العدد 429 - السنة السابعة والثلاثين، شوال 1443هـ الموافق أيار 2022م

مع القرآن الكريم: آيات في الوعد بالنصر والاستخلاف والتمكين (2)

وقال تبارك وتعالى: ( وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥) [النور: 55]

 

جاء في تفسير السعدي: هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرِّفين في تدبيرها، وأنه يمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها بأن يتمكَّنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكَّن من إظهار دينه وما هو عليه إلا بأذًى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدًا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغَوا لهم الغوائل. فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي والأمن التام؛ بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئًا، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكَّنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح (وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ) التمكين والسلطنة التامة لكم، يا معشر المسلمين، (فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ) الذين خرجوا عن طاعة الله وفسدوا، فلم يصلحوا لصالح، ولم يكن فيهم أهلية للخير؛ لأن الذي يترك الإيمان في حال عزه وقهره، وعدم وجود الأسباب المانعة منه، يدل على فساد نيته، وخبث طويته؛ لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك، ودلت هذه الآية أن الله قد مكَّن من قبلنا، واستخلفهم في الأرض، كما قال موسى لقومه: (وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ) وقال تعالى:

(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ٦)[القصص: 5-6]

– وقال عز من قائل: (وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧١ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٢) [الصافات: 171 – 173].

جاء في تفسير السعدي: «(وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ) أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم، نصرًا عزيزًا، يتمكَّنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند اللّه، بأن كانت أحواله مستقيمة، وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور».

– وقال تبارك وتعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧)[محمد: 7].

جاء في تفسير ابن كثير: «ثم قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧)، كقوله :(وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ) [الحج: 40] فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: (وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ) كما جاء في الحديث: «من بلَّغ ذا سلطان حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها، ثبَّت اللهُ قدمه على الصراط يوم القيامة».

وجاء في تفسير الطبري: «وقوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، إن تنصروا الله ينصركم بنصركم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر به وجهادكم إياهم معه لتكون كلمته العُليا ينصركم عليهم، ويظفركم بهم، فإنه ناصر دينه وأولياءه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ) لأنه حقّ على الله أن يعطي من سأله، وينصر من نصره.

وجاء في تفسير السعدي: هذا أمر منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره.

وقال جل جلاله: (وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَ‍َٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٢٦) [الأنفال: 26].

جاء في تفسير ابن كثير: «ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم؛ حيث كانوا قليلين فكثَّرهم، ومستضعَفين خائفين فقوَّاهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم فأطاعوه وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين، حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطرِّين يخافون أن يتخطَّفهم الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسيٍّ وروميٍّ ، كلهم أعداء لهم لقلَّتهم وعدم قوَّتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة؛ فآواهم إليها، وقيَّض لهم أهلها، آوَوا ونصروا يوم بدر وغيره، وآسَوا بأموالهم وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله. وقال قتادة بن دعامة السدوسي (رحمه الله) في قوله تعالى:(وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ) قال: كان هذا الحيُّ من العرب أذلَّ الناس ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأجوعه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينه ضلالًا، مكعومين على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، واللهِ ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منزلًا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكَّن به في البلاد ، ووسَّع به في الرزق ، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تعالى.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *