العدد 426-427-428 - السنة السادسة والثلاثون، رجب-شعبان-رمضان 1443هـ ، الموافق شباط-آذار-نيسان 2022م

نحن أمة تمرض؛ لكنها لا تموت

محمد عبد الله

لم يعد يخفى على أحد أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومبدئه الشيوعي، أصبح العدو المباشر للغرب الرأسمالي هو الإسلام السياسي، الإسلام الذي يطمح للوصول إلى الحكم. وكان الصراع بينهما صراعًا مبدئيًّا. والصراع بين المبادئ هو صراع جدي، ولا يمكن أن يتوقف إلا بموت أحد الخصمين. والغرب يأخذ الأمر في هذا الصراع بكل جدية؛ إلا أنه بدل أن يجعل الصراع فكريًّا ويقارع الحجة بالحجة، وهذا هو صعيد الصراع بين المبادئ، فإنه يسلك السبل الملتوية؛ لأنه يعلم علم اليقين أنه لا يمكنه أن يصمد أمام حجة الإسلام الواضحة البسيطة المقنعة للعقل والموافقة للفطرة، والدليل هو التنامي المطرد لأعداد الذين يدخلون في الإسلام من أبناء الغرب ومن كل الفئات المجتمعية، من عامة الناس ومن المفكرين والعلماء… رغم فارق التقدم الهائل بين المسلمين والغرب.

إذًا، فعجز الغرب الواضح عن الوقوف في وجه حجة الإسلام جعله يسلك سبلًا أخرى أكثر خبثًا ومكرًا. والفكرة الأساسية وراء هذه الخطة الخبيثة هي: إن كان خصمك قويًّا، وكنت عاجزًا عن مواجهته، فأضعفه، ثم أجهز عليه حين يضعف… وهكذا كان. ونحن هنا نتجاوز الحديث عن المواجهة العسكرية؛ لأن الغرب قد اقتنع منذ بدايات القرن الثامن عشر أن الأمة الإسلامية لا تهزم عسكريًّا، وأنها مهما ضعفت أو مُنيت بالهزائم العسكرية، فإنها سرعان ما تنهض من جديد، بمجرد أن يوجد فيها قادة مخلصون.

فكيف ارتأى الغرب إضعاف الأمة الإسلامية؟

لقد فهم الغرب جيدًا أن قوة الأمة تتجلَّى في قوة عقيدتها، وقوة تمسك أبنائها بعقيدتهم، وجدية التفافهم حولها. وهذه هي بالضبط الجبهات الفكرية التي فتحها أعداء الله على الإسلام، فعملوا على مجموعة من الأمور، أهمها:

فرض العلمانية في واقع الناس وإجبارهم على التعامل بها والتحاكم إلى شرعة البشر، ودفعهم شيئًا فشيئًا إلى التطبيع مع الحكم بغير ما أنزل الله، ونزع كل ممانعة لديهم حتى يصبح المسلم غارقًا فيما يُغضب الله دون أن تهتزَّ منه شعرة.

الدعاية المكثَّفة، وبأساليب متنوِّعة ومتجدِّدة، لأفكار العلمانية المتمثِّلة في الحريات ووجوب فصل الدين عن السياسة، وإدخالها في المناهج التعليمية للأطفال، ومحاولة إيجاد رأي عام جارف حولها؛ بحيث لا يعود يجرؤ أحد على مخالفتها، إلا على استحياء.

تشكيك المسلمين في عقيدتهم بطرح بعض الإشكالات الفكرية، مثل ما قد يظهر من مناقضة بعض الأحاديث للقرآن كالوصية للوالدين، أو تناقض بعض الأحاديث، أو تسليط الضوء على بعض الأحكام «الغريبة» مثل إرضاع الكبير أو التداوي بأبوال الإبل.

الطعن في أئمة الحديث وكتبهم وكيفية جمع الأحاديث، والانطلاق من احتمال تسرب الوضع إلى بعض الأحاديث إلى الجزم بكذبها كلها، وفتح المجال للعلماء المضلِّين، أو من يسمُّون أنفسهم زورًا وبهتانًا «القرآنيين».

دعم موجة العلماء «الشباب» الذين يحصرون علمهم في الرقائق والمواعظ أو ما أصبح يدخل في ميدان التنمية البشرية، ولا يقربون عالم السياسة.

 إبقاء مجال وسائل الإعلام مفتوحًا أمام طائفة علماء السلطان الذين يحصرون الفتيا في الأمور الشخصية، فإذا تعلق الأمر بشيء من السياسة أفتَوا على هوى الحكام ومقاسهم وبرَّروا لهم تجاوزاتهم، وألزموا الرعية بالسمع والطاعة لهم حتى لو بلغت تجاوزات الحكام عنان السماء.

جعل الفكر الغربي حكمًا على صلاحية الأحكام الشرعية، فالجهاد يجب أن يتوقف لأنه يخالف حرية العقيدة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يُلغى لأنه يخالف الحريات الشخصية. وتعدُّد الزوجات و«للذكر مثل حظ الأنثيين» يجب أن يُلغيا لأنهما يخالفان مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة… والغاية من كل هذا هي قطع العلاقة بين الحكم الشرعي ودليله من الكتاب والسنة، ووضع «فلتر» إجباري قبل اعتماد الحكم، وهو موافقته للعلمانية، فما وافق العلمانية اعتُمد وما خالفها رُفض ولو كان مبنيًّا على نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة.

تغييب الأحكام الإسلامية والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي عن واقع الناس وعن مناهجهم التعليمية وعن وسائل الإعلام وكل ما يحيط بهم؛ حتى يصبح أبناء المسلمين شبه أميين في أحكام دينهم، ويصبح الفقه حكرًا على فئة قليلة نادرة من المتخصِّصين.

إفراغ الساحة من أي كفاءة علمية وفكرية قادرة على مواجهة الفكر العلماني، ومنع تسليط أي نقطة ضوء عليهم إن وجدوا، وبالمقابل إغراق الساحة بأشباه العلماء الذين يبيحون العلمانية ويجدون لها المسوِّغات الشرعية.

إغراق الساحة بالتفاهات كالفن والرياضة والغناء والرقص والطبخ والكوميديا، وإنشاء المسابقات والجوائز القيمة لهذه الأنشطة، وجعل من يفوز فيها رمزًا من رموز الأمة تتغنَّى به الركبان، ويُستدعى في المحافل ويستشار في عظائم الأمور، والهدف من كل هذا هو إشغال الناس وحرف بوصلتهم لإلهائهم عن العمل التغييري الجادِّ.

فتح المجال للتافهين لتصدُّر المتابعات على وسائل التواصل الإلكتروني والتحول إلى نجوم بمشاركات تفيض انحطاطًا وسفاهةً وفجورًا.

تشجيع النعرات الطائفية والمذهبية والوطنية، بل والخلافات بين مشجعي الفرق الرياضية، واختلاق الأسباب لإشعال الأزمات حتى ينشغل الناس عن عدوهم الحقيقي وهو الغرب، وعن وكيل عدوهم وهم الحكام العملاء، ويصبح عدو أحدنا هو جاره الذي ليس من شيعته.

إفقار المسلمين وإغراقهم في الأزمات الاقتصادية لجعلهم يدورون في دوامة لقمة العيش، ولا يبقى لهم وقت ولا جهد للتفكير في سبل التغيير وإنهاض المسلمين.

التضييق الأمني على كل من يحمل فكرًا تغييريًا جادًّا، خصوصًا إن كان بنكهة إسلامية، والتنكيل بهم بشكل يجعل كل شخص يحلم بالتغيير يفكر مرات ومرات قبل أن يقدم على القيام بأي عمل.

الالتفاف على الثورات الشعبية وتغذية الثورات المضادة وإدخال الشعوب في فتن الحروب الأهلية القاتلة؛ لجعل الناس تخنع لظلم الحكام وتندم على اليوم الذي فكَّرت فيه في الثورة على حكامها.

قد يبدو هذا المكر بالفعل محكمًا، وهو بدون شكٍّ مكرٌ تكاد تزول منه الجبال، ولا شك أن هذه الأعمال قد أضعفت كيان الأمة وأوجدت بيننا جيوشًا من المضلَّلين والمضلِّلين، ومن العملاء الفكريين، ومن الجهَّال والتافهين… ولكن هذه الأمة قد حباها الله بميزة لا توجد فيمن سواها، وهي مناعتُها المرتفعة، أي أنها قد تمرض وتتعب ولكنها لا تموت، تضعف ولكنها لا تستسلم أبدًا، تنحني مؤقتًا ولكنها لا تركع إلا لربها، وأنَّى تهزم أمة تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟!

هذا ليس كلامًا تنظيريًّا أو حماسيًّا إنشائيًّا، ولكنه كلام واقعي عملي، وتاريخ الأمة خير شاهد عليه، فكلما ألمّ بالأمة بلاءٌ يكاد يستأصلها، لا تلبث أن تنهض فتعود أقوى مما كانت. واليوم، ورغم كل ما يُكاد لها، فصحوة أبنائها تملأ الآفاق، وثباتهم، رغم كل ما يلاقون ومما لا يعدُّ، لا يخفى على أحد، فرغم القتل الجماعي ورغم التفنُّن والإبداع القذر في التعذيب والتنكيل والمجازر، لا يزال المسلم البسيط رافعًا رأسه متحديًا، ولا يزال يتقدَّم وعدوه يتأخَّر في ساحات الفكر كما في ساحات القتال، وقد رأينا كيف انسحبت أمريكا من أفغانستان تجرُّ أذيال الخيبة أمام حفنة مقاتلين لا يملكون عشر معشار ما تملكه هي من أسلحة ودمار.

إن قوة العقيدة لا تعدلها قوة في الأرض، وإن مكر أعداء الله مهما علا فإنه لا بقاء له ولا قرار، وذلك ليس رجمًا بالغيب، ولا تمنيات وأحلامًا، ولكن تصديقًا لوعد ربنا سبحانه، قال تعالى: (وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ) [فاطر: 10].

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *