العدد 429 - السنة السابعة والثلاثين، شوال 1443هـ الموافق أيار 2022م

الأمة بخير ما كان علماؤها بخير

عبد الله إمام أوغلو

وظيفة العلماء ودورهم في المجتمع

ثمة مثل سائر عند العرب يقول: «لا يعرف قدر الأمر إلا من فقده» ونحن بغياب العلماء أهل التقوى والصلاح وندرتهم ازداد إدراكنا لقيمتهم وأهميتهم. فدور العلماء الربَّانيين في تبصير الناس، وتوعية المجتمع بالخطأ والصواب؛ أمرٌ لا جدال فيه. وإنه ما من شك بأننا نعيش حقيقةً مطردةً متزايدةً، ألا وهي «قحط العلماء الأتقياء»، ونحسّ بوطأة غياب دورهم وغياب أثرهم في مجتمعاتنا، وهم – بلا شك – كيمياؤها، ومادة حفظها وصلاح أمرها، ولا خير في مجتمع فسدت مادة حفظه وانقلب كيمياؤه سمُ زعاف.

ونحن اليوم، أحوج ما نكون إلى القادة والعلماء من أهل الصلاح والتقوى الذين يشمِّرون عن ساعد الجد والتشبُّث بدورهم في إخراج المسلمين من الظلمات التي أُقحموا فيها إلى النور، تمامًا كحاجتنا إلى الماء والطعام والهواء. فبين العلماء والحكام علاقة حيوية لا تنفصم عراها، وفاعلية كل منهما في إصلاح المجتمع أمرٌ في غاية الظهور. وقد كان الإمام سفيان الثوري يقول لطلاب العلم: «إذا فسد العلماء، فمن بقي في الدنيا يصلحهم؟» ثم ينشد قائلًا:

يا معشر العلماء يا ملح البلد

ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟!».

 إن العلماء نعمة الله على البشر، وهم القناديل التي ينجلي بها الظلام الدامس، وهم روَّاد الهداية، وورثة الأنبياء على الأرض. هم الدرع الذي يقي الأمة من أعدائها، ومن سلاحهم الفكري والثقافي. هم أهل التقوى الذين يُلقون اليأس في قلوب الشياطين. هم عماد الإسلام وكيمياؤه التي تحفظ صفاءه ونقاءه. هم كلمة الحق التي تبدِّد حالة الصمت حين يخيِّم فوق كل شيء. هم هداة الأمة إلى الطريق حين تَضِلُّ في متاهات أهل الكفر. وقد وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العلماء بأبلغ وصف حين قال: «إنَّ مَثَلَ العُلماءِ في الأرضِ كَمَثَلِ النُّجومِ يُهْتَدى بِها في ظُلماتِ البَرِّ والبَحْرِ، فإذا انْطَمَسَتْ النُّجومُ أوْشَكَ أنْ تَضِلَّ الهُداةُ». أحمد بن حنبل. وهم ورثة الأنبياء؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «إنَّ العالمَ ليستغفرُ لَهُ من في السَّمواتِ ومن في الأرضِ حتَّى الحيتانُ في الماءِ. وفضلُ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ. إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ» أبو داود.

إن هذه الرفعة وهذا القدر الذي أشارت إليه النصوص، إنما هي في حق العلماء العاملين الذين يدافعون عن الإسلام، ويحفظون دين الله عز وجل، ويدعون الحكَّام إلى تطبيق شريعته بكل ما أوتوا من علم وصبر. وهذه الرفعة والمكانة هي للعاملين بعلمهم والسائرين في ركب أهل الحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والآخذين على أيدي الحكام بالنصح والمحاسبة.

وهذه الفضيلة إنما هي للعلماء العاملين المتخلِّقين بأخلاق الأنبياء في اتِّباعهم للحق، وتمسُّكِهم به، وتقديم النصح لله ولرسوله بالتمسُّك بها والذب عنها، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم، ويهتمون بأمر المسلمين، غير مبالين بما يعترض سبيلهم من صنوف الفتن والصعوبات والعذاب.

الإسلام بين العلماء والحكام

فالعلماء المذكورون بأوصافهم في الروايات السالفة، هم العلماء الذين لا يهابون أن يقولوا للظالم: إنك أنت الظالم. ولا يمنعهم هيبة الناس أن يقولوا بحقٍّ علموه، ويقفوا في وجه إفساد المفسدين، ولا يخافون في الله لومة لائم، لا جرم أن هؤلاء يستمدُّون جرأتهم في الحق من قوة الإسلام واستقامتهم عليه.

وإذا كان التاريخ يحمل لنا مواقف العلماء أمام الحكام، وجرأتهم في قول الحق أينما كانوا، حتى هابهم السلاطين، فإن شأن العلماء مع الحكَّام اليوم ليس كأسلافهم في التاريخ من العلماء ورثة الأنبياء. فقد غاضت فيهم قوة الحق أمام الباطل، وغابت صفحة العلماء الذين يصدعون بالحق أمام الحكام، وأصبحت محاسبة الحكام على فسادهم أشبه بالمستحيل. وإذا كان حكام المسلمين يلجؤون إلى العلماء قبل إصدار قراراتهم، أصبح علماء اليوم يسارعون في ليّ النصوص، وتبرير قرارات الحكام الظالمة. وإن تبرير هؤلاء لإجراءات أردوغان وتشجيعه الربا بالليرة التركية في الودائع الآجلة لخير دليل؛ إذ اعتبروا الزيادة أي الربا التي حرَّمها الله «هبة من الدولة» يحل أخذها. وبدل من محاسبة الحكام على ظلمهم، آثروا الحديث عن نواقض الوضوء، وتحدَّثوا في خطبهم عن آداب الطعام والشراب، وسكتوا عن ولاء الحكام للكافر المستعمر، وارتكابهم المجازر في بلاد المسلمين. نعم! بدلًا من أن يكون الحكم تابعًا لما أنزل الله، أصبح تأويل ما أنزل الله تبعًا لأهواء الحاكمين بغير ما أنزل الله، وبدل أن يكون الحكَّام تابعين في أحكامهم للعلماء العاملين الأتقياء ينتظرون الفتوى التي ترضي الله ورسوله، أصبح علماء هذا الزمان تابعين للحاكمين بغير ما أنزل الله يبرِّرون لهم ما يُصدرونه من أحكام، ويبيعون آخرتهم بثمن من الدنيا قليل. فما توجبه وراثة الأنبياء هو أن يقولوا الحق لا يبتغون سوى رضوان الله، غير آبهين بلوم اللائمين، ولا تقريع المقرِّعين، ويتريَّثون في الفتوى حتى يتبين لهم الحق، ولا يتعجَّلون فيها، ولا يتردَّدون إن ظهر لهم خطؤهم في الفتوى. فهذا سلطان العلماء العزُّ ابن عبد السلام يتهيَّب من الفتوى، وكان جريئًا في الرجوع إلى الحق إذا تبين أنه أخطأ، فقد حكى القاضي عز الدين البكاري «أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفتى مرةً بشيء، ثم ظهر له أنه أخطأ، فنادى في مصر والقاهرة على نفسه: من أفتى له ابن عبد السلام بكذا، فلا يعمل به، فإنه خطأ». (طبقات السبكي). فالفتوى عندهم تبعٌ للحق الذي أتى به الإسلام، وابتغاءٌ لرضوان الله تعالى، وليست تملقًا للناس، ولا هيبةً من الحكاَّم.

ولم يكن لقبه بسلطان العلماء من فراغ، فعندما لجأ الملك الصالح إسماعيل إلى عقد صلح مع الصليبيين خوفًا من أخيه الملك الصالح أيوب، وسلَّمهم حصون صيدا والشقيف وصفد وغيرها من حصون المسلمين سنة 638 للهجرة، وأذن للصليبيين بدخول دمشق لشراء السلاح لقتال المسلمين في مصر؛ غضب العزُّ بن عبد السلام، وشقَّ عليه ما حصل مشقَّة عظيمة. وأفتى بحرمة بيع الأسلحة للصليبيين، وطاف بالتجَّار يقول لهم: «يَحْرم عليكم مبايعتهم، لأنكم تتحقَّقون أنهم يشترونه ليقاتلوا به إخوانكم المسلمين»، ثم صعد منبر المسجد الأموي الكبير، وذمَّ موالاة الأعداء، وقبّح الخيانة، وشنّع على السلطان، وقطع الدعاء له بالخطبة، وصار يدعو أمام الجماهير بما يوحي بخلعه واستبداله، ويقول: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رَشَد، تُعِزّ فيه وليَّك، وتُذِلُّ فيه عدوَّك، ويُعمَل فيه بطاعتك، ويُنهى فيه عن معصيتك»، والناس يبتهلون بالتأمين والدعاء للمسلمين، والنصر على الأعداء. وكان يمرُّ على صناَّع السيوف، ويُفتيهم بحرمة صناعة السيوف للصليبيين ومبايعتهم.

أيها العلماء الأفاضل: إن الخلافة تاج الفروض، والعمل لإقامتها هو من الشأن العام، وفي المقام الأول، فهو الحكم بما أنزل الله الذي فيه عزُّ الإسلام والمسلمين، وقد عاش المسلمون طوال عهود الخلافة أقوياء أعزَّاء بدينهم، وتردَّدت كلمات الإسلام في جنبات الأرض، وتردَّد صدى التكبير يبثُّ الرعب في قلوب أهل الكفر، وقد وقف خليفتهم يومًا يخاطب سحابة تمرُّ من فوقه بروح الفاتحين في سبيل إعلاء كلمة الله، واثقًا بنصر الله: «أمطري أنى شئتِ، فسيأتيني خراجك». وعندما تجرَّأ حاكم الروم نقفور على بلاد المسلمين، وبعث برسالة تهديد إلى خليفة المسلمين هارون الرشيد، لم يرَ الخليفة داعيًا لكتابة الردِّ في رسالة أخرى، بل كتب على ظهر رسالته قائلًا: «بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام»[1]. وخرج من فوره بجيشه حتى بلغ هرقلة، قريبة من القسطنطينية، فصالحه، ودفع له الجزية. نعم كان ذلك يوم كان السلطان تبعًا للإسلام. فكان المسلمون أعزة بدينهم، أقوياء بجيوشهم ودعوتهم، وكانوا بذلك سادة الدنيا، وقادة العالم إلى الخير.

ودار الدهر دورته، وأخلدنا إلى الأرض، وغاضت فينا هداية رب العالمين، وقعدنا عن حملها للعالمين، وتبدَّلت علاقة العلماء بالحكام، وأصبح الحكم يدور مع أهواء الحكَّام، بعد أن كان يدور حول رحى الإسلام. وها قد مضى على غياب خلافتنا قرن متطاول من الزمان، وتكالب علينا أهل الكفر كما تتكالب الكلاب على قصعتها، وعدنا أذلة بعد أن كنا سادة الدنيا والدولة الأولى في العالم.

كنا دولة واحدة، فصرنا مزَقًا في بضع وخمسين دويلة، يرسم حدودها الكفار، وانتهبت ثرواتنا التي كانت في خدمة المسلمين والناس، وأصبحت نهبًا للكفار المستعمرين. بلادنا غنية بالبترول والغاز والمعادن والثروات؛ لكنها ليست في خدمة الإسلام والمسلمين والناس أجمعين، بل في خدمة الكفار وجشع الطامعين واستعباد الإنسان وشقاء الإنسانية. وضُرِبت علينا الذلة والمسكنة، وصارت حالتنا كما يقول الشاعر:

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ

                    والماء فوق ظهورها محمول!

وبعد! فهل من طريق للخلاص مما نحن فيه؟ وما السبيل لاستعادة عزِّنا ومكانتنا ودورنا في حمل مشعل الهداية للعالمين؟

نعم، لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، فقد عاد الإسلام غريبًا وطوبى للغرباء القائمين بأمره. «ولن يُصلِحَ آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلَحَ أولَها» كما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله. وقد قام الإسلام بدولة الإسلام التي أسَّسها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وانتشر وتمكَّن في قلوب الناس قبل أن يتمكن في الأرض بالخلافة على منهاج النبوة والحكم بالإسلام. ولن يصلح حال المسلمين إلا باستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة على منهاج النبوة. إنها قضية مصيرية وقضية حياة المسلمين أو زوالهم من الوجود.

أيها العلماء الأتقياء الذين يتلمَّسون طريق ورثة الأنبياء:

إن حزب التحرير يصل الليل بالنهار منذ ما يزيد عن سبعين عامًا في سبيل هذه القضية المصيرية، يحمل الدعوة إلى المسلمين خاصة، وإلى الناس كافة من أجل العودة إلى الإسلام، واستئناف حياتهم على أساس الإسلام بعقيدته وأنظمته وأحكامه، ويعمل من أجل ذلك في الأمة الإسلامية ومعها لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ليعود الإسلام قويًّا عزيزًا وهدايةً للعالمين، كما كان عبر القرون الطويلة. وقد تقلَّبت عليه الأجواء حارة وباردة، وتعرَّض شبابه للفتن والمقاطعة والتشويه والقتل والسجن كسائر أصحاب الدعوات وأتباع الأنبياء. ورغم ذلك، شاء الله سبحانه وتعالى، وصدقت سنته التي لا تحابي العاملين المخلصين في تغيير المجتمعات، أن ينجح حزب التحرير في إعادة الخلافة رأيًا عامًّا بين المسلمين، لا يرون خلاصًا لهم إلا بها، وتكاثر بفضل الله العاملون في سبيل إقامتها، وبقي حزب التحرير سائرًا في طريقه الذي استنبطه من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأبه لظلم ولا مكر أو كيد، واضعًا نصب عينيه أن النصر من عند الله، واثقًا من قوله تعالى: (وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦).

أيها العلماء الأفاضل:

إننا بلا شك نريد لأنفسنا ولكم الخير، وقد روي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» البخاري. وعليه، فإننا نريد لكم أن تشاركونا في هذه الفضيلة الكبرى، وهي العمل لإقامة الخلافة على منهاج النبوة. ومن أولى بهذا الفرض المهم من العلماء ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل الذي يليق بالعالم التقيِّ المخلص أن يتقدَّم الصفوف، ويقول للناس: من هنا الطريق أيها الناس، ويتقدَّم صفوف الصراع مع الباطل لتكون كلمة الله هي العليا في الأرض.

ونحن إذ ندعوكم إلى هذا الباب من أبواب الخير العظيم، لا نريد منكم ذلك حظوة لأنفسنا، ونصرًا لنا في سبيل مقام أو دنيا، بل ندعوكم استجابة لأمر الله، وطاعة له سبحانه، من أجل إقامة نظام حياة المسلمين على أساس الإسلام، وتحكيم شرعه سبحانه، وعودة مشعل الهداية للعالمين، وفي ذلك سعادتنا جميعًا في الدنيا، وثوابٌ عظيم عند الله في الدار الآخرة.

إنها وعد الله، وبشرى رسوله، وقد آذن فجرها، وإنها قاب قوسين أو أدنى بإنه تعالى، إنها مهمتكم أيها العلماء! وإنها الأمانة في أعناقكم!

فالأمة في شتات، ولا راعي لها، وأنتم رواد الأمة، ينظر إليهم الناس، وينتظرون منهم الموقف الذي يقتدون به، والرائد لا يكذب أهله، فاتَّقوا الله فيهم، واربأوا بأنفسكم أن تكونوا من الساكتين عن الحق، أو تكونوا من أعوان الظلمة والظالمين لأنفسهم، ولكم في الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قدوة وعبرة ومثل؛ إذ قال لعمِّه إسحاق بن حنبل حين أراد أن يقول برأي الحكام تقيّةً واتقاءً لظلمهم: «يا عم، إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق؟». فليس الوقت الآن وقت السكوت عن الحق، فإن لم تقولوه فمن يصدح به غيركم؟

أيها العلماء الأفاضل:

لقد دعانا الله ورسوله إلى طاعته، وفي طاعته حياتنا، وصلاح أمرنا، والله سبحانه يقول: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ٢٤) [الأنفال: 24]. وتوعدَنا إن تولينا أن يستبدل غيرنا، فقال: (وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم ). نسأل الله سبحانه أن يستعملنا في خدمة دينه لا أن يستبدلنا، وأن يرضى عنا.

إن وظيفتكم أيها العلماء أن تشتروا أنفسكم وتقوموا ببيان الأمانة التي حملتموها من لدن الوحي الذي أنزل على رسول الله، ومن الصحابة والتابعين والعلماء العاملين، نضرةً طيبةً لم يلحقها ضياع أو فساد. وإنكم إن أعرضتم فسيستبدل الله غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم!

وإنها أمانة ثقيلة، توجب عليكم أن لا تخافوا في الله لومة لائم، وتقولوا الحق حيثما كان، ولا تبيعوا بدينكم عرضًا من الدنيا قليل. إنها أمانة؛ ولكنها سلعة الله الغالية، إنها جنة عرضها السماوات والأرض، والشوق إليها يذلل الصعاب، ويعين على حمل الأمانة.

فإن لجأتم إلى السكوت وأنتم ورثة الأنبياء، فكيف تجد الأمة طريقها وسط هذا الظلام؟ وإن لم تبيِّنوا للناس معالم الخلافة التي كانت عبر القرون ملاذ الإنسانية المفعم بالعدالة والرحمة، فمن سيبيِّن لهم ذلك؟!

أيها العلماء:

إن تشتروا أنفسكم، وتبينوا للناس الحق الذي بلغكم من ميراث النبوة؛ ترفعكم الأمة فوق أكتافها، ويعلُ مقامكم عند ربكم، فهلم يا أصحاب الفضيلة العلماء، وأروا العالم من أنفسكم خير، وليرَ الكفار أن الإسلام حيٌّ باقٍ في المسلمين، يجعلهم أمة واحدة رغم أنوفهم، ولنجتمع حول راية الخلافة الراشدة، نحملها مع حزب التحرير، استجابة لله ولرسوله.

لنتحد حول راية الإسلام، فتكون لنا عزة الإسلام التي تهز عروش الكفار المستعمرين وأعوانهم من الظلمة الفاسدين. لنتَّحد حتى يستبدل الله حالنا من تكالب الكفار علينا تكالب الضباع الجائعة، إلى عز الإسلام يدخل كل بيت مدر ووبر.

هلم أيها العلماء إلى تشمير ساعد الجد، ولتكن صيحاتكم بالحق باعثة للأمة من رقادها، لتعود خير أمة أخرجت للناس، ويعود لها النصر هيبةً وخوفًا يلقيه الله في قلوب الكافرين. هلم ولتكن نهضتكم شفاء لقلوب أنهكتها الأسقام. هلم فالشقاء يعم الإنسانية كلها، والعالم في مأزق إفلاس القيادات، والوقت وقت القيادة الصالحة، والزمان زمان الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؛ بشيرًا للأمة الإسلامية والمستضعفين في الأرض، ونذيرًا للكفار والظالمين. فأنتم تحملون هداية الناس من شقائها وضلالها، والأمة الإسلامية على شتاتها وضعفها لا زالت الأمة الوحيدة المؤهلة لإنقاذ البشرية.

والأمة بخير ما دمتم أنتم بخير. ولا يزال الخير في أمهات المسلمين، ولن تعقم أرحامهن أن تلد العلماء الأتقياء العاملين المخلصين من جديد بإذن الله؛ قادةً وأعلامًا ومصابيحَ هدايةٍ لا يبتغون سوى رضا الله، ولا يقبلون بغير الجنة بدلًا. وإن السبَّابة التي تشهد لله ولرسوله في كل صلاة، لن تكون عونًا تخط كلمةَ ضلالٍ، فالمسلم الواثق بنصر الله، لا يعرف ذلَّ الاستسلام، فإما نصر في الدنيا أو فوز بالشهادة.

[1] ورد في البداية والنهاية لابن كثير أنه في عهد الملكة الرومية إيريني وبالضبط في سنة 181 هـ كان الروم يدفعون الجزية للمسلمين وذلك بعدما دخلوا في هدنة ومصالحة مع هارون الرشيد الذي هزمهم في معارك متتالية، وظلت المعاهدة سارية إلى أن تولى الحكم الإمبراطور نقفور الثاني فوكاس الذي أبى دفع الجزية فكتب إلى هارون الرشيد، فقال: «من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد، فإنَ الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الأخ، وأقامت نفسها مكان البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أضعافها إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وَافتد نفسك، وإلا فالسيف بيننا وبينك».فلما قرأ الخليفة هارون الرشيد الكتاب استفزَه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرَّق جلساؤه، فدعا بدواة، وكتب على ظهر الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام».وخرج هارون الرشيد بنفسه في 187هـ، حتى وصل هرقلة وهي مدينة بالقرب من القسطنطينية، واضطر نقفور إلى الصلح والموادعة، وحمل مال الجزية إلى الخليفة كما كانت تفعل إيريني من قبل، ولكنه نقض المعاهدة بعد عودة الرشيد، فعاد الرشيد إلى قتاله في 188هـ، وهزمه هزيمة منكرة، وقتل من جيشه أربعين ألفًا، وجُرح نقفور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *