العدد 426-427-428 - السنة السادسة والثلاثون، رجب-شعبان-رمضان 1443هـ ، الموافق شباط-آذار-نيسان 2022م

إزالة الأفكار القاتمة عن دولة الخلافة الراشدة الثانية

 

الدكتور فرج ممدوح

لقد جاءنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالإسلام وأسس كتلة من المؤمنين، وأقام بهذه الكتلة أول دولة للإسلام في المدينة المنورة، وقاد هذه الدولة من بعده الرجال الذي كانوا حوله عليه الصلاة والسلام، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وأرضاهم، فقاموا بتطبيق الإسلام النقي الصافي على منهجه الذي تعلمونه منه صلى الله عليه وسلم.

ثم تغيَّر الحال وتقلَّب الزمان وبدأت فترة الحكم العضوض بعد ذلك، فاختفت تلك الصورة الراشدة عن شخص الحاكم، وبدأ توريث الحكم باسم ولاية العهد. ورغم أن تطبيق الإسلام استمرَّ مع بعض الإساءة في تطبيقه، إلا أن الفرق بين شخصيات الحكام الجدد مقارنة بخلفاء الحكم الراشد رضي الله عنهم بدأ يظهر بل ويزداد، فظهر شرخ كبير في طريقة نصب الخليفة، كما ظهر بعض الفساد في التطبيق وفي شخصية الخلفاء.

لقد رضيت بهم الأمة وسكتت عن حقها في اختيار الخلفاء، وذلك بسبب تطبيقهم للإسلام، والخوف من أن تقع الأمة في فتن أكبر، وهكذا استمرَّ الحال، بل ساء تطبيق الإسلام أكثر فأكثر في الحكم العباسي والعثماني رغم مراعاتهم تطبيق الإسلام عمومًا. وصار بيت المال وخزينة الحاكم وكأنهما بيت واحد دونما التزام دقيق بالشرع.

ثم بدأ الحكم الجبري منذ القرن الماضي بعد هدم آخر دولة إسلامية وهي الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٤م، فاختفى بذلك تطبيق الإسلام وحلَّ مكانه دستور جديد ليس له علاقة بالإسلام بتاتًا، وجاء حكَّام جدد يحكمون بالكفر وقوانينه علانية، وتشتَّتت الأمة في دويلات كثيرة كلها تحكم بالكفر، وظهر الفجور والمجون والفساد بصورة غير مسبوقة.

نعم هذا هو حال الحكم والحكام في العصر الراشد والعصر العضوض، وفي ظل الحكم الجبري.

والآن وبحمد الله عزَّ وجلَّ تتَّجه الأمَّة وتتوق للعودة إلى عصر الخلافة الراشدة. العصر الذي سيكون فيه تطبيق الإسلام كاملًا شاملًا بصفاء ونقاء من جهة، ومن جهة أخرى سيكون فيه الخليفة راشدًا أيضًا في شخصيته وسلوكه. كيف لا، ونبيُّ الله صلى الله عليه وسلم قد بشَّر بعودتها فقال: «تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ». ثم سكت

إلا أن الزمان قد تغيَّر والعالم قد أصبح غير العالم وأشكال الحياة قد تبدَّلت وتغيَّرت، فصارت تتراود للأذهان أفكار وخواطر مثبّطة ومحبطة. إذ كيف يمكن استئناف خلافة راشدة في مثل هذا العصر وفي أمة كأمتنا اليوم؟ ما الذي يجعل أمر رجوع الخلافة أمرًا ممكنًا؟ هل حقًّا يمكننا أن نعود إلى عصر الخلافة الراشدة، أو قل الخلافة على الأقل؟ أليس هذا حلمًا صعب المنال؟ أليس هذا ضربًا من الخيال؟

دعونا نلقي نظرة على الأمور التي تجعل البعض يقولون إن إمكانية رجوع الخلافة مجرد حلم. دعونا نتعرف على سبب هذا التشاؤم وهذا اليأس من عودتها، ولنحاول تجلية الأمور وتوضيحها لعل هذا يكون سببًا في هداية الكثيرين من المتردِّدين واليائسين والمتخوِّفين؛ ولكنهم في الوقت نفسه توّاقون لسلوك الطريق الصحيح لاستئناف الحياة الإسلامية في ظل الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة بإذن الله عزَّ وجلَّ:

أولًا: واقعنا المرير الذي نعيشه اليوم في أكثر من ٥٦ دويلة، حيث في كل دويلة منها حاكم وجيش وحدود وأنظمة تجعل مجرد التفكير بالخلافة أمرًا مستحيلًا أو شبه مستحيل.

وهنا نقول: نعم، هذا ما كان من كيد الكفار لأمة محمد، فهم بعد هدمهم لدولة الإسلام مزَّقوا المسلمين في دول وطنية وأمعنوا في فرقتهم وشرذمتهم؛ وبهذا صار على السالكين في الطريق إعلان البراءة من هذه الدول الوطنية التي أسَّسها سايكس وبيكو، وتحرير عقول المسلمين أولًا من التبعية لهكذا دول صنعها الاستعمار، وهذا جزء من الطريق لإقامة الخلافة من جديد؛ فلا بد من أن يعي الناس أن هذه الدول وهؤلاء الحكَّام هم من يرسِّخون تفرقة الأمة، وهم من يسهرون على شرذمتها وإذلالها وتركيعها لأعداء الأمة، وأن هذه الحدود هي حدود صنعها الكافر وحماها حكام المسلمين، وهذه الحدود ما هي إلا خطوط لا قيمة لها؛ لأن الشعوب المسلمة ربها واحد ونبيُّها واحد ودينُها واحد، ويجب أن تكون دولتهم أيضًا واحدة وخليفتهم واحدًا. ولا يوجد في الإسلام وطنيات ولا قوميات ولا أبيض ولا أسود، فقد قال عليه الصلاة والسلام «يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ، ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ، ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسْودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى، إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ».

وهذه الدعوة، يجب على كل من يفهمها ويعيها من أبناء المسلمين، خطباء وعلماء ومثقَّفين وعامة المسلمين. يجب أن تدور على الألسن وتحتضنها الأنفس ويحملها المخلصون سرًّا وجهرًا، ليلًا ونهارًا؛ حتى تنبذ الأنظمة القائمة وتعلم أن وقت زوالها قد آن واقترب وأن الشعوب المسلمة قد عادت لفكرها الصحيح وطريقها القويم.

ثانيًا: عدم معاصرتنا لأي نوع من خلافة سابقة، فقد ولدت أجيالنا في عصر لم توجد فيه دولة خلافة ولا إسلام يطبَّق. فنحن لم نختبر في حياتنا وجود مثل هذه الدولة. ورغم أن وجود آخر دولة إسلامية لم يكن بعيدًا جدًا عن أجيالنا، إلا أننا ولدنا وعشنا في دول لا تطبِّق الإسلام، وحكَّامها لا يمتُّون للإسلام إلا بالقشور، ولا يلبسون عباءة الإسلام أحيانًا إلا إذا لزم ذلك لتوطيد حكمهم.

وهنا نقول: إن آخر دولة إسلامية كانت الدولة العثمانية، ورغم إساءة التطبيق فيها إلا أنها كانت تحمل راية الصراع بين الحق والباطل وبين الإسلام والكفر في العالم، وهذه الدولة ليست ببعيدة عن أجيالنا، فقد هُدمت في القرن الماضي. ومعنى وجود دولة إسلامية واحدة اليوم هو أن يكون لها مركز وعاصمة وخليفة، وأن تكون باقي البلاد الإسلامية الموجودة اليوم مجرد ولايات فيها، دون وجود حدود بينها، ودون حاجة لجواز سفر وتأشيرة للتنقل في ربوعها، بل هي ولايات في دولة واحدة، لها عاصمة واحدة، ويرأسها خليفة واحد. يكون في كل ولاية منها والٍ يسير أمورها ويرعى شؤونها؛ ولكنه يعود إلى العاصمة وإلى الخليفة في الأمور السياسية والعسكرية.

ببساطة يكون الحكم مركزيًّا في الشؤون السياسية وغير مركزي في الشؤون الإدارية. فالدستور واحد في الدولة الإسلامية يحكم كل أعمال الإدارة والرعاية لجميع رعايا الدولة. وهكذا يعيش المسلمون وأهل ذمتهم عيشة رغيدة ميسَّرة يتنقلون كيفما شاؤوا في جميع ربوع دولتهم دونما حاجة لفيزا أو تأشيرة. وإذا وقع اعتداءٌ على أي ولاية حرك الخليفة الجيوش لنصرة هذه الولاية، تمامًا كما كان الحال في عصر الخلافة سابقًا. وإذا أصاب أي ولاية فقر أو جائحة أو وباء أو بلاء لا تستطيع معالجته قام الخليفة بمد العون للولاية من بيت مال المسلمين ومن أملاك المسلمين العامة وأملاك الدولة، بل وحثَّ الجميع على إغاثة تلك الولاية. هذه بعض الأمثلة لتبسيط فهم شكل وأعمال دولة الخلافة المنتظرة إن شاء الله.

ثالثًا: تخيُّل رجوع هذه الخلافة أمرًا مستحيلًا أو شبه مستحيل. وهذه مرتبطة بالنقطة الثانية. فعدم معاصرتنا لدولة الخلافة تجعلنا نتخيلها من خلال تصورات ذهنية مشوَّهة وغير صحيحة.

وهنا نقول: إن دولة الإسلام كأي دولة تقوم من جديد فإنها تقوى مع الزمن وتصبح دولة كبرى، بل تصبح لها كلمتها في العالم مع مرور الزمن؛ فقد لا تصبح دولة الخلافة عظمى من أول  قيامها كما كان حالها في عهد عمر بن الخطاب أو المعتصم أو سليمان القانوني رحمهم الله جميعًا.

إن دولة الخلافة ستكون دولة مستقلة متميِّزة منذ اليوم الأول؛ ولكن مبدأها المتميز وانتشار المسلمين في كل بقاع الدنيا وتاريخ نجاحاتها في كل ميادين الحياة واستقلال قرارها السياسي والاقتصادي والعسكري سيمكنها من النمو في فترة وجيزة؛ بحيث تنجز أهدافها العاجلة، الهدف تلو الهدف، من خلال وجود طاقمها الحاكم وتحرُّكِ أبنائها معها. وهكذا تزيل العوائق شيئًا فشيئًا إلى أن يأتي وقت تكون قد تخلَّصت الأمة بواسطة الخلافة من الأعباء والأعداء معًا، فتتحرر بلدان المسلمين وتعود الأمور إلى طريق الجادة. فطريق الدولة هو العمل الدؤوب والبناء والارتقاء يومًا بعد يوم في حدود الإمكانيات والقدرات المتوفرة، فهي دولة بشرية مع أن دستورها إلهي.

ولذا لا نتخيل أن الخلافة ستهزم أمريكا من أول يوم تقوم فيه، ولن تهزم روسيا حال قيامها، ولكنها ستعمل على تطبيق دستورها، وبناء نفسها، وتحصين ثغورها، وحماية رعاياها ومائها وهوائها، وترتيب أوضاعها وصناعاتها وزراعتها وجيشها وإداراتها، وهذا كله سيكون عملها منذ عودتها. وسيشارك المسلمون حيثما كانوا بنشاط وفعالية في هذا الأمر. كيف لا، وهي دولتهم وعزُّهم ومجدهم.

وبمجرد قيام الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة وتفعيل دستورها في كل الاتجاهات والمجالات ستزول الأوهام والخرافات والتوقعات الخاطئة والأفهام المغلوطة التي يحملها بعض المشكِّكين فيها. ذلك لأن الناس ستلمس بنفسها مدى صدق الدولة ومواكبتها للتطورات في كل اتجاهات الحياة، ومدى تمسُّكها بدينها ودستورها، وتمسُّكها أيضًا بالسنن الكونية التي أوجدها الله للناس في هذه الحياة؛ لذلك لن تعيد الدولة الناس لعهد الخيول والسيوف؛ لأن عصرنا اليوم هو عصر الطيران والآلات والمركبات والفضاء والتكنولوجيا. ستكون دولة الخلافة عصرية؛ ولكن دستورها هو الإسلام.

رابعًا: أعداد المسلمين الهائلة اليوم التي قد تصل مجتمعة لقرابة ملياري مسلم، ثم انتشارهم ووجودهم في مختلف بلاد العالم وقاراته، كل هذا يجعل مجرد تصور وجود كل هؤلاء المسلمين في دولة واحدة وتحت حكم خليفة واحد أمرًا مستحيلًا أو شبه مستحيل؛ إذ كيف يمكن تحقيق ذلك؟ وكيف لرجل أن يقود ما يزيد عن ربع الكرة الأرضية من خلال حكم مركزي كما يقضي مفهوم الخلافة ونظام الإسلام الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم؟

وهنا نقول: القضية أنها دولة لها مركز (عاصمة واحدة) يتبعه ولايات، ولها دستور واحد. ولتخيل هذا الأمر واقعيًا نضرب مثال أمريكا: فهي مكونة من خمسين ولاية، والعاصمة هي واشنطن. وإذا نظرت إلى خريطة الولايات المتحدة الأمريكية تجدها 48 ولاية في نطاق واحد متصل، بينما تقع ولاية ألاسكا في الشمال الغربي من كندا، وتقع ولاية هاواي في المحيط الهادي. فما المانع من أن يكون للمسلمين دولة واحدة. وإن لم تكن الولايات كلها متصلة جغرافيًا بعضها مع بعض؟ ما المشكلة؟ إطلاقا لا يوجد أي مشكلة. بل على العكس فإن التقدم العلمي والتكنولوجيا تجعل لقاء الخليفة والمسؤولين معه بولاته أمرًا حدوثه يوميًا وبمكالمة سكايب واحدة أو باتصال تلفوني صوتًا وصورة، وهذا الأمر لم يكن متوفرًا ولا متاحًا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان يحكم أكثر من ثلاثين ولاية آنذاك.

خامسًا: الفارق شاسع فيما يتعلق بالأمور المدنية وأشكال الحياة بين زمن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة وزماننا الحالي الآن، فقد كانت الحياة بسيطة وميسورة ويستطيع نظام سياسي بسيط أن يسيرها، أما الآن فقد تغيَّرت أشكال الحياة والدول إضافة إلى وجود منظومات دولية وقانون دولي ومعاهدات فيصعب على نظام سياسي بسيط في معالمه أن يحكم جزءًا جغرافيًّا كبيرًا في هذا العالم. وتحكُّم الدول الكبرى المستعمرة بكل المفاصل الحيوية في العالم واقتسام مصالحه وخيراته وثرواته وإخضاعه مباشرة لسيطرتها أو بصورة غير مباشرة عبر منظمات وأحكام ومعاهدات وأحلاف تجعل من ظهور دولة إسلامية أو خلافة أو شخصية راشدة من الحكام أمرًا ضربًا من الخيال أيضًا.

وهنا نقول:

1- متى كانت الظروف الدولية مؤاتية وميسَّرة وسهلة لقيام دول جديدة مستقلة عموما؟ فهل كانت الظروف سهلة لقيام الدولة الإسلامية الأولى مع وجود عداء صريح من قريش ومشركي العرب وإمبراطوريتي فارس والروم آنذاك؟ أم هل كان نشوء أمريكا بالأمر السهل؟ ألم تكن بريطانيا وفرنسا تحتلَّان أمريكا فعليًا؟ وكم كلَّفت حروب الاستقلال في أمريكا حتى تمكن الأمريكان من تحرير بلادهم وطرد المحتلين؟ هذا هو الحال، فالعالم لا يسمح بتشكل دول مستقلة جديدة، سواء أكانت إسلامية أم غير إسلامية؟ الذي يحصل أن الشعوب هي من تفرض رغبتها وإرادتها على العالم، وعلى الدول أن تقبل بدولتهم الجديدة. فوجود رغبة قوية وإصرار عند شعب ما على تأسيس دولة له تجعل الدول مضطرة لتقبل رغبته عاجلًا أم آجلًا، هذا هو واقع الحال، وكما قال الشاعر:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة

              فلا بد أن يستجيب القدر.

2- كثرة الأعداء: فهناك مفهوم خاطئ عن كثرة أعداء الأمة وأن هذا أمر محبط. والحقيقة عكس ذلك تمامًا، فكثرة الأعداء عادة تيسِّر العمل وتسهِّله ولا تعقِّده، وكثرة الأعداء تجعلهم يعيقون بعضهم بعضًا، ويعطي العاملين وقتًا أطول لتثبيت وتقوية الدولة الجديدة. فالأعداء متَّفقون على إطفاء كلمة الله ولكنهم يختلفون على من منهم سيكون الوارث للدولة التي يراد هدمها، ومن سيكون المسيطر على ثرواتها وخيراتها، ولذلك تجدهم يُعيقون بعضهم بعضًا في هدم الدولة الناشئة. ومثال واضح على هذا الأمر: الدولة العثمانية في آخر عهدها كانت تسمى بالرجل المريض وكانت روسيا وحدها قادرة على هدمها وكذلك بريطانيا، إلا أن صراع هذين العدوَّين فيما بينهما للاستيلاء على الدولة العثمانية وخيراتها جعلهما يُعيقان بعضهما بعضًا في هدمها، فتأخَّر هدم الدولة العثمانية أكثر من خمسين عامًا بسبب هذا التنافس والتسابق بين الدولتين للسيطرة على إرث الدولة العثمانية وممتلكاتها بعد الهدم. وهذا الأمر يبيِّن كيف أن كثرة الأعداء تكون في صالح الدولة الناشئة وفي صالح الشعب المؤسس، إذا عرفت الدولة كيف تستفيد من خلافاتهم وتوقع بينهم. والدولة العثمانية نفسها عندما أسَّسها العثمانيون فقد تنافس على عدائها ومنع نشوئها البيزنطيون الشرقيون والرومان الغربيون والمغول، وحتى الخونة من بقايا الدولة السلجوقية، والخونة من الأتراك الذي وقفوا حينها في صف العدو ضد أمتهم، فكان الأعداء يُعيق بعضهم بعضًا… وهكذا يتبيَّن كيف أن كثرة الأعداء أمر ليس بالسلبي إطلاقًا.

ولقد حاول السلطان العثماني عبد الحميد رحمه الله الاستفادة من كثرة أعداء دولته بتشجيع قيام حرب عالمية بينهم؛ إذ كان يريد أن ينأى بالدولة العثمانية عن هذه الحرب ليتقوَّى من جانب وليضعف أعداءه من جانب آخر. إلا أن الخائن اليهودي مصطفى كمال أفشل مخططات السلطان فورّط تركيا في الحرب العالمية الأولى لتسقط الدولة سقوطًا مدويًّا بعد ذلك.

3- الفرق التكنولوجي والعلمي الكبير بين الدول الغربية والدولة الجديدة الناشئة؛ إذ كيف لدولة جديدة ناشئة، وإن كان اسمها الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة أن تصمد أمام عدو مدجَّج بالعلم والتكنولوجيا الحربية وبالمال والخبراء؟

وهنا نقول: هل مرَّ في التاريخ شعب مشتَّت أو ممزَّق يمتلك علومًا وتكنولوجيا؟ وهل وجد في التاريخ شعب مشتَّت ومشرذم ويمتلك مدنية وازدهارًا وتطورًا مدنيا؟ والجواب قطعًا لا، فالدول المستقلة هي التي تقوم بذلك وليس التجزئة والتشتُّت والتمزُّق في دويلات كرتونية واهنة كأمثال البلاد الإسلامية عمومًا. وهنا لا بد من توضيح الأمور التالية:

– إن الدولة الناشئة هي دولة مستقلة: فالعلم والتكنولوجيا والسلاح والتقنية هي بحاجة قبل كل شيء لقرار سياسي مستقلٍّ. وهذا هو السبيل للحصول على العلوم والتكنولوجيا؛ لأن عدم وجود دولة مستقلة معناه عدم وجود علوم وعدم التمكن من الحصول على تكنولوجيا حربية أو اقتصادية أو فضائية؛ ولذا فإن غياب الدولة المستقلة هو الذي يعني الضعف والتخلف وليس بناءها وإنشاءَها واستئنافها.

–   كلفتة تاريخية، كيف كان حال العرب قبل الإسلام؟ ثم كيف أصبح تاريخهم مدويًّا باهرًا متألقًا، فأسَّس معظم العلوم والتكنولوجيا لقرون عدة؛ حتى إن كثيرًا من البحوث تثبت فيما لا شك فيه أن الإنجازات التكنولوجية الموجودة اليوم تعتمد حتى الآن على الأساسات والقواعد العلمية التي وضعها علماء المسلمين منذ قرون مضت في الرياضيات والطب والفلك والطيران وغيرها…

سادسًا: لقد قامت ثورات عربية ضخمة وفشلت، ومن ثم تمكَّن أعداء الأمة من السيطرة على الشعوب من جديد. والآن أصبح الأمر أكثر تعقيدًا مما كان عليه الأمر قبل الثورات، وإن أي ثورة جديدة ستفشل وستؤدي إلى دمار حتى ما ندعوه دولًا كرتونية، انظر لتونس، ليبيا، اليمن، مصر وسوريا.

وهنا نقول: إن جواب هذه النقطة يضطرنا لتبيان موضوع مهم ألا وهو موضوع الضمانة، ليست الضمانة لنجاح ثورة أو تغيير ما فحسب، وإنما ضمان قيام دولة الإسلام، وضمان استمرار هذه الدولة التي يراد إنشاؤها أو تأسيسها أو استئنافها، فكثيرًا ما يطرح موضوع الضمانة، ضمانة نجاح أي عمل وضمان استمرار نجاحه أو دوام عمله بالشكل المرجو منه. وللأمانة فنحن المسلمون اليوم قد مللنا الحلول السريعة غير الفعَّالة وقصيرة الأثر. إننا نتوق لحياة صحيحة ومنظَّمة ودولة راعية مسؤولة وحاكم ونظام ييسر ويهون مسؤوليات الحياة علينا، ويحقق لنا نوال رضوان الله وإنجاز التكاليف التي أمرنا الله بتحقيقها مهما كانت.

لقد جعل الله سبحانه وتعالى لكل أمر طلبه منا كيفية لتحقيقه. فمثلًا طلب منا الصلاة وبيَّن لنا كيفية أدائها، من حركات وركوع وسجود وتشهد وتسليم… وطلب منا الصيام وبين كيفية القيام به، فبيَّن شهره ووقته إفطارًا وإمساكًا، ومحظوراته، وطلب منا الحج وبيَّن وفصَّل في أحكامه من سعي وطواف ووقوف عرفة…إلخ. كما طلب الشرع أن يكون للمسلمين دولة خلافة وبيَّن طريقة إيجادها إذا تم هدمها، وبيَّن طريقة توسيعها إن كانت موجودة، وبيّن شكل الحكم وقواعده وأجهزة الدولة وصلاحياتها … وهذه الكيفيات والطرق التي وضعها الشرع لتحقيق مطالبه، من شأنها أن تجعل العمل صحيحًا إذا وضُحت، وتجعل الوصول للهدف مضمونًا؛ من منطلق أن على المسلم الطاعة، أما النتائج فهي على الله سبحانه العليم الخبير.

وهكذا فإن الله طلب تطبيق الشرع في حياتنا وبيَّن طريقة تطبيق هذا الشرع وهي دولة الخلافة، فوجود الخلافة هو الضمانة لتطبيق الشرع، وتطبيق الشرع يعني حلَّ مشاكلنا وتبني قضايانا بصورة صحيحة وعملية. إذًا فالخلافة هي الطريقة المضمونة لتطبيق الشرع، وتطبيق الشرع هو الضمانة لتحقيق العبودية لله ورعاية مصالح المسلمين وهداية غير المسلمين. فالخلافة هي الضمانة وهي الحاضنة وهي الطريقة الوحيدة لتطبيق الإسلام.

والذي يضمن أن تقوم الخلافة بتطبيق الإسلام علينا والذي يضمن استمرار هذا التطبيق برشاد وإتقان هو دستور دولة الخلافة، فالخلافة ليست مجرد كلمة أو راية دون مضمون، بل هي دولة لها دستور في شكل مجموعة متميزة من الأحكام الشرعية المنبثقة من القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس الشرعي، وتطبيق الدستور هو الذي يجعل الدولة دولة خلافة ويجعل الحكام خلفاء. وبهذا تكون الضمانة لكون الدولة خلافة على منهاج النبوة، ويكون الحكم لله، قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨).

ومن الجدير ذكره أنه لا يوجد ضمانة أكبر وأعظم وأهم بعد الله وشرعه. وتقوى الحاكم من يقظة الأمة. فالأمة اليقِظة لا تترك سلطانها ودولتها وخليفتها دون مراقبة ومحاسبة ونصيحة ومشورة. وخير دليل على ذلك أن خطاب الله في القرآن لم يوجَّه للدولة ولا للخليفة وإنما الخطاب موجَّه للأمة الإسلامية جمعاء، فالله عز وجل عندما يطلب شيئًا أو يأمر أمرًا أو ينهى عن شيء فإنه يقول (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) ولا يقول يا أيها الخليفة، أو يا أيها السلطان، أو يا أيها الحاكم، أو يا أيها الأمير… وهذا له دلالته الشرعية، وهي أن هذا الأمر وهذا الدين هو أمركم ودينكم، وهو مسؤوليتكم أنتم أولًا وأخيرًا أيها المؤمنون، وأن هذه الدولة دولتكم، وأنكم أيها المؤمنون أنتم جميعًا المسؤولون عنها وليس القائمون على الدولة فقط، فالدولة يبنيها المؤمنون، والخليفة ينيبه وينصِّبه المؤمنون، بل إن كل شيء يخصُّ عمل الخليفة في رعاية الأمة الإسلامية هو جزء من مسؤوليات الأمة الإسلامية في المقام الأول؛ ولذا فإن مسؤولية محاسبة الدولة وتقويمها وتقويم خليفتها ومراقبة دوام تطبيقه وولاته وعماله للإسلام هي وظيفة الأمة بكافة مقوماتها من علماء ووجهاء وتجَّار ومفكرين وخطباء وأحزاب وأساتذة ومثقفين… وبهذا تكون الضمانة العملية موجودة دومًا في الدولة، وليس فقط في جهازها وحكَّامها وعمَّالها، وإنما في صاحبة الشأن الأول وصاحبة السلطان، ألا وهي الأمة الإسلامية. فما الدولة إلا نتاج إنابة الأمة لأحد أفرادها عنها في تطبيق الإسلام عليها، وليس معنى ذلك أبدًا أن تختاره ثم تتركه يحكم دون رقيب ولا حسيب ولا نصيحة ولا مشورة ولا حساب.

والشيء بالشيء يذكر، فإن هذه المراقبة والمحاسبة لها ضوابطها الشرعية التي بيَّنها الشرع وفصَّلها، فلا يجوز للأمة أن تنتهك حقًّا من حقوق الحاكم، ولا يجوز للحاكم أن يتعدَّى على حق من حقوق الأمة، ويكون القضاء هو الفيصل في أي خلاف يحدث بين الأمة وخليفتها أو أحد ولاته أو عماله. فالله تعالى يقول: ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩).

ولكي تقوم هذه الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة لا بد من طريقة بيَّنها الشرع لإقامتها إن هي هدمت. ولقد بيَّن حزب التحرير هذه الطريقة الشرعية مشفوعة بأدلتها الشرعية، ودعا ولا يزال يدعو المسلمين كي يعملوا معه لإقامتها، فما على المسلم العاقل إلا أن يقرأ ويسأل وسيرى وضوح هذا الطريق، فيكفي للمسلم المخلص لدينه وأمته أن يقرأ الدستور الذي تبناه الحزب؛ ليكون بإذن الله دستور دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. (قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ١٠٨).

أيها المسلمون المؤمنون:

إن هذه الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة ستكون مثيلة الخلافة الراشدة الأولى على منهاج النبوة بإذن الله، وستكون سلطانكم وعزكم ومجدكم ورفعتكم وطريقكم لرضوان الله وحمل رسالته في العالمين، وستصان بها بيضة الإسلام وحماه، وتصان أنفسكم وأعراضكم وأموالكم، وبها ترتقون من عزٍّ إلى عزٍّ، فالخلافة رحمة مهداة جاء بها خير البشر لتهوِّن علينا أمور ديننا ودنيانا. (لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٢٨ )… فاللهم هيئ ويسر لنا استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وبارك لنا في عملنا هذا على الطريق الذي تبنَّاه حزب التحرير لإقامتها، وباركْ في السائرين فيه، واهدِ أمة محمد لمؤازرة هذا العمل الجليل. قال الله عزَّ وجلَّ: (وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ).

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *