العدد 432 - السنة السابعة والثلاثون، محرم 1444هـ ـ آب 2022م

تجديد الدين (2)

يوسف الساريسي – بيت المقدس

هل أحكام الإسلام متطورة ومرنة؟

تسعى كافة الشرائع، سواء الدينية أم الوضعية، لعلاج مشاكل الإنسان الناشئة عن سلوكه وتصرفاته، أي الناشئة عن أفعاله. وتكون الشرائع، في العادة، نصوصًا ثابتة تعالج وقائع معيَّنة قديمة أو جديدة جرى إدراك واقعها، ثم وضعت التشريعات التي تحاول علاج هذه الوقائع. وتتَّصف الشرائع التي أتت بها الأديان التي نزلت في الكتب المقدسة بأنها ثابتة لا تتغير؛ لأن الوحي الذي أنزلها على الأنبياء انتهى بإتمام الرسالة الربَّانية، فيما شرائع البشر الوضعية تستمر في التغير؛ لأن المشرعين يقومون بتغيير وتبديل مستمر لهذه الشرائع الناقصة والقاصرة عن الإحاطة بكل أحوال البشر والعاجزة عن معالجة الوقائع بشكل صحيح؛ لذلك يلجأ المشرعون دومًا إلى إضافة شرائع جديدة وتغيير القديم ليتأقلم مع الوقائع المستجدة عند تغير الظروف وظهور عوار تشريعاتهم.

يقوم البشر بأفعال معينة لإشباع حاجاتهم وغرائزهم، وهي تتغير بسبب تغيُّر الوسائل (الأدوات) والأساليب التي تستجد في كل عصر؛ ولكن إذا دققنا الملاحظة نجد أن هذا التغيُّر المستمر هو تغيُّر في العَرَض وليس في الجوهر، بمعنى أن الذي يتغيَّر ليس هو أصل الفعل الإنساني الناشئ من الطاقة الحيوية، بل الذي يتغير في الحقيقة هو أسلوب الإشباع وأدوات الإشباع.

فالحاجات العضوية كالأكل والشرب والنوم والتنفس والإخراج والتبريد والتدفئة هي أفعال بشرية ناشئة من وجود الطاقة الحيوية لدى الإنسان، وهي حاجات أصلية لا تتغيَّر ولا تتبدَّل عبر الزمان والمكان، والذي يتغيَّر فيها هو ما يستخدم من أساليب ووسائل لإشباعها، فالأكل حاجة أصلية لكل إنسان، وأساليب الأكل وأشكاله وأنواعه والأدوات المستخدمة في إيجاده بواسطة الزراعة والصناعة، والأساليب والأدوات المستخدمة في تحضيره وتناوله، فهي تتغيَّر وتتبدَّل مع الأزمنة والأماكن وطبائع الشعوب.

وكذلك فيما يتعلق بالجانب الثاني من الطاقة الحيوية وهي الغرائز الثلاثة من حب بقاء ونوع وتديُّن، فهي طاقات وحاجات ثابتة لا تتغيَّر بتغيُّر الأزمنة والأمكنة والشعوب، بل تبقى ثابتة لا يمكن محوها أو استئصالها أو كبتها، بل هي تتطلَّب الإشباع وتلحُّ على الإنسان للقيام بأفعال سلوكية معيَّنة لإشباع هذه الحاجات والشهوات. فإذا توجَّهت الشرائع إلى معالجة أصل هذه الغرائز وما يتعلق بها من أمور فإنها تكون قد عالجت أصل هذه الطاقة الغريزية التي لا تتغيَّر، أما إذا توجهت الشرائع لمعالجة الأساليب والوسائل التي تتمُّ فيها عمليات إشباع هذه الغرائز فإنها تكون مضطرة إلى تغيير هذه الشرائع والقوانين في كل زمان ومكان وعند مختلف الشعوب، للتأقلم مع ما يستجد من وقائع جديدة ناشئة عن التحسين والتغيُّر في الأساليب والوسائل.

فمثلًا غريزة البقاء لها مظهر وهو الدفاع عن النفس، وهذا يتطلَّب التحصُّن في أماكن معينة ضد الأعداء، سواء أكانوا بشرًا أم حيوانات مفترسة أم عوامل طبيعية؛ لذلك يبني الناس البيوت الحصينة والمدن والأسوار ويصنعون الأسلحة والمعدات التي تحمي الناس من هؤلاء الأعداء. أما الوسائل والأساليب المستخدمة في هذه الأمور فإنها تختلف حسب الأزمنة والأمكنة والشعوب، فإذا توجَّهت الشرائع لعلاج هذه الوسائل والأساليب المتغيرة كأنواع الأسلحة وأشكال البيوت والحصون ومواد البناء التي تستخدم، فإن الشرائع تجدها بحاجة للتغيُّر وفق العصر والمكان والشعب، أما إذا توجَّهت الشرائع لعلاج أصل الحاجة وهي الدفاع وحماية النفس، فإن الشريعة تكون قد عالجت أصل الحاجة الغريزية التي لا تتغيَّر ولا تتبدَّل بتغيُّر الأمكنة والأزمنة والشعوب.

فإذا كانت الشرائع تعالج الأساليب والوسائل (الأدوات) التي تستخدم في الإشباع، فإنها ولا شك بحاجة إلى أن تتغيَّر في كل عصر وفي كل مكان وعند كل شعب، ولكن إذا كانت الشرائع تعالج أصل هذه الحاجة من حيث هي حاجة، أي الطاقة الحيوية، وتعالج ما يسمح له بإشباعه وما لا يسمح وفي كيفية الإشباع، فإن هذا الأمر لا يتغير مع اختلاف الزمان والمكان وطبيعة الشعب؛ لأن الحاجة هي حاجة إنسانية أصيلة عند جميع البشر في جميع العصور لا يمكن أن تتغيَّر أو تتبدَّل.

ولذلك فإن الشرائع التي تعالج أصل الحاجات البشرية من حاجات عضوية وغرائز، تعالج أفعالًا بشرية لا تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والشعب، فلا تكون هذه الشرائع بحاجة إلى التغيُّر كلما استجدَّ جديد في عالم الأساليب والوسائل، وهذا ينطبق حقيقة على الشرائع السماوية. وأما الشرائع التي تعنى بمعالجة الشكليات الناشئة عن الحاجات العضوية والغرائز من أساليب ووسائل، فإنها تكون مضطرة إلى معالجة كل أسلوب ووسيلة تستجدُّ وتتغيَّر، فتكون شريعة متغيرة لا تصلح لمعالجة أفعال الإنسان على مرِّ العصور ومختلف الأمكنة، وهذا هو حال الشرائع البشرية الوضعية.

وشريعة الإسلام هي شريعة ربانية، وهي ثابتة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل إلى قيام الساعة، فالنصوص الشرعية من كتاب وسنة هي هي لا تزيد ولا تنقص، فهي نصوص محدودة، وتحوي أحكامًا شرعية ثابتة لا تتطوَّر ولا تتلوَّن حسب الأزمنة والأمكنة والشعوب، بل تخاطب جميع البشر بوصفهم الإنساني وتعالج أفعالهم السلوكية كمشاكل إنسانية؛ بحيث تتوجَّه إلى جوهر الإنسان وأفعاله الأصلية المدفوعة بدوافع أصيلة ناتجة عن وجود الغرائز والحاجات العضوية. وهذه الدوافع الإنسانية للقيام بأفعال سلوكية من أجل الإشباع هي دوافع متأصلة في جوهر الإنسان، فهي لا تتغيَّر ولا تتبدَّل ولا تتطوَّر، فالإنسان من عهد آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها هو هو لا يتغيَّر ولن يتغيَّر في جوهره واندفاعاته الناشئة عن غرائزه. والذي يتغيَّر لدى الإنسان هو تلك الوسائل والأساليب التي يستخدمها أثناء قيامه بأفعاله التي تشبع ما لديه من حاجات وشهوات.

وكذلك إذا نظرنا في واقع الأفعال الإنسانية نجد بأنها تحرُّك تغييري يقوم به الإنسان لإشباع ما لديه من غرائز وحاجات عضوية ناشئة عن الطاقة الحيوية التي فيه، وهذه الطاقة هي طاقة أصلية وأصيلة فيه، وهي تتمثَّل وتتجسَّد في الإنسان كإنسان بفرديته فتكون خاصية ثابتة في كل إنسان؛ لذلك فكل إنسان في جوهره وخواصِّه يشبه كل البشر من حيث الطاقة الحيوية التي لا تتغيَّر فيه كيفًا ونوعًا؛ ولكنها قد تتفاوت كمًّا من حيث القوة والضعف فقط. ولذلك يكون العلاج المتعلق بأصل أفعال الإنسان علاجًا واحدًا لكل البشر في كل زمان وكل مكان، فإذا صلح هذا العلاج لمجموعة بشرية في مجتمع معين وكان علاجًا ناجعًا وشافيًا، فإن هذا بالضرورة ينطبق على كل البشر في كل زمان ومكان، مهما اختلفت الأعراق والأجناس البشرية.

وبما أن علاج مشاكل الإنسان موجَّه نحو خواصِّه وجوهره المتعلق بأصل الأفعال لديه، وجب أن يكون هذا العلاج ثابتًا لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان؛ لأن أصل دوافع الأفعال الإنسانية ثابت لا يتغيَّر.

صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان

لكي تكون الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، فهناك شرطان لذلك، وهما:

الأول: أن تكون قادرة على وضع حلول لكل مشاكل البشر السابقة والمستجِدَّة عبر العصور.

الثاني: أن تكون معالجاتها لحاجات الإنسان مناسبة؛ بحيث تحلُّ مشاكله بطريقة صحيحة.

أما بالنسبة للشرط الأول المتعلق بشمولية أحكام الإسلام لكل أفعال البشر، بمعنى قدرة الشريعة على علاج جميع أفعال الإنسان دون استثناء، وأنه لا يمكن أن يحدث فعل من قبل البشر سابقًا ولا لاحقًا إلا وله حكم شرعي يتعلق به ويعالجه. فذلك مرجعه إلى مجموعة من النصوص الشرعية التي تؤكِّد ذلك خصوصًا وأن شريعة الإسلام هي خاتمة الشرائع الربَّانية، فلا بد من أن تكون شريعة تامَّة كاملة، قال تعالى: (ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ)، وقال تعالى: (وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ) وما دامت تبيانًا لكل شيء فهي تعطي أحكامًا لكل أفعال البشر، وهي أيضًا شريعة للناس كافة في كل زمان ومكان وليست خاصة بالعرب، قال تعالى: (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ). والقرآن نفسه معجز، ومن إعجازه أن ينزل نصوصًا بطبيعتها شاملة وتصلح لأن تعطي أحكامًا شرعية لكل فعل من أفعال العباد.

أما بالنسبة للشرط الثاني المتعلق بكون الإسلام هو شريعة صحيحة تعالج الأفعال الإنسانية العلاج الصحيح، فذلك يرجع لمجموعة من النصوص المحكَمة التي تبيِّن ذلك، كما في قوله تعالى: (أَلَا
يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ) وقوله: (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ) وقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ) وقوله: (وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡ‍ٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡ‍ٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ). فشريعة الإسلام هي الشريعة الوحيدة الصالحة لعلاج كل أفعال البشر على مر العصور وفي جميع الأمكنة؛ لأنها شريعة ربَّانية خالدة أنزلها ربُّ البشر العليم الخبير بكل من خلق وبما يصلح لهم.

وكذلك مرجع تحديد الخير والشر والحسن والقبح هو للشرع وليس للعقل؛ لأن الإنسان لا يستطيع الحكم على الأفعال من خلال نظره في واقعها فقط، بل هناك ملابسات وظروف ودوافع هي التي تجعل الفعل إما حرامًا أو حلالًا، وهي أمور لا يعلمها ولا يحيط بها إلا الله؛ لذلك كان لا بد من أن يكون علاج الأفعال الإنسانية من قبل خالق هذا الإنسان العليم الخبير، فالحاكمية لله تعالى وحده.

ولا بد لنا من تفصيل للناحية الفعلية لما ذكر في الشرط الأول، من زاوية كيفية قدرة هذه الشريعة علاج كل مشكلة وأن تحيط بجميع أفعال الإنسان، فهذا راجع لعدة أمور تجعل فيها القدرة على حلِّ كل مشاكل البشر في كل العصور، ونلخصها كالتالي[1]:

عالج الإسلام مشاكل الإنسان بوصفه إنسانًا، وماهية الإنسان وخصائصه (طاقته الحيوية من غرائز وحاجات عضوية) هي هي، لا تختلف عبر الزمان والمكان، كما ذكر آنفًا.

الأحكام الشرعية تتعلق بالأفعال الإنسانية، ولا تُعنى بالوسائل والأساليب التي يقام بها لتنفيذ الأفعال إلا بالعموم، فالحكم الشرعي موجَّه لمعالجة الأفعال الإنسانية الأصلية.

الأصل في الوسائل والأساليب هو الإباحة ما لم يرد دليل التحريم. وما يدخل في مفهوم الحضارة عالجه الإسلام، وأما الجانب المتعلق بالمدنية فقد تركه للإنسان ليبدع فيه كيف شاء.

ارتبطت المعالجات بأفعال الإنسان وتعلَّقت بالوقائع، فلكل واقعة حكم ثابت، ولكلٍّ حكمٌ جزاء يتناسب معه، والأحكام تتميز بالثبات والدقة في التنزيل على الواقع.

تدخل أفعال الإنسان وعلاقاته تحت قواعد وعناوين متشابهة، ويمكن حصر كافة طرق الإشباع وتحديدها، وتحديد الأفعال التي يقوم بها الإنسان للإشباع، وتحديد متعلقات تنظيم هذه الأفعال، ويتم إعطاء أحكام ثابتة ودائمية لها؛ لأنها تناولت المعالجات من زاوية يمكن حصرها وإعطاء الأحكام المناسبة والثابتة لها.

بعض أفعال الإنسان هي معاملات تتكرَّر في كل زمان ومكان، فمثلًا أسباب تملك المال كالعمل والإرث، وأسباب نماء المال كأحكام البيع والعقود لها أحكام ثابتة، فيعطي الإسلام أحكام الأفعال وتفاصيل طريقة إجراء المعاملات وأحكام ضمانة الحقوق المترتبة على تلك التصرفات. فهي معاملات متكرِّرة ثابتة في كل الأزمنة والأمكنة.

ويعطي الإسلام أحكام الاضطرار؛ حيث راعى الأحوال الاعتيادية (العزيمة)، والأحوال الاستثنائية الاضطرارية غير العادية (الرخصة).

أما من ناحية النصوص الشرعية من قرآن وسنة نبوية والتي تجعل فيها القدرة على إعطاء حكم لكل فعل إنساني، فذلك راجع إلى طبيعة تلك النصوص واتساعها وإلى اللغة التي نزلت بها. فلغة النصوص الشرعية هي اللغة العربية، وهي لغة واسعة وتتميَّز بخصائص عن اللغات الأخرى. وشرائع البشر تعطي أحكامًا لمشاكل البشر وأفعالهم بالمنطوق، أما النصوص الشرعية فلها وجوه متعدِّدة ترشد إلى الأحكام، فلها منطوق محدد؛ ولكنها يمكن أن يستخرج منها أمور أخرى كالمفهوم والمعقول (القياس والعلة الشرعية)؛ لذلك فالشريعة واسعة، ومردُّ سَعتها للتالي:

إن مصادر التشريع هي الكتاب والسنة، وهي محدودة من حيث النصوص؛ ولكن معانيها تنطبق على وقائع جديدة إلى يوم القيامة، لطبيعة اللغة الواسعة التي نزلت بها، وقدرتها على حمل المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة.

انطباق النصوص على كل أفعال الإنسان المتجددة والمتعددة مهما تنوَّعت واختلفت، لأنها جاءت على صورة ألفاظ لها دلالات معينة، واستعمل البيان لإيصال المراد منها.

جعل الإسلام الأحكام خطوطًا عريضة؛ أي جاء بمعانٍ عامة محددة الوصف للأفعال، تنطبق على كل ما يندرج تحتها، أي أنه إذ أعطى الحكم لجنس الفعل أو نوعه بوصف عام لذلك كان منطبقًا على كل فعل من جنسه أو من نوعه، وتَرك للعقل أن يستنبط من هذه المعاني العامة الأحكام الشرعية للمشاكل المتجدِّدة؛ ولهذا لا يمكن أن توجد مشكلة واقعيًا إلاّ ولها كذلك محل حكم.

نزلت النصوص أحكامًا شرعية. فمنها أحكام خاصة جزئية أو تفصيلية، ومنها أحكام عامة أو كلية، ومنها قواعد عامة كلية وتعاريف شرعية، وأحكام مستنبطة (أو مستقرأة) مما يندرج تحت المعنى العام إن كان الوصف غير معلَّل، وعلى كل ما ينطبق عليه الوصف إن كان الوصف معلَّلًا؛ بحيث يقاس بعضها على بعض. فيمكن للمجتهد التفريع على تلك القواعد أحكامًا كثيرة، ويدخل تحتها أفراد، والتعريفات تنطبق على وقائع كثيرة، والعلل تشترك فيها نوازل كثيرة.

وضع الشارع محدَّدات (علامات) منضبطة قابلة للانطباق على الأشياء مهما تنوعت؛ لتكون مقاييس للمجتهد يستطيع معها أن ينزل الأحكام المتعلقة بها على ما استجدَّ من اكتشافات للأشياء، حتى ينضبط في ذهن المجتهد ماهيَّة ما به يكون مناط الأحكام الشرعية.

هذه القضايا جعلت الإسلام شاملًا تامًّا، وشريعته واسعة قادرة على إعطاء المعالجات والحلول لمشاكل الإنسان إلى يوم الدين، تلك الحلول التي صفتها الأساس هي الثبات، فلا تتغير، فتستطيع بذلك الثبات ضمان استمرار تحقيق العدالة، وضمان تحقيق غاياتها ومقاصدها على الوجه الصحيح، وبقاء انسجامها في عين المنظومة التشريعية. فهي شريعة واسعة، إلا أن هذه السعة في الشريعة لا تعني أنها مرنة بحيث تكون منطبقة على كل شيء ولو ناقضها، ولا تعني أنّها متطوِّرة بحيث تتبدَّل مع الزمن، بل يعني اتساع النصوص لاستنباط أحكام متعددة، ويعني اتساع الأحكام لانطباقها على مسائل كثيرة.

ومن الأمثلة التي تدلُّ على سعة الشريعة وما جاءت به من معان عامة، قوله تعالى: (فَإِنۡ
أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَ‍َٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُن) فالحكم هنا متعلق بأخذ الأجرة على القيام بفعل معين وهو الإرضاع من قبل أية امرأة مرضعة، وهذا المعنى يصلح بأن يكون معنًى عامًا ينطبق على أي فعل يستحق فاعله -ذكرًا كان أو أنثى- أجرًا على قيامه بما استؤجر له، وهذا المعنى للإجارة يمكن أن يستنبط منه قاعدة شرعية عامة: (كل عامل عند غيره يستحق أجرة على عمله) ويندرج ذلك على جميع الأمور التي تدخل تحت هذا المعنى العام للعمل عند الآخرين بأجر، فتأخذ هذه المجموعة من الأفعال نفس الحكم الشرعي، وهكذا.

فكيف يكون تجديد أمر الدين إذًا؟

يقول الاستاذ أبو الأعلى المودودي (رحمه الله): «التجديد في حقيقته هو تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصًا محضًا على قدر الإمكان».

إن تجديد الدين بحسب المفهوم الشرعي يكون بإحسان فهم الإسلام بالشكل الصحيح كما نزل به الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ بحيث يؤدي هذا الدين وظيفته ودوره الذي أنزله الله لأجلها، فكان من الضرورة بمكان أن يتمَّ تحديد الفكرة الإسلامية بصفاء ونقاء وبلورة. فيلزم لإعادة الصفاء أن يتمَّ ربط كل فكر أو حكم أو رأي بالدليل عليه من الكتاب والسنة، أي ربطه بما جاء به الوحي. والنقاء: يتم بإبعاد كل فكر أو حكم أو رأي ليس من الفكرة الإسلامية عنها، فتزيل من الفكرة الإسلامية ما علق بها من الشوائب وما ألحق بها من أفكار في العصر الهابط أو جرَّاء الغزو الفكري والتبشيري، أو جرَّاء قيام المدارس التوفيقية والعقلانية بليِّ أعناق النصوص أو تفسير الإسلام تفسيرًا يتناسب مع الواقع. أما البلورة لمفاهيمها فيتم بإحسان تصور الفكرة الإسلامية في الأذهان، فيكون الفكر ناتجًا عن إحساس، وأن يتبلور هذا الفكر بحيث يدرك الإنسان المبدأ إدراكًا صحيحًا بفكرته وطريقته ثم العمل على تغيير الواقع.

أما كيفية القيام بذلك التجديد فتكون بالانضباط بما جاء به الوحي من كتاب وسنَّة والتمسك بهما وفق الفهم الصحيح المبني على اللغة العربية، كما كان ذلك الفهم زمن الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام، وبالالتزام بالضوابط الشرعية الصحيحة وفق علوم الشريعة المعتبرة من أصول دين وأصول فقه وعلوم الحديث وسواها.

أما ما هي المجالات التي يكون فيها التجديد، فهي تشمل كل أمر من أمور الدين وأمور المسلمين. وهي تشمل مجال العقائد والأحكام الشرعية واللغة، وكذلك حلَّ النوازل والقضايا التي تهمُّ المسلمين في عصرهم.

والخطوة الأولى التي يجب على المجدِّد أن يقوم بها هي بالمراجعة المنهجية للأصول، سواء أصول الدين أم أصول الفقه، فيدرس علم أصول الدين أو العقيدة، ويدرس أهم المفاهيم العقائدية فيه ويقيمها وفق قواعد عقلية وشرعية منضبطة وبالأدلة القطعية، فتتمُّ دراسة قضايا العقيدة ومتعلقاتها، ويتمُّ إزالة كل ما علق بها عبر العصور.

فيقوم المجدِّد بدراسة آثار دخول الفلسفات الإغريقية والفارسية في العقيدة، من مثل مسائل خلق القرآن والقضاء والقدر وصفات الله والموت والرزق والتوكل على الله، وعلم المنطق والتصوُّف وتقديس الأولياء، وكذلك آثار أفكار العلمانية وفصل الدين عن الحياة والديمقراطية والاشتراكية والإلحاد والطريقة العلمية ونظرية التطور الداروينية، وسواها من المسائل التي كان سبب إدخالها إلى الإسلام هو تأثر المسلمين بالفلسفات والمبادئ المخالفة للإسلام. فما كان من هذه الأفكار مخالفًا للإسلام وعقيدته يتمُّ رفضه وإزالته من العقائد الدينية، وما كان منها غير مخالف ويمكن بناؤه على عقيدة الإسلام فلا إشكال في الأخذ به.

أما في مجال أصول الفقه، فيقوم المجدِّد بمراجعة منهجية لعلم أصول الفقه؛ بحيث يدرس الأصول وفق قواعد شرعية منضبطة وبالأدلة القطعية، فتتمُّ دراسة قضايا أساسية كالأدلة الشرعية المعتبرة، وكيفية الاستدلال بالأدلة والقياس والعلة الشرعية، والتراجيح والتعادل وغيرها، فتتمُّ دراسة وتقييم قضايا أصول الفقه ومتعلقاتها، ويتمُّ إزالة كل ما علق بها عبر العصور، كالأدلة الشرعية القائمة على أدلة ظنية كالاستحسان ومذهب الصحابي وعمل أهل المدينة والعرف ومآلات الأفعال…

وكذلك تتم دراسة المصالح وفقه الضرورة والأقليات ومقاصد الشريعة وغيرها من الأمور التي يحاول بعض المحدَثين من خلالها إدخال الأنظمة الغربية إلى الدين، تحت ستار أنها «أدلة شرعية»، وهي في حقيقتها أشباه أدلة بُنيت على فهم سقيم للأصول، والدافع لها هو تقليد الغرب والانتفاع بما عنده من أفكار وأنظمة تحت مسوِّغات أصولية، وهي في الحقيقة ذرائع لتغيير الإسلام ليوافق الحضارة الغربية الحديثة، وهذا الأمر خطير جدًّا على الإسلام؛ لأنه يبتدع في أصول الفقه أدلة وقواعد ليست منه؛ بحيث يظن المتأثِّر بها أنها من الدين وأنها مبنية على أدلة معتبرة من أصول الفقه، في حين أنه تم تأويلها بتوجيه مقصود من عقليات متأثرة ومنضبعة بما عند حضارة المتغلِّب من أنظمة «متحضِّرة» و»متطوِّرة» تسود العالم الحديث.

أما في مجال علم الحديث، فقد انتبه المسلمون في العصور الأولى إلى خطر الدسِّ على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وقاموا بضبط هذا المجال بقواعد وضوابط عقلية وشرعية بحيث أزالوا كل ما علق به من كذب ووضع ودسٍّ، وقد اكتمل بنيان هذا العلم في القرون الأولى، ويمكننا الآن الركون إلى ما حقَّقه الأوائل في هذا المجال، مع ضرورة الانتباه إلى الأحاديث الضعيفة وكيفية الترجيح والجمع بين الأدلة التي تبدو متعارضة، وهذا يجب أن ينضبط من خلال علم أصول الفقه. ولا بد للمجدد كذلك من الرد على افتراءات المحرِّفين والمستشرقين والمشكِّكين في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وفي علوم الحديث عمومًا.

وقل نفس الشيء بالنسبة لعلوم اللغة التي بذل المسلمون الأوائل جهودًا عظيمة في جمعها وتقعيدها وضبطها بحيث حفظ لسان العرب بحمد الله.

أما في مجال الاجتهاد الشرعي، فيقوم المجدِّد بالاجتهاد وفق أصول فقه منضبطة لجميع ما جدَّ من أمور للمسلمين، فيما يلزمهم لإعادة فهم الإسلام بإحسان وتجديد أمر الدين ليعطي المجتهد المجدِّد أحكام الشرع المتعلقة بها؛ لتكون هذه الأحكام علاجًا لتلك الأمور والقضايا، وذلك مثل كيفية أعادة الخلافة الإسلامية، وما يلزم لهذه الدولة من أحكام تتعلق بالنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي ونظام الحكم والسياسة والتعليم والصحة… إلخ.

وهنالك فرق بين التجديد والاجتهاد الشرعي، فلا يلزم أن يكون كل مجتهد هو مجدِّد لأمر الدين؛ إلا أن المجدِّد يلزمه بالتأكيد أن يكون مجتهدًا، فيجتهد في نواحٍ مختلفة من أمور الشريعة؛ لكي يكون قادرًا على تنزيل الأحكام الشرعية الصحيحة على وقائعها ليعالج جميع المشاكل والقضايا التي تهمُّ المسلمين.

ومن أهم ما يراد من المجدِّد القيام به بجانب التجديد في الأمور الفكرية والفقهية كالتفسير والحديث واللغة وغيرها، أن يقوم بدراسة الواقع القائم في عصره والمشاكل والقضايا الكبرى والنوازل التي تعاني منها أمته، بأن يحدد كيفية تغيير واقع أمته ليعود راشدًا، وبالتالي يتحوَّل جهده التجديدي إلى عملية تغيير للواقع المخالف للشرع والبائس للمسلمين، فينهض بهم ويعيدهم -كما كانوا- خير أمة أخرجت للناس، فيتغيَّر الواقع السيئ ويعود راشدًا من جديد.

أهم ثمرات تجديد الدين

إن أهم ثمرات تجديد أمر الدين تتجلَّى في حلِّ مشاكل المسلمين في العصر الحديث؛ حيث يعتبر هذا الأمر من أهم أعمال التجديد المطلوبة. فلو قام المجدِّد بأعمال فكرية وفقهية كثيرة من غير أن يدرس حكم الله في الواقع القائم وكيفية تغييره ليعود كما كان زمن النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين، فإن علمه وجهده ونفعه يكون نظريًا في الكتب والمؤلفات ولا يتغيَّر الواقع البائس للمسلمين بأعماله التجديدية.

وبالتالي، لا بد للمجدِّد من دراسة معمَّقة جدًّا لمشاكل المسلمين في العصر الحديث، ودراسة كيفية حل هذه المشاكل وفق منهجية عقلية وشرعية، منضبطة بحل المشكلات وفق قانون السببية ووفق الأدلة الشرعية التي تعالج هذه الوقائع الإشكالية في العصر الحديث. فيلزم المجدِّد أن يدرس مشاكل المسلمين الحالية ويربط مسبباتها (نتائجها) بأسبباها وفق قاعدة السببية.

فيقوم المجدِّد أولًا بتحديد المشكلة الجوهرية (المحورية) للمسلمين، والتي يجب عليهم العمل على حلها؛ وذلك من خلال دراسة تاريخ المسلمين القريب والبعيد، وما جدَّ من إشكاليات في فهمهم الإسلام؛ حيث تُعتبر هذه الإشكاليات بأنها الأسباب التي أوجدت لديهم غشاوات وسوء فهم للإسلام (فكريًّا)، مثل دخول الفلسفة والمنطق اليوناني وما جرَّه من نشوء علم الكلام، وإحداث بلبلة فكرية في قضايا مثل خلق القرآن وصفات الله والقضاء والقدر وغيرها. ثم إشكاليات الدسِّ على أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وإقفال باب الاجتهاد الشرعي ودخول الفلسفة الهندية ونشوء التصوف والقدرية الغيبية، ثم إشكالية فصل الطاقة العربية عن الطاقة الإسلامية… كل ذلك أدى إلى سوء فهم للإسلام نتج عنه إساءة تطبيق للشرع في الدولة. ثم طامة دخول الفكر الغربي العلماني الرأسمالي وتأثر الكثير من المسلمين به في القرن التاسع عشر، وما نتج عنه من هدم الخلافة الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى، وتقسيم بلاد المسلمين إلى كيانات ضعيفة هزيلة أفقدتهم الوحدة.

ثم على المجدد أن يدرس العلاج للمشكلة الجوهرية للمسلمين وما نتج عنها، وذلك من خلال قلب أسباب المشكلة إلى أسباب لحلها، وقلب نتائج المشكلة إلى أهداف يسعى لتحقيقها، فيكون الهدف هو استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة والعمل على توحيد بلاد المسلمين في دولة واحدة، وتكون الخطة السببية لتحقيق ذلك بواسطة إحسان فهم الإسلام بشكل صحيح بواسطة الفكر المستنير. ويكون التجديد هنا بإعادة صياغة مفاهيم الإسلام صياغة فكرية جديدة بأسلوب مناسب يفهمه المعاصرون، تطرح الإسلام كمبدأ لشؤون الحياة جميعًا؛ بهدف إعادة ثقة المسلمين بأفكار الإسلام وأحكامه التي تزعزعت أثناء الغزو الفكري الغربي لبلاد المسلمين. ولا بد كذلك من مزج الطاقة العربية بالطاقة الإسلامية لأجل إحسان الفهم، وتتبع أهم الأفكار التي تسرَّبت للمسلمين من الفلسفات الأخرى وحلِّ ما أوجدته من سوء للفهم، ثم القيام ببث هذه المفاهيم الإسلامية التجديدية بين المسلمين وإيجاد الرأي العام عنها من خلال التفاعل مع المجتمع، وهذا لا يكون عملًا فرديًّا، بل هو عمل جماعي من خلال كتلة تحمل هذا الفكر وتتبنَّاه وتبثُّه في المجتمع لتوجد الرأي العام عنه، ثم تسعى لإيصال الإسلام إلى الحكم من خلال اتباع طريقة شرعية صحيحة، ثم تطبيق الإسلام على المجتمع تطبيقًا انقلابيًّا شاملًا.

بهذه الكيفية يكون التجديد المطلوب للدين منتجًا ونافعًا للمسلمين، فيحل جميع مشاكلهم ويوحِّد صفهم وكلمتهم ويرفع شأنهم بين الأمم، ثم يقوم المسلمون من خلال دولة الخلافة بحمل الدعوة الإسلامية للعالم والجهاد في سبيل الله، فيملكون الأرض وينشرون فيها العدل بالإسلام، كما بشَّر بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وهذا العمل التجديدي يبرز أهمية دور علماء الإسلام في التجديد وقيادة الناس وإرشادهم إلى الحق، فهو دور عظيم ومؤثر، فلا بد للعلماء من المبادرة والانضمام لمشروع التغيير الحقيقي المبني على الفكر التجديدي المستنير، ودعوة الناس إليه بوصفهم قادة الفكر وحملة لواء الحق عند المسلمين، فهم أهل وزن بين الناس، وكلامهم معتبر جدًا. ولا بد للعلماء من تذكُّر الميثاق الذي أخذه الله عليهم أن لا يقولوا على الله إلا الحق. وقول الرسول عليه الصلاة والسلام عنهم بأنهم ورثة الأنبياء، وهذا يحمِّلهم مسؤولية كبيرة تجاه المسلمين وتجاه الحكام، وتجاه العمل لإقامة الدولة الإسلامية.

مجدِّد العصر الحاضر

إن تجديد الدين هو واقع ومطلب شرعي، وهو يحدث كل قرن من الزمان، فيقوم المجدِّدون الحقيقيون من المسلمين بنفي كل خبث عن الدين، ويزيلون كل ما علق به مما ليس منه، ويعيدونه تمامًا كما أنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام، وينيرون للمسلمين الحلول الصحيحة لما جدَّ لديهم من قضايا وإشكاليات جديدة.

وعبر تاريخ المسلمين ظهر مجدِّدون مميَّزون عبر كل القرون، ففي القرن الأول ظهر الخليفة عمر بن عبد العزيز، ثم ظهر الإمام الشافعي على رأس المئة الثانية، وكان ممن ظهر من المجددين الذين حملوا مشروعًا للتغيير وإحياء لعلوم الدين، حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري، وظهر كذلك في القرن الثامن للهجرة مشروع للتجديد على يد شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم ممن حاولوا تغيير واقع المسلمين بالقيام بتجديد أمر الدين.

والسؤال: هل وجد من بين المسلمين من قام بالعمل لتجديد أمر الدين في العصر الحديث؟

والجواب عليه: نعم، فقد ظهر الكثيرون في العصر الحديث ممن يظن فيهم التجديد؛ ولكن عند التمحيص والنظر في أعمالهم وفق شروط التجديد التي ذكرناها آنفًا، فإن هناك – حسب علمنا – محاولة واحدة جادة فقط للتجديد، وهي ما قام به الإمام المجدد والعالم الأزهري الشيخ تقي الدين النبهاني، والذي طرح مشروعًا متكاملًا لتجديد أمر الدين مع نهاية القرن الرابع عشر الهجري في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، وكان تجديده عمليًّا؛ حيث أنشأ تكتلًا متميِّزًا يقوم على هذا المشروع التغييري والجهد التجديدي، ألا وهو تكتل حزب التحرير. وقد تبنى الحزب هذه المفاهيم التجديدية وقام عليها وسعى لبثِّها بين المسلمين لايجاد الرأي العام لها، وسعى كذلك لطلب النصرة من أهل القوة والمنعة لإقامة الخلافة الإسلامية في نقطة ارتكاز في إحدى دول المجال في البلاد الإسلامية، ثم تقوم الدولة بعد ذلك بتوحيد باقي أقطار المسلمين مع هذه الدولة وتحرير البلاد الإسلامية المغتصَبة، ثم تستأنف حمل الإسلام إلى العالم بالدعوة والجهاد.

وسيدرك المسلمون أهمية ما قام به مجدِّد العصر الشيخ تقي الدين النبهاني، بعد أن تقوم الخلافة الثانية على منهاج النبوة قريبًا إن شاء الله، فحتى يومنا هذا ما زال المسلمون بعمومهم لم يدركوا أهمية العمل التجديدي الذي أنجزه الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى، بسبب حصار النشر والتشويه الإعلامي والخوف من سطوة الحكام، وسيذكر التاريخ يومًا الشيخ تقي الدين كأحد أبرز مجددي عصره وستكون أعماله التجديدية محل نظر ودراسة وتأسٍّ ومتابعة لانهاض المسلمين وحمل دعوتهم إلى العالم بمشيئة الله، وإن غدًا لناظره قريب.

[1] هذا الجزء مستفاد من كتاب معجزة التشريع الإسلامي: خصائص ومقومات للاستاذ ثائر سلامة أبي مالك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *