد أبرمت الحكومة الأمريكية اتفاقًا في الفترة من عام 1972م إلى عام 1973م، مع العائلة المالكة السعودية لبيع النفط بالدولار وحده مقابل الحفاظ على سيادة العائلة المالكة. وحذت حذوَها دولٌ أخرى في أوبك، وقبلت فقط الدولار مقابل النفط. وبالتالي، كان على البلدان التي ترغب في شراء النفط أن تشتريه بالدولار فقط. فكانت هذه خطوة مهمة لقبول جميع أنحاء العالم الدولار المطبوع دون مقابل، والحفاظ على ميزته كعملة احتياطية.

خاصة منذ ترك الدولار في التذبذب الحر في عام 1971م، كانت هناك زيادة مطَّرِدة في طرح الدولار في الأسواق العالمية. وبسبب إلغاء ربط الدولار بالذهب، قام البنك الاحتياطي الفيدرالي بتوزيع أوراق قيمتها حوالى 6 سنتات فقط على الأسواق العالمية، ما خلق مشكلة الدولرة في جميع الاقتصادات العالمية. فتتمُّ زيادة ورفع قيمة الدولار مقابل عملات البلدان الأخرى باستخدام سياسات نقدية ضيقة أو موسعة.

على سبيل المثال، بحلول كانون الثاني/يناير 2008م، عندما بدأت الأزمة العالمية، بلغ صافي قيمة الأوراق النقدية بالدولار التي يتداولها بنك الاحتياطي الفيدرالي 817 مليارًا و367 مليون دولار. وبحلول شباط/فبراير 2022م، بلغ 2 تريليون و232 مليارًا و107 مليون دولار. وباعتبار التاريخ نفسه، فإن أرقام الميزانية العمومية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي هي 922 مليارًا و187 مليون دولار و8 تريليونات 928 مليار 129 مليون دولار[1] . وبعبارة أخرى، خلال هذه الفترة، طبعت أمريكا M0 من حيث المعروض النقدي 1 تريليون و414 مليارًا و740 مليون دولار. عندما يؤخذ في الاعتبار المعروض النقدي M1 و M2 و M3 والاقتراض والأدوات الأخرى، يصل إجمالي المعروض النقدي إلى عشرات أضعاف هذا الرقم.

نظرًا لنظام بريتون وودز وربط جميع عملات العالم بالدولار الأمريكي، فقد اعتبرت جميع دول العالم الاحتفاظ بالدولار الأمريكي كعملة احتياطية في البنوك المركزية كأحد المحاور الرئيسية للسياسة النقدية. حيث أتيحت للبلدان الفرصة لطباعة عملتها المحلية بسهولة مقابل كمية الدولارات التي كانت لديها؛ لأن الدولار كان يعادل الذهب، في السنوات التي تلت إبرام الاتفاقية في عام 1944م. على الرغم من أنه في عام 1971م، قام الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون بالإعلان عن فك ربط الدولار بالذهب، إلا أن الدولار أصبح رسميًّا عملة عالمية. وحتى دول مثل الصين وروسيا، التي تتنافس حاليًّا بشدة مع الولايات المتحدة، تحتفظ بكميات كبيرة من الدولار الأمريكي في خزائنها. وتبلغ حصة الدولار 64٪ في احتياطيات 146 بنكًا مركزيًّا في جميع أنحاء العالم.

وهكذا يتمُّ إجراء الكثير من التجارة في العالم اليوم بالدولار الأمريكي. ففي جميع أنحاء العالم يتمُّ تداول أكثر من 7 تريليونات دولار في التجارة التي لا علاقة لها بالمنتجات والخدمات الأمريكية. كما أن اشتراط أمريكا أن تتم مشتريات النفط بالدولار جعل الدولار المقياس الرئيسي في التجارة الدولية. وحاليًّا، يتم تنفيذ 88٪ من التجارة العالمية بالدولار الأمريكي، و32٪ باليورو و17٪ بالين الياباني.

في هذه المرحلة، تعتمد دول العالم على الدولار الأمريكي أكثر من عملاتها الخاصة، وتحتفظ بكميات كبيرة من العملات الاحتياطية مثل الدولار واليورو والين الياباني من أجل الحفاظ على التوازن في التجارة الدولية وتجنب عجز الحساب الجاري.

«إن عدم استقرار أسعار الصرف في العالم وحقيقة أن الحكومات تملك القدرة على زيادة أو خفض أسعار الصرف مقابل عملات البلدان الأخرى أصبح مصدر قلق في العالم. على سبيل المثال، خلال الأزمة الاقتصادية في عام 2008م، كانت الصين تخشى بشدة من احتياطياتها الكبيرة بالدولار الأمريكي؛ لأن انخفاض الدولار الأمريكي بنسبة 10٪ سيؤدي إلى خسارة قدرها 104 مليار دولار للصين، التي لديها 1.4 تريليون احتياطي من العملات الأجنبية». (الملكاوي، صعود الإسلام وسقوط الرأسمالية)

وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي، وباعتبار كانون الثاني/يناير 2022م، فإن احتياطيات بعض البلدان هي كما يلي:

أمريكا : 249.551.000.000 دولار أمريكي

إنجلترا  : 227.551.000.000 دولار أمريكي

الصين : 3.577.473.000.000 دولار أمريكي (أكثر من تريليون دولار من هذا هو في شكل سندات الخزانة الأمريكية.)

روسيا : 630.212.600.000 دولار أمريكي. جزء كبير من هذه الاحتياطيات التي تملكها روسيا موجود خارج روسيا.

اليابان : 1.448.095.000.000 دولار أمريكي

الهند : 632.079.530.000 دولار أمريكي

السعودية : 446.796.680.000 دولار أمريكي

تركيا : 109.717.000.000 دولار أمريكي

عند التدقيق في هذه الأرقام، يظهر أن أكبر احتياطيات النقد الأجنبي في أيدي الصين، أكبر منافس لأمريكا في الوقت الحالي، ثم تتبعها روسيا. كما أن هذه الأرقام تشير إلى أن بعض الدول تحاول الحفاظ على احتياطياتها مرتفعة بعملة الدولار حتى لو كانت تتنافس مع أمريكا؛ وذلك في سبيل الحفاظ على اقتصاداتها قوية والبقاء قوية في مواجهة التحديات التي قد تواجهها. من ناحية أخرى، لا تتخذ هذه البلدان إجراءات قد تتسبب في انخفاض قيمة الدولار من أجل منع خسائرها الاقتصادية.

وفقًا لصندوق النقد الدولي، فإن أكثر من 61٪ من جميع احتياطيات البنوك الأجنبية اليوم هي بالدولار الأمريكي. حيث تتكوَّن معظم الاحتياطيات من السندات الأمريكية مثل النقد أو سندات الخزانة الأمريكية. في الوقت ذاته، فإن حوالى 40٪ من ديون العالم بالدولار. كذلك فإن وضع الاحتياطي العالمي يعتمد إلى حد كبير على حجم وقوة الاقتصاد الأمريكي، بالإضافة إلى هيمنة الأسواق المالية الأمريكية. وعلى الرغم من ارتفاع عجز الحساب الجاري في الولايات المتحدة وتريليونات الدولارات من الديون الخارجية، لا تزال سندات الخزانة الأمريكية هي المخزن الأكثر أمانًا للأموال في النظام المالي الدولي.

كذلك فعلى الرغم من أن الدولار الأمريكي هو قوة مهيمنة وفقًا لدول العالم، إلا أنه يسود الاعتقاد بأن النظام النقدي الذي أنشأته أمريكا لن يستمرَّ لفترة أطول في عالم يهيمن عليه الاقتصاد الافتراضي. فوفقًا للخبراء في هذا الموضوع، لا يمكن الحفاظ على هذا النظام لفترة أطول؛ لذلك يتمُّ حاليًّا البحث عن عملة بديلة للدولار، مثل البيتكوين. وحتى تتمكن البلد الذي لديه العملة الدولية (الاحتياطية) بالاستمرار على موقفه والحفاظ عليه، ينبغي أن يكون لديه كفاية في بعض الأمور. وأحد هذه الأمور هو العجز المرتفع في ميزانية البلاد والديون الخارجية.

وكنتيجة، ففي حين إن الدولار الأمريكي لا يزال عملة رئيسية ومهيمنة لجميع البلدان في جميع أنحاء العالم؛ إلا أن هناك شكوكًا حول استدامته، ويجري البحث عن حلول بديلة عنه. مما لا شك فيه ولا غنى عنه أن الذهب هو أفضل وسيلة دفع دولية تحقِّق الاستقرار بين هذه الحلول البديلة؛ إلا أنه وللأسف، جشع الرأسماليين ومواصلتهم خلق اقتصاد افتراضي يجعل ثروة العالم تصب في حناجر عدد قليل من الأغنياء، يقف عائقًا أمام ارتفاع أصوات قوية من أجل إعادة معيار الذهب من جديد؛ لدرجة أن دولًا مثل الصين وروسيا، التي تشكو من هيمنة الدولار الأمريكي، لا تبذل أي محاولة لتطبيق نظام الذهب عند عقد اتفاقيات تجارية بعملاتها الوطنية؛ حيث إن النظام الرأسمالي هو نفسه الذي يطبق في روسيا والصين وغيرهما من البلدان التي تعارض أمريكا، وهناك كذلك أغنياء يملكون ثروات من مليارات الدولارات.

[1]            https://data.imf.org/؟sk=2DFB3380-3603-4D2C-90BE-A04D8BBCE237&sId=1452013100577

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *