العدد 425 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الثاني 1443هـ الموافق كانون الثاني 2022م

بين مؤسسات التصنيف الائتماني والمؤسسات المالية العالمية، نفق نحو الهيمنة السياسية.

 

أ. علي السعيدي – تونس

1 – وكالات التصنيف الائتماني:

في يومنا الحالي يوجد العديد من الوكالات والمؤسسات التي تقدّم خدمة التصنيف الائتماني، إلا أنّ أشهرها مؤسسات أمريكية ثلاثة، هي: «موديز» و»ستاندر آند بورز» و» فيتش»، وواحدة صينية هي «داغونغ»، فبينما حصلت الوكالة الصينية على بعض الاعتراف من الدول الغربية مؤخرًا، فإن المؤسسات الأمريكية الثلاث ما زالت تواصل هيمنتها على سوق التصنيفات الائتمانية في العالم.

أُطلق على هذا الثلاثيّ لقب «الثلاث الكبار» لأنّ هذه الشركات تمثلّ 94% من حجم التداول في هذا القطاع، ويستخدم المستثمرون التصنيفات الائتمانية السيادية كوسيلة لتقييم المخاطر.

* مؤسسة موديز وهي شركة قابضة، أسسها جون مودي في عام 1909م، وتملك خدمة موديز للمستثمرين والتي تقوم بالأبحاث الاقتصادية والتحليلات المالية وتقييم مؤسسات خاصة وحكومية من حيث القوة المالية والائتمانية، وتسيطر مؤسسة موديز على ما يقارب 40% من سوق تقييم القدرة الائتمانية في العالم.

* وكالة فيتش أو مؤسسة فيتش الدولية للتصنيف الائتماني، وهي شركة فرعية مملوكة بالكامل لشركة هيرست، في 12 أبريل 2012م قامت هيرست بزيادة حصتها في مجموعة فيتش إلى 50٪ ، وقد تأسست الشركة من قبل جون نولز فيتش في 24 ديسمبر 1913م في مدينة نيويورك باسم شركة فيتش النشر.

* ستاندرد آند بورز: وهي شركة خدمات مالية ومقرها في الولايات المتحدة. وهي فرع لشركات مكغرو هيل التي تنشر البحوث والتحليلات المالية عن الأسهم والسندات.

 تسيطر كلٌّ من «موديز» و»ستاندر آند بورز» على أكثر من 80% من سوق تصنيفات إصدارات الديون حول العالم، سواء للدول والحكومات والبلديات المحلية والشركات، فيما تسيطر «فيتش» على نسبة أقلّ نسبيًا تصل ما بين 10% و15% مقارنة بالشركتين الأخريين. وبشكل عام، فإنّ الشركات الأمريكية الثلاث تسيطر على ما يراوح بين 90% و95% من سوق إصدار الديون والتقييمات على مستوى العالم.

وتاريخيًا، ترجع سيطرة الشركات الائتمانية الأمريكية على سوق إصدارات الديون العالمية إلى عام 1975م، وتحديدًا بعد إصدار «هيئة الأوراق المالية الأمريكية» قرارًا يقضي باعتبار هذه الشركات الثلاث مزوّدًا معتمدًا لتقديم خدمة التصنيف الائتماني للأفراد والصناديق الاستثمارية التي ترغب في الاستثمار بسندات حكومية وأسهم ذات تصنيف عالٍ، ومع مرور الوقت تمكّنت هذه المؤسسات من احتكار سوق الدّين الحكومي والخاص، الأمر الذي منحها نفوذًا كبيرًا، ليس داخل أمريكا وحسب، بل على مستوى العالم أجمع.

*طريقة عملها:

تسعى الدول، إلى جانب كبرى المؤسسات الحكومية أو الخاصة، إلى الحصول على تقييمات مرتفعة تخوّلها الحصول على ديون وقروض بسعر فائدة منخفضة مقارنة بنظيرتها الحاصلة على تقييمات منخفضة؛ ولهذا، تمنح مؤسسات التصنيف تقييمات وعلامات معينة توضّح مدى أهلية الدول أو الشركات للحصول على قروض فضلًا على قدرتها على التسديد والالتزام بتعهداتها الأخرى المترتبة عليها. تتغيّر التصنيفات من عام إلى آخر وفق معايير عدة، أهمّها: موازنة الدولة والعجز التجاري ونمو الاقتصاد والناتج المحلي، فضلًا عن معدّلات البطالة والتضخّم ووضع الديون الخارجية واستقلالية البنك المركزي وغيرها.

* مؤسسات التصنيف الائتماني، بين التقييمات الاقتصادية والتلاعبات السياسية والهيمنة الدولية:

يرى كثيرون أنّ هذه المؤسسات ما هي إلا أداة بيد الحكومة الأمريكية، تستخدمها من أجل إلحاق ضرر اقتصادي بدول معينة من وقت لآخر، فضلاً عن محاولاتها التأثير سلبًا على نمو الشركات الكبرى المنافسة للشركات الأمريكية.لقد نشأت «الثلاث الكبار»من رحم النظام الرأسمالي وكانت تعبيرًا من تعبيراته ومؤشرًا على تعافي الاقتصاد لدولة من الدول أو تهاويه بناءً على مؤشرات ورموز تُسند وفق معايير، فما مدى مصداقية هذه المعايير والمؤشرات؟ وهل يمكن أن تكون في خدمة الهيمنة السياسية وأداة من أدواتها؟

إن أمريكا، الدولة الأولى في العالم، تخوض حربين بالتزامن، حربًا عسكرية، السلاح وقودها، وحربًا اقتصادية، حيث  تمثل مؤسسات التصنيف الائتماني وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أدواتها الفاعلة وأسلحتها المدمرة. فالمهمة الأساسية المنوطة بمؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، التي تعتبر نفسها شركات خاصة «مستقلة»، هي إصدار تقييمات الجدارة الائتمانية لوصف مدى قدرة دولة أو شركة معينة على سداد ديونها وقابلية الاستثمار بها، الأمر الذي ينعكس إيجابًا أو سلبًا على جلب استثمارات خارجية فضلًا عن كلفة استدانتها داخليًا وخارجيًا.

ولذلك، فإنّ التقييمات التي تصدرها هذه المؤسسات، الأمريكية الأصل والمنشأ، تشكل نوعًا من الضغوط الاقتصادية على الدول التي تستهدفها الولايات المتحدة الأمريكية وترغب بإخضاعها والسيطرة عليها أو تدميرها. ولكون الولايات المتحدة البلد المهيمن على الاقتصاد العالمي وحركة الأموال والاستثمارات، فإنّ لأيّ تقييم سلبي من طرف هذه المؤسسات القدرة على إلحاق ضرر بالغ على الدولة وشركاتها الكبرى من خلال تعسير الاقتراض والدفع بالتدفقات المالية والاستثمارية للخروج من الدول المستهدفة؛ ولهذا فإن لأمريكا القدرة على توظيف هذه المؤسسات لتجعل تقاريرها متماشية مع سياساتها في الهيمنة والتوسع وضرب الخصوم والأمثلة على عدم نزاهة هذه التقارير وعدم مطابقتها للواقع كثيرة مما أدى باقتصادات دول إلى الانهيار؛ وهذا يعطي فسحة ومجالًا للتدخل وبسط النفوذ في مرحلة ثانية بجملة من الإجراءات عبر أذرع الدول الاستعمارية من مثل صندوق النقد والبنك الدوليين وشركاته العابرة للحدود.

2 – المؤسسات المالية الدولية:

هي منظمات حكومية دولية دائمة، ذات إرادة ذاتية وشخصية قانونية مستقلة، تنشئها مجموعة من الدول بقصد تحقيق أهداف مشتركة، يحدّدها ويبين كيفية الوصول إليها الاتفاق المنشىء للمؤسسة. وتهدف هذه المؤسسات – التي أُنشىء معظمها بعد الحرب العالمية الثانية – إلى تمويل المشروعات الحكومية والخاصة، وتشجيع الاستثمارات الدولية وتسهيل تدفق رؤوس الأموال وتأمين حرية انتقالها وتثبيت سعر الصرف وتحقيق التوازن في ميزان المدفوعات. وهناك حاليًا عدد كبير من المؤسسات المالية الدولية، سواء على الصعيد الإقليمي (كالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، وصندوق النقد العربي، ومصرف التنمية للدول الأمريكية، والمصرف الإسلامي)، أما على الصعيد الدولي، فمن أهمها:

ـ برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) المؤسس عام 1966م بهدف تقديم المساعدات الفنية والمالية للدول النامية لتطوير مشروعاتها في مجال الاستثمارات.

ـ منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO)

ـ الصندوق الدولي للتنمية الزراعية.

ـ صندوق النقد الدولي (FMI) ومقره واشنطن.

ـ البنك الدولي: مقره واشنطن أيضًا، ومن مؤسساته: المصرف الدولي للإنشاء والتعمير، مؤسسة التمويل الدولية، مؤسسة التنمية الدولية، المركز الدولي لتسوية المنازعات الاستشارية، وكالة ضمان الاستثمار متعدد

الأطراف.                                              

أ- نادي باريس:  هو مجموعة غير رسمية مكونة من مسؤولين ماليين مموّلين من 19 دولة تعد من أكبر الاقتصادات في العالم وهي: أستراليا والنمسا وبلجيكا وكندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإيرلندا وإيطاليا وكوريا الجنوبية واليابان وهولندا والنرويج وروسيا وإسبانيا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وانضمت لهم مؤخرًا عام 2014م (إسرائيل) لتصبح المجموعة مكونة من 20 دولة.

وهي مجموعة تقدم خدمات مالية مثل إعادة جدولة الديون للدول المدينة بدلًا من إعلان إفلاسها، أو تخفيف عبء الديون بتخفيض الفائدة عليها، وإلغاء الديون بين الدول المثقلة بالديون ودائنيها. الدول المدينة غالبًا ما يتم التوصية بها أو تسجيلها في النادي عن طريق صندوق النقد الدولي بعد أن تكون الحلول البديلة لتسديد ديون تلك الدول قد فشلت.

* بين الهدف المعلن والهدف الحقيقي:

تسعى الدول الأعضاء في نادي باريس إلى إيجاد حلول ملائمة للصعوبات التي تواجهها الدول المدينة في سداد ديونها. وتتفق الدول الدائنة الأعضاء في النادي على تغيير أساليب سداد الديون المستحقة لهم. ويجتمع النادي بالدول المدينة التي تحتاج إلى دين عاجل والتي نفذت والتزمت بتنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحسين وضعها الاقتصادي والمالي. وهذا يعني من الناحية العملية ضرورة أن يكون للدولة المدينة برنامج مع صندوق النقد الدولي مدعوم باتفاق مشروط. بمعنى أن نادي باريس يشرف كما يشرف صندوق النقد الدولي على أن تسير الدولة المتداينة وفق خطة وشروط موضوعة مسبقًا من قبل الجهات المانحة لضمان تحصيل مستحقاتها مع فرض أجندة اقتصادية وسياسية ملزمة تجعل من الدول الضعيفة تدور في فلك هذه القوى وتسير وفق خارطة طريق لا تقوى على مغادرتها موضوعة على مقاس صاحب المال المانح. بهذا الإخضاع ترتهن الدول عمليًّا وتدريجيًّا، شيئًا فشيئًا، بمزيد من التهاوي الاقتصادي والعجز في موازناتها نتيجة الشروط المملاة من قبل هذا النادي ليتم المرور للإخضاع السياسي حتى تصبح الدول مكبلة باتفاقيات رهيبة وتدخل في دوامة التداين لسد ديون سابقة أو فوائض ديون لا تنتهي وتصبح تلك هي سياسة الدولة ويتواصل الغرق بالانكماش الاقتصادي وتدهور العملة والتضخم والمديونية…

ب- صندوق النقد الدولي والبنك الدولي:

تبلورت فكرة إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مؤتمر دولي عقد في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية في يوليو 1944م، بعد الحرب العالمية الثانية. وكان هدف المشاركين في المؤتمر هو وضع إطار للتعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي من شأنه أن يرسي اقتصادًا عالميًّا أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولا يزال هذا الهدف محوريًّا بالنسبة للمؤسستين؛ لكن العمل الذي تقومان به يشهد تطورًا مستمرًّا لمواكبة المستجدات والتحديات الاقتصادية.

* مهمة الصندوق: يعمل الصندوق على تشجيع التعاون النقدي الدولي، ويقدم المشورة بشأن السياسة الاقتصادية والدعم في مجال تنمية القدرات لمعاونة البلدان الأعضاء على بناء اقتصادات قوية والحفاظ عليها. كذلك يقدم الصندوق قروضًا للبلدان الأعضاء ويساعدها على وضع برامج لسياساتها الاقتصادية بغية حل مشكلات ميزان المدفوعات حين يتعذر عليها الحصول على التمويل الكافي بشروط معقولة لتغطية مدفوعاتها الدولية الصافية. ويقدم الصندوق قروضًا قصيرة الأجل ومتوسطة الأجل تموَّل في الأساس من مجموع المساهمات التي تدفعها البلدان الأعضاء في شكل اشتراكات للعضوية. ومعظم موظفي الصندوق من الاقتصاديين الذين يتمتعون بخبرة واسعة في السياسات المالية والاقتصادية الكلية.

* مهمة البنك الدولي: يعمل البنك الدولي على تشجيع التنمية الاقتصادية طويلة الأجل والحد من الفقر من خلال توفير الدعم الفني والمالي لمساعدة البلدان الأعضاء على إصلاح قطاعات معينة أو تنفيذ مشروعات محددة – مثل بناء المدارس والمراكز الصحية وتوفير المياه والكهرباء ومكافحة الأمراض وحماية البيئة. والمساعدات التي يقدمها البنك الدولي هي مساعدات طويلة الأجل بصفة عامة، وتموَّل من مساهمات البلدان الأعضاء ومن خلال إصدار السندات. وأغلب موظفي البنك الدولي من المتخصصين في قضايا أو قطاعات أو تقنيات معينة.

– الفرق بين نادي باريس وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي:

بصفته مجموعة غير رسمية، فليس للنادي أي قوانين تشريعية، الأمر الذي يمنح الدول الدائنة الأعضاء مرونة في مواجهة المواقف الخاصة لكل دولة مدينة تواجه صعوبات في سداد ديونها. ومع ذلك فقد وضعت الدول الدائنة عددًا من القواعد والمبادئ المفيدة لتأمين أي اتفاق يتم إبرامه بين الدول الدائنة من ناحية والدول المدينة من ناحية أخرى، وهذه القواعد والمبادئ مقبولة من قبل كافة الأطراف وتشمل اتخاذ القرارات لكل حالة على حدة. ولعل هذا يشكل اختلافًا بسيطًا وفرقًا بينها وبين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تعتمد وصفات جاهزة وقوانين ثابتة لا مرونة فيها؛ لكن عمومًا يبقى هذا وذاك وجهين لقبح واحد هو قبح الاستعمار الذي يتدخل بعناوين براقة جميلة بحجة تقديم يد العون والمساعدة؛ لكنها خادعة لأنها تخفي رغبة في التحكم والهيمنة والإخضاع، وهذا ما يكون عادة خاتمة لكل تعاون مع هذه الأقطاب الاستعمارية. ولقد أثبتت النتائج التي آلت إليها حال الدول التي تدخلت فيها هذه الصناديق والنوادي كارثيتها فتقريبًا لا وجود لحالة تعافي واحدة جراء ما يزعمونه من تقديم مساعدات، فما من بلد تعامل معها إلا وزادت مديونيته وغرق اقتصاده وتفاقم الوضع السيئ فيه وبلغ درجة الشلل الاقتصادي التام.

ج- منظمة التجارة العالمية  (WTO)‏: هي منظمة عالمية مقرها مدينة جنيف في سويسرا، مهمتها الأساسية هي ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية. وهي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول. تضم منظمة التجارة العالمية 164 دولة عضوًا إضافةً إلى 20 دولة مراقبة.

د- مجموعة العشرين: هي مُنتدى دولي يجمع الحكومات ومُحافظي البنوك المركزية من 19 دولة والاتحاد الأوروبي. تأسست المـُنظمة سنة 1999م؛ وذلك بهدف مُناقشة السياسات الـمُتعلقة بتعزيز الاستقرار المالي الدولي، وأيضًا مُعالجة القضايا التي تتجاوز مسؤوليات أي شخص. وسَّعت مجموعة العشرين جدول أعمالها مُنذ عام 2008م؛ حيث أصبح يُشارك في قممها رؤساء الحكومات أو رؤساء الدول، فضلًا عن وزراء المالية ووزراء الخارجية ومراكز الفكر.

يُمثل الاتحاد الأوروبي في قمم المجموعة كُل من المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي،تُمثل اقتصادات الدول الأعضاء في مجموعة العشرين مُجتمعة حوالي 90٪ من إجمالي الناتج العالمي،[5] و80٪ من التجارة العالمية، أو 75٪ في حالة عدم احتساب التجارة البينية في الاتحاد الأوروبي، وثُلثي سكان العالم،[2] وحوالى نصف مساحة اليابسة في العالم.

3- جميع هذه المؤسسات في خدمة النظام العالمي وبسط الهيمنة الاستعمارية:

يأخذ عدد من المُفكّرين والباحثين على البنك وصندوق النقد الدوليين أنهما يعملان لخدمة «النظام العالمي الجديد» و«الشركات عابرة القوميات» ويعتبر الكاتب الأميركي نعوم تشومسكي أن هذه الشركات هي أحد أبرز دوائر النفوذ التي تتحكّم في هذا النظام العالمي وتعمل عليه.

ويعتبر بعض المُراقبين أن البنك الدولي وصندوق النقد هما أبرز أدوات هذا النظام حيث يقومان بإقراض الدول الفقيرة بقصد التنمية بينما تقوم هاتان المؤسّستان بتطبيق الشروط الخاصّة بها والتي عادةً ما تكون ضدّ مصلحة الدول الفقيرة. فهاتان المؤسّستان تقومان بإقراض الدول الصغيرة بما يُساعد حكومات الدول الكبرى (الولايات المتحدة الأميركية غالبًا) على التدخّل اقتصاديًا في هذه الدولة، عبر استثمارات وجماعات ضغط تجعل من هذه الدول تابعة لها.

ويُشير بعض الاقتصاديين إلى أن مُعدّل البطالة والفقر في الدول التي اقترضت من البنك الدولي ومن صندوق النقد الدولي يتزايد مع تزايد الديون، وبالتالي تتزايد نسبة تبعيتها لمالكي هاتين المؤسّستين. وباتّفاق ضمني بين مدراء المؤسّستين لا تخرج هذه الدول عن التبعية لأوروبا والولايات المتحدة، كما يؤكّد المُستشار السابق في البنك الدولي، جوزيف ستيغليتز.

ويضرب الاقتصادي ميشيل تشوسودوفيسكي أمثلة عدّة على هذه الحالات، منها الصومال؛ حيث قام البنك الدولي وصندوق النقد بإقراض الصومال، وإرغامه على اتّباع نمط اقتصادي مُعيّن جعل البنك والصندوق يتدخّلان مباشرة في سياساته الاقتصادية.

إن الدول العظمى قد آلت إليها السيطرة والهيمنة على كل دول العالم بطرق شتى وربطتها بها برباط وثيق كالحبل السري عن طريقه تؤول كل خيرات البلدان إليها وتستنزفها استنزافًا، ومن هذه الطرق:

– التبعية السياسية وتنصيب العملاء من الحكام ومن هم في دوائر القرار، والتي من شأنها أن تجعل البلد وكل مقدراته رهن الاستعمار.

– التبعية الاقتصادية التي تربط اقتصادات الدول الضعيفة باقتصادات الدول المهيمنة ارتباط الخادم بالسيد، وهنا يقع تحريك الشركات ورؤوس الأموال لتستنزف دون عوائق قانونية ولا حواجز جمركية ثم فتح الحدود أمام السلع والبضائع تحت مسمى المنافسة وما هي في الحقيقة إلا تدمير ممنهج للنسيج الاقتصادي المحلي لفائدة المستعمرين وتحويل البلاد لسوق عرض للمنتجات الأجنبية دون حسيب ولا رقيب.

– التدخل السافر للصناديق الاستعمارية والنوادي المالية والتنسيق الرهيب فيما بينها وبين مؤسسات التصنيف الائتماني لخدمة المشاريع السياسية ذات الطابع الاستعماري، والتي تكون عادة مرفوقة بشروط مجحفة لا تستطيع الدول الكرتونية أن ترفضها بسبب تولي الرويبضات الشأن فيها.

إن التعامل مع حيتان المال وصناديق النهب ليس قدرًا إلا على الجبناء الذين لا يقوَون على التغيير، وإن المستجير بهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، ينتهي به المطاف حرقًا وموتًا.

لقد شكل النظام الرأسمالي مرض العصر، وهو مرض فتَّاك لا شفاء منه لكل من اتخذه منهج حياة، وكل دول العالم اكتوت بنيرانه. أما جرائمه فقد بلغت عنان السماء حتى في عقر داره؛ لكن الشفاء منه ممكن لمن أخذ القرار بقلعه من جذوره وفك الارتباط به وبكل أذرعه، وعوّل على منهج آخر لا يأتيه الباطل، منهج حياة منبثق من وحي، كل غايته إسعاد البشرية والارتقاء بها من مراتب الحيوانية إلى مراتب السنا والرقي والرفعة، في أحضان قوانين وتشريعات رب العالمين، تطبقها دولة العدل والخير، دولة الخلافة على منهاج النبوة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *