العدد 426-427-428 - السنة السادسة والثلاثون، رجب-شعبان-رمضان 1443هـ ، الموافق شباط-آذار-نيسان 2022م

ما زال رمضان يأتي على المسلمين من دون خلافة

جمال الطيار – اليمن

يأتي رمضان هذه السنة، كما في كل سنة، والمسلمون على حالهم من عدم قيام الخلافة وقيام حياتهم على الإسلام من كل جوانبها… يأتي وهم على عاداتهم السنوية من إقبالهم على التزود بالطاعات المختلفة من الصلاة والصيام والقيام والصدقة والزكاة والدعاء والاستغفار والتوبة وأعمال البر والصلة، وتعم فيه الأجواء الإيمانية بين المسلمين، ويكثر ارتياد المصلين المساجد لصلاة التراويح والقيام وسائر الصلوات… ومن يرى تلك الأجواء النديَّة والمحبَّة التي يعيشها المسلمون والذين تعمر نفوسهم إيمانًا بالله سبحانه وتعالى، ومحبَّةً لرسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا الدين الحنيف، وتمتلئ قلوبهم وعقولهم رغبة في طاعة الله سبحانه وتعالى وعمل كل ما يرضيه، والبعد عن كل ما يغضبه، ومن حفظ الفرج واللسان، وغضِّ البصر، ومن إخراج الزكاة والصدقات وفعل الخيرات… ليتمنى أن يكون كل ذلك من خلال دولة إسلامية؛ حيث كان سيصاحب ذلك مشاعر العزة المفقودة، وقوة الحق واتساع مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يجعل العالم كله ينعم بهذا الشهر الكريم، وليس المسلمون فحسب.

ولكن ما إن ينقضي شهر رمضان حتى تختفي مثل هذه المظاهر، وتقلُّ هذه المشاعر، ويخفُّ عدد المصلين في المساجد، ويعود المسلمون لحياتهم السابقة من الانشغال بالدنيا وبتأمين مصالحهم المادية، وتنتهي شعائر الطاعة عندهم بانتهائه وكأنه مناسبة دينية سنويَّة… ولو كان هناك دولة إسلامية لكانت أجواء الطاعة تستمر على مدار السنة من غير انقطاع.

 هذه الأجواء الرطبة التي تريح المسلمين تزعج أعداءهم من الغرب وأدواته من السياسيين والحكام، والعلمانيين والفنانين… فيقوم إعلامه الماجن بقنواته الساقطة جاهدًا على حرف المسلمين عن هذه الأجواء بلهو المسلسلات الفارغة والبرامج الهدامة والتافهة والسخيفة وغير المحترمة… يريد أن يمتص بها حرارة الإيمان عند المسلمين، وفي مقابل ذلك على المسلمين أن لا ينغصوا على خشوعهم بمثل هذه المسلسلات والبرامج، وأن يبقوا على حرارة الإيمان وأن يفكروا بأوضاع المسلمين في كل مكان، وأن يفكروا بخلاص أمتهم، وأن يدعوا الله أن يطعم الله المسلمين من فوقهم ومن تحت أرجلهم وهذا لا يكون إلا من خلال دولة إسلامية؛ وذلك مضداقًا لقوله تعالى: (وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ٦٦) هذا الأمر يتكرر على المسلمين كل سنة، ولا يزالون يعيشونه منذ سقوط الخلافة واحتلالِ الغرب لبلادهم وتقسيمِها، وفرضِ نمطِ الحياة الغربية عليهم والقائمة على فصلِ الدين عن الدنيا، وجعلِ الدين مناسبات يهتم بها كشهر رمضان، أما باقي الشهور فجعلت للدنيا والمصالح المادية، والتي جعل الدين فيها يقتصر على بعض العبادات كالأخلاق والمطعومات والملبوسات والميراث والزواج والطلاق، أما أحكام الدين الشرعية المتعلِّقة بالمعاملات والعقوبات والدولة فلا تزال غائبة تمامًا عن واقع حياة المسلمين.

ولذلك يأتي رمضان ولا يزال المسلمون على حالهم من العيش في ظل دويلات كرتونية، تحكمها أنظمة فاجرة، يعِينهم على حكمها علماء سوء، علماء استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، علماء باعوا دينهم بدنيا غيرهم.

لا يزال رمضان يأتي على المسلمين وحدود سايكس وبيكو تفصل بين بلدانهم، والأعلام التي صنعها المستعمرين ترفرف فوق مقرَّات هذه البلدان.

لا يزال رمضان يأتي على المسلمين ومشاعر القومية والوطنية هي المفروض أن تسود بينهم بدلًا من مشاعر الأخوة الإسلامية؛ وذلك بتوجيه من الغرب لبعض صنائعه في هذه البلدان.

لا يزال رمضان يأتي على المسلمين وهم يعيشون حالة الفقر والمرض وسوء الخدمات رغم ما أنعم الله به على بلادهم من ثروات.

لا يزال رمضان يأتي على المسلمين وهم في استضعاف ظاهر وذِلَّة، وقد اجتمعت على حربهم والتآمر عليهم كافة دول الغرب الكافرة.

لا يزال رمضان يأتي على المسلمين ومعظم الأحكام الشرعية غائبة عن واقع حياتهم باستثناء الأحكام الفردية.

لا يزال رمضان يأتي على المسلمين والمبدأ الرأسمالي الغربي هو السائد في العالم، وهو المتحكم في بلدانهم ومصيرهم.

لا يزال رمضان يأتي على المسلمين وخلافتهم الإسلامية الموعودة، التي وعدهم الله بها، وبشرهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي هي أم الفرائض، وجامعة الأحكام الشرعية غائبة عن حياتهم وواقعهم.

إننا نريد بإذن الله سبحانه وتعالى أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين وقد اختفت حدود سايكس وبيكو بين بلدانهم، وعادوا أمة واحدة كما كانوا من إندونيسيا شرقًا وإلى المحيط الأطلنطي غربًا.

إننا نريد أن نرى ذلك اليوم وتلك السنة التي يأتي فيه رمضان على المسلمين وقد أنزلت هذه الرايات الوطنية الملونة ورفعت مكانها رايات العقاب السود في كل مكان من بلاد المسلمين، وأصبحت راية التوحيد ترفرف فوق أجهزة الدولة والمصالح الحكومية المختلفة.

إننا نريد أن نرى تلك السنة، وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين وقد تحولَّت بلدانهم من ممالك وجمهوريات إلى ولايات للدولة الإسلامية… ونرى أن المسلمين يتنقلون ويسافرون من ولاية إلى ولاية أخرى بحرية تامة دون جوازات سفر أو تأشيرات دخول.

إننا نريد أن نرى ذلك اليوم وتلك السنة التي يأتي فيه رمضان على المسلمين والدولة الإسلامية توزع المال العام على المسلمين من دخل النفط والغاز والمعادن، وتجمع فيه الزكاة والصدقات التي تأخذها من أموال المسلمين وتعيدها على مستحقيها من مصارفها الثمانية من المسلمين في ولايات الدولة الإسلامية المختلفة، ويتساوى في أخذها المسلمون في أفريقيا الفقراء مع أهل الخليج الأغنياء.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين وتجَّارهم يتنقلون ببضائعهم المختلفة من ولاية إلى ولاية بحرية تامة دون أن تؤخذ على بضائعهم المكوس من الضرائب والجمارك، فنرى بضائع تجار الحجاز ونجد والشام والعراق وباكستان والمغرب واليمن والعراق ومصر وأفغانستان وتركستان والسودان وإندونيسيا وتركيا وغيرها في كل ولايات دولة الخلافة، ونرى أسماء وألقاب التجار المسلمين من مختلف بلاد المسلمين وهي تزين اللوحات الإعلانية والمحلات التجارية في أسواق ومدن ولايات دولة الخلافة الإسلامية المختلفة.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين وقد بدأت دولة الخلافة بعمل المشاريع الضخمة التي تعود بالمصلحة العامة على المسلمين، كأن تقوم بربط ولايات الخلافة المختلفة بشبكة قطارات، وتقوم بعمل جسور برية فوق مضيق باب المندب ومضيق هرمز، وفوق خليج السويس وخليج العقبة لتسهيل تنقل المسلمين بين الولايات المختلفة، وتقوم بزراعة مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة وخاصة أراضي السودان لتحقيق الأمن الغذائي لمئات الملايين من المسلمين في كل أرجاء الخلافة الإسلامية.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين وقد اختفت فيه كل هذه العملات الوطنية الكرتونية واستبدلت بعملة واحدة لكل المسلمين، هي الدينار الذهبي والدرهم الفضي، وأن يكون لهذه العملة غطاء ذهبي في البنك يجعل لها قيمة وليس مجرد عملة ورقية.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين وقد طُبِّقت الأحكام الشرعية، سواء منها ما يتعلق بالفرد أم بالجماعة أم بالدولة، وسواء منها ما يتعلق بأحكام العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات أم بالمعاملات والعقوبات وسائر الأحكام.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين والمشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف تزدحم بعشرات الملايين من المسلمين في موسم الحج وفي رمضان، بل وعلى مدار العام لأداء العمرة والزيارة، والذي سوف يجعل ولاية الحجاز وولاية الشام والولايات القريبة منها تكتظ بالمسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم مما سيجعل مدن هذه الولايات تشهد نشاطًا تجاريًا هائلًا بكل مرافقها من مطارات وموانئ وطرقات وفنادق ومستشفيات وأسواق. والذي سيجعل المسلمين يختلطون ببعضهم ويتعارفون فيما بينهم في مشهد هو من أشد أواصر الأخوة والقربى بالزواج.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين ووسائل الإعلام والقنوات الفضائية قد أصبحت تابعة لدولة الخلافة تسخِّرها لنشر أحكام الإسلام وفضائله بين المسلمين، ودعوة غير المسلمين للإسلام بكل لغات العالم.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين وكل مسلم منهم يستطيع بسيارته الخاصة أن يسافر من ولاية إلى ولاية، وينتقل من مدينة إلى مدينة في ربوع العالم الإسلامي آمنًا على نفسه وماله.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين وقد أصبحت جيوشهم العديدة التي تحمي حدود سايكس وبيكو، جيشًا واحدًا قد عاد لمهمته الأساسية، وهي الجهاد ونشر الإسلام في العالم وإدخال الناس في دين الله أفواجًا.

إننا نريد أن نرى تلك السنة وذلك اليوم الذي يأتي فيه رمضان على المسلمين، وهم أمة واحدة، تحت حكم خليفة واحد، وتعود دولتهم دولة الخلافة الإسلامية الراشدة هي الدولة الأولى والأقوى في العالم لتعيد لهم هيبتهم وقوتهم، ولتمسك بزمام المبادرة من الكفار، وتقود العالم بمبدئها الإسلامي بدلًا عن المبدأ الرأسمالي نحو الخير والعدل والرشاد، ولتملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، وليرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء.

إن ما ذكرت سابقًا ليس خيالًا أو أحلامًا وردية أو أمنياتٍ بعيدة المنال، إنما هو حقيقة وواقع سوف نراه يومًا بأم أعيننا بإذن الله. فالله سبحانه وتعالى قد وعد عباده المؤمنين العاملين بالاستخلاف في الأرض، والتمكين لدينهم الذي ارتضاه لهم كما قال تعالى: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥) وكما أنه من سنن الله سبحانه وتعالى التي لا تتبدل ولا تتغير والتي يجريها على خلقه من الأوَّلين والآخرين أنه بعد أن يداول الأيام بين عباده يجعل النصر دائمًا في نهاية المطاف حليفًا لعباده المتقين بقول الله تعالى: ( إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ) .

ونحن الآن نعيش في هذه الفترة وفي هذه الشهور والسنوات مرحلة انتقالية بين الحكم الجبري وبين استئناف الحياة الإسلامية بعودة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة الموعودة، نسأل الله أن تكون قريبة، ونسأل الله أن يكون تغيير هذا الواقع على أيدينا إكرامًا منه ومِنَّة، ويكون رمضان هو رمضان النور والخير والهداية والجهاد والتقوى كما كان في سالف الأيام… إنه على كل شيء قدير.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *