العدد 424 - السنة السادسة والثلاثون، جمادى الأولى 1443هـ الموافق كانون الأول 2021م

قراءة جيوستراتيجية في بذور وجذور تغلغل النفوذ البريطاني في بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه (1)

مناجي محمد

إن مسألة النفوذ الأجنبي وما يتولَّد عنها من تبعية وعمالة مسألة بالغة التعقيد والتركيب؛ لأنها تستوجب معلومات غاية في الحساسية والخفاء، ومتعلقة بدوائر الحكم الضيِّقة وغرفه وزواياه المظلمة، ودقة متناهية في رصد الأحداث والوقائع والتصرفات لتمييز طبيعة التبعية، ومنها العمالة ووجهتها. إن مسألة النفوذ الأجنبي وما يستتبعها من تبعية وعمالة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسياسة الدولية وبهيكل العلاقات الدولية، ومن ثم بالموقف الدولي ودوله الكبرى الفاعلة فيه ودولته الأولى صاحبة الفعل المؤثر والقرار النهائي في العلاقات الدولية والسياسة الدولية. وينبغي أن يكون مدرَكًا أن التحكم في العالم على مرِّ التاريخ هو للدول الكبرى، ولا سيما الدولة الأولى، وأن أي تحوُّل في ميزان القوى للدول الكبرى هو المؤثر والفاعل في تحوُّل وتبدُّل وتغيُّر الموقف الدولي والعلاقات الدولية والسياسة الدولية، ثم الانعكاسات والآثار المترتبة على وجهة الدول الوظيفية تبعيةً وعمالةً. وعليه فلا بد من إدراك هذا كله إدراكًا متطورًا متفاعلًا مع التحولات الطارئة والتغيرات في الموقف الدولي والساحة الدولية؛ حتى يتسنَّى فهم السياسة الدولية وتبعاتها المشؤومة في صناعة الدول الوظيفية للكافر المستعمر والعملاء الخونة في بلاد المسلمين.

بدأ القرن الثامن عشر وقد دار الزمان دورته، ودبَّ الضعف في كيان الأمة الاستراتيجي، خلافتها، واعترى التفكك والتشرذم جسم الدولة، وبات الانحطاط سيد الموقف حتى شُلَّت حركتها الفكرية المنتجة بالكامل؛ فاستفحلت واستعصت مشاكلها. ثم كان الانقلاب الصناعي في أوروبا الذي أحدث انقلابًا في ميزان القوى، ثم اعتناق الأوروبيين لمبدئهم الرأسمالي الاستعماري المشؤوم؛ فأصبحت دولة الإسلام هدفًا للتدمير، واستئصال الإسلام غاية استراتيجية، وبلاد المسلمين وثرواتهم مطمع الطامعين. ثم كان القرن التاسع عشر عصر الاستعمار الأوروبي بامتياز، فأخذت دول أوروبا الكافرة تغتصب بلاد المسلمين قطعة قطعة، فبدأ الجزر الإسلامي بعد ذلك المد المجيد العظيم.

وقراءتنا هذه معنيَّة برصد النفوذ الأجنبي في غرب البلاد الإسلامية مع توسع في الحالة المغربية، ولما كان القرن التاسع عشر هو عصر الاستعمار الأوروبي، فهو إذن بداية التاريخ المفصلي لقراءة وفهم الموقف الدولي والسياسة الدولية المتعلقة بغرب البلاد الإسلامية، إنه كان زمن زرع وغرس بذور وجذور النفوذ البريطاني في غرب البلاد الإسلامية.

أهمية البحر الأبيض المتوسط في سياسة بريطانيا الاستعمارية:

لطالما كان البحر الأبيض المتوسط واحدًا من أكثر النقاط الجيوستراتيجية أهمية في تاريخ الحضارات والأمم، والذي استجدَّ مع الاستعمار الأوروبي أنه أضحى أخطر ممر مائي لقوات استعماره وتجارة نهبه، فأضحى من أكبر الأهداف الاستراتيجية لدول أوروبا الاستعمارية، بحر يربط بين القارات الثلاث أوروبا وأفريقيا وآسيا، محكم الإغلاق بأقفال مضايقه وقنواته، يتصل بالمحيط الأطلسي عن طريق مضيق جبل طارق، ويتصل بالبحر الأسود عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، ويتصل بالبحر الأحمر عن طريق مصر ومن بعد قناة السويس، وتشكل هذه المضايق شبه عنق زجاجة، فهي أقفاله ونقاطه الخانقة التي تحدُّ من ملاحته، بل وتُشلّ بها حركته، والسيطرة عليها سيطرة عليه.

وهكذا بدأ العصر الاستعماري الأوروبي بداية القرن التاسع عشر، وعينُ دوله الكبرى على البحر الأبيض المتوسط، ففضلًا على الهدف الاستراتيجي الأول في القضاء على دولة الإسلام الخلافة العثمانية وعزل الإسلام عن الساحة الدولية والسياسة الدولية، كان البحر الأبيض المتوسط وحوضه الجنوبي والبلاد المطلَّة عليه هدفًا استعماريًا، ينظر لتلك البلاد على أنها محل غزو واستعمار لتفكيك الخلافة العثمانية بوصف تلك البلاد جزءًا من جغرافيتها، وللتحكم في أخطر ممر مائي، ومن ثم التحكم في الملاحة والتجارة العالمية وفي أبواب وأقفال الاستعمار.فالصراع الاستعماري حول البحر الأبيض المتوسط وحوضه الجنوبي كان محمومًا بين دول أوروبا الكبرى بداية القرن التاسع عشر.

فبعد هزيمة الجيش الفرنسي وفشل حملة نابليون العسكرية في احتلال مصر بوابة البحر الأبيض المتوسط الشرقية تحت ضربات الأسطول البريطاني عام 1801م؛ حيث تمَّ تحطيم الأسطول الفرنسي وغرقه بالمجمل، وقَّعت فرنسا معاهدة الاستسلام والخروج من مصر على متن السفن البريطانية. ثم كان تحالف بريطانيا مع بروسيا ضد فرنسا وكانت معركة واترلو عام 1815م وهزيمة فرنسا أمام بروسيا، والتي تعتبر الفصل الختامي لإمبراطورية نابليون بونابرت وإنهاء الأطماع الفرنسية ثم التقهقر الفرنسي، ومن ثم بداية سيطرة الأسطول البريطاني على حوض البحر الأبيض المتوسط.

فهزيمة واترلو كانت الخلفية المباشرة لمؤتمر فيينا عام 1815م والقيود التي فرضها على فرنسا من منعها إجراء تغييرات إقليمية دون موافقة الدول الكبرى حينها، وهي: بروسيا وروسيا والنمسا وبريطانيا، ثم قدَّمت بريطانيا مذكرة في المؤتمر بخصوص إيالة الجزائر مركز ومقر الأسطول البحري للدولة الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط، تحت بند أسمته القرصنة المغاربية في البحر الأبيض المتوسط وضرورة القضاء عليها، فمنحها المؤتمرون حق النظر فيما هو صالح للقارة الأوروبية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فأصبحت لها اليد الطولى عليه.

تسخير الغير وتكتيل الأحلاف من أبجديات سياسة بريطانيا الاستعمارية.

كانت لسياسة بريطانيا النشطة في إشراك الغير وتكتيل الأحلاف الأثر الأكبر في هزيمة فرنسا والقضاء على أطماعها، فقد بلغت ميزانيتها في عام 1814م نحو 88 مليون جنيه إسترليني خصصت منها عشرة ملايين للحلفاء؛ إذ دفعت لنسبة كبيرة من الجنود النمساويين والروس لحرب فرنسا في معركة واترلو. وسياسة تكتيل الأحلاف وإشراك الغير سياسة تفرضها معضلة إنجلترا في قلة عدد سكانها وضيق جغرافيتها كجزيرة. فبعد هزيمة فرنسا في حروبها النابليونية الاستعمارية عظمت قوة بريطانيا البحرية وقوتها الاستعمارية، وصارت إمبراطوريتها هي المهيمنة دوليَّا والمسيطرة على السياسة الدولية والتجارة العالمية، ومن ثم سعت لتحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة بريطانية وإخضاع حوضه الجنوبي لنفوذها، وكانت بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه في عين العاصفة الاستعمارية البريطانية.

هكذا أصبح الموقف الدولي خاضعًا لسياسة بريطانيا الدولية حتى أسمت نظامها الدولي بالسلم البريطاني، فرسمت خريطة العالم ومعالم سياسته الدولية. ثم لما كانت إنجلترا جزيرة في وسط البحر وسكانها لا تكفي جزيرتهم لعيشهم؛ لذا كان خروجهم من الجزيرة طلبًا للعيش أمرًا لا مفر منه؛ إلا أنهم متى خرجوا خرجوا لصوصًا ومستعمرين لا تجارًا، مصاصين لدماء الشعوب وناهبين لثرواتها لافتقارهم بضاعة المقايضة ومال التجارة.

 فلما اعتنقوا المبدأ الرأسمالي الاستعماري استفحلت فيهم اللصوصية وتركَّزت وتجذَّرت فيهم الناحية الاستعمارية في تواؤم وتناغم تامَّين مع سوء طبائعهم فصارت بريطانيا دولة استعمارية من الدرجة الأولى.

ثم إن قلة عدد سكانها (عدد سكان بريطانيا عام 1814م نحو 16 مليون نسمة، وهو بالكاد يمثل نصف حجم سكان فرنسا وقتها) يفقدها الاستطاعة على الوقوف بمفردها ومجابهة قوة تفوقها عددًا؛ لذا توسَّلت لمعالجة معضلتها السكانية والجغرافية بسياسة تسخير غيرها من الشعوب والدول لمساعدتها في استعمارها، وألبست هذه المساعدة الاستعمارية قوالب الأحلاف والمؤتمرات والاتفاقيات؛ ولذلك كان تسخير الغير وتكتيل الأحلاف من أبجديات سياستها الخارجية. ثم إن هذه المعضلة الجيوستراتيجية سكانًا وجغرافيةً جعلت الأعمال المادية العسكرية ثانوية في سياستها الخارجية، بل كان الرأي السائد بين ساستها ورأسمالييها أن الأعمال العسكرية والتوسع غير المحسوب يستنزف الإمبراطورية وينتهي بسقوطها، وهكذا باتت الأعمال السياسية هي رأس حربتها الاستعمارية، وكان حفظ التوازن الدولي خدمة لاستعمارها من أولوياتها الاستراتيجية.

أدركت بريطانيا أهمية السيطرة والتحكم في أقفال البحر الأبيض المتوسط فسيطرت باكرًا على صخرة جبل طارق عام 1704م، ثم ما حقَّقته من مكاسب مهمة في حوض البحر الأبيض المتوسط من خلال ترتيبات مؤتمر فينَّا 1815م، فنفذت إلى البلاد الإسلامية المطلَّة على حوضه الجنوبي عبر تجارها وجواسيسها وسفرائها النشطين الذين اخترقوا دوائر الحكم حتى أضحوا مستشارين في القضايا الخارجية للبلاد في كل من تونس والجزائر والمغرب. وبعد قضائها على الأسطول الفرنسي كانت المعضلة الاستراتيجية التي تعترضها لبسط هيمنتها واستعمارها على كامل حوض البحر الأبيض المتوسط هو الأسطول البحري للخلافة العثمانية بولاية الجزائر، فكان التخلص منه هدفها الاستراتيجي؛ فكتَّلت الأحلاف لضربه تحت غطاء محاربة القرصنة، وراحت تشنُّ الغارات تلو الغارات للقضاء عليه، فكانت حملة اللورد إكسماوت البريطانية وأشركت معها الولايات الأمريكية في حربها على إيالة الجزائر عام 1815م، ثم حملتها على إيالة الجزائر بإشراك فان كابلان الهولندي في 27 آب/أغسطس 1816م؛ لكن أسطول الدولة الإسلامية في إيالة الجزائر صمد وقاوم، ولما استعصى قضاؤها عليه طرحت المسألة الجزائرية في مؤتمر إكس لاشبيل عام 1818م، والذي جاء تقريره تهديدًا ووعيدًا، وبعد رفض شروطه من إيالة الجزائر كانت الحملة البريطانية على الإيالة عام 1824م، وتماشيًا مع سياستها في تسخير الغير ووضعه أمام الأخطار التي تتهددها وجدت ضالتها في فرنسا، فأشركتها في حملتها بحصار فرنسا لسواحل الجزائر 1827م، ثم يسَّرت لها احتلال إيالة الجزائر عام 1830م.

تسخير بريطانيا لفرنسا في سياستها الاستعمارية

أما تسخيرها لفرنسا فمرده أن شعب فرنسا منذ ثورته وأخذه بفكرة الحرية بوصفها صفة فردية عليا وبتجذرها فيه تأصل فيه التفكك وطغت عليه الفردية؛ فصار أقرب منه لمجموعة أفراد منه لأمة أو حتى شعب أو جماعة، حتى ندر فيهم من جرائها وجود حكم قوي أو حكومات قوية، ذلك الذي سهل مهمة بريطانيا في استخدام فرنسا وتسخيرها المرة تلو المرة. وهكذا كان خلال القرن التاسع عشر، فقد عملت بريطانيا على إدخال وإشراك فرنسا في استعمارها من أجل أن تقف بجانبها إذا وجد خطر على منطقتها الاستعمارية، وتضعها أمام الأخطار التي تتهدَّدها حتى قيل «إن إنجلترا تقاتل حتى آخر جندي فرنسي».

وهكذا سخَّرت بريطانيا فرنسا لمواجهة وضرب الأسطول البحري لدولة الخلافة بالبحر الأبيض المتوسط عبر تيسير استعمارها لولاية الجزائر، فالقرائن والدلائل التاريخية والوثائق تؤكد ذلك، فكل المؤشرات كانت تؤكد قدرة وجاهزية الأسطول البريطاني في منع الفرنسيين من احتلال الجزائر، حتى إن الأميرال دوبيري القائد العام للقوات البحرية الفرنسية أفاد «لو قامت بريطانيا بالهجوم على قواتنا فإن فرنسا لن تتمكن من صد الهجوم» وتمنى أن تأخذ المحادثات بين الحكومة الفرنسية والبريطانية فترة أطول حتى تتمكن فرنسا من الوصول إلى هدفها، وذلك الذي كان. ثم موقف القنصل العام البريطاني بالجزائر سان جون؛ إذ كلما سأله الداي حسين والي الخليفة العثماني على إيالة الجزائر عن مخاطر الحملة الفرنسية كان رد القنصل العام البريطاني: «اصمدوا، فإن فرنسا ستنسحب في النهاية وإن بريطانيا ستساندكم»، إلا أنه في نهاية المطاف اتَّضح أن فرنسا لم تنسحب وأن بريطانيا لم تساند إيالة الجزائر، بل الحاصل أن بريطانيا استخدمت سلاحها الفعال «الكذب والخديعة» للمراوغة الدبلوماسية والوقيعة بالخصم ثم لزمت الصمت حين احتلت فرنسا الجزائر. حتى إن قنصلها العام بالمغرب دريموند هاي النافذ لدى القصر (وكان اختياره كقنصل عام يعود إلى ما أكده هاي بنفسه لحكومته كون بريطانيا هي أقوى أصدقاء المغرب وأكثرهم جدوى، وإلى علاقته الكبيرة ورصيده الدبلوماسي وخبرته في هذه المسائل)، فقد طلب منه رجالات القصر إخلاصهم النصيحة تجاه القضية الجزائرية لتقديمها للسلطان المغربي عبد الرحمن، عندها حذر هاي من أن السلطان عبد الرحمن سيواجه كارثة إذا ما تحدَّى فرنسا وأصرَّ على أن سياسة السلام سوف تحقق أفضل المصالح المغربية.

وهكذا دفعت بريطانيا بفرنسا لاحتلال ولاية الجزائر لضرب الأسطول البحري لدولة الخلافة العثمانية بالبحر الأبيض المتوسط لتتمكن بريطانيا من بسط هيمنتها عليه، كما أن احتلال الجزائر عام 1830م تزامن مع برتوكول لندن عام 1830م، وبعدها مؤتمر لندن عام 1832م، الذي بموجبه اقتطعت بريطانيا اليونان من دولة الخلافة، وهكذا تمكَّنت من التحكم في البوابة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. ثم استمرت في تسخير فرنسا واستعمالها في درء المخاطر التي تتهددها وكذلك في حفظ التوازن.

وحفظًا للتوازن الدولي وفي أعقاب الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871)م فقد تجرَّعت فرنسا مرارة الهزيمة والإذلال على يد الألمان، ودفعت التعويضات المالية الباهظة وخسرت منطقتي الألزاس واللورين وفقدت قوتها، وكانت تعيش ما يشبه الكارثة على مختلف الأصعدة. ثم بدأ صعود القوة الإيطالية، وبدأت إيطاليا تنافس وتصارع بريطانيا، وكانت عين إيطاليا على تونس بوابتها الجنوبية على أفريقيا. وللحد من مطامع إيطاليا أكدت بريطانيا على أن تونس مقاطعة من مقاطعات الخلافة العثمانية مع مواصلة تركيز نفوذها بها عبر تجارها وسفرائها وجواسيسها؛ لكن التنافس والصراع البريطاني الإيطالي استمر، ثم كان مؤتمر برلين المشؤوم عام 1878م الذي عقد للاتفاق على إنهاء وجود الخلافة العثمانية بوصفها دولة إسلامية واقتسام ولاياتها، في ظرف انتشرت فيه فكرة الجامعة الإسلامية للخليفة عبد الحميد الثاني التي ترمي إلى إعادة وحدة الأمة الإسلامية وإعادة بناء قوة دولتها، فبدأت الفكرة تحدث متاعب للأوروبيين، فكان مؤتمر برلين لتسريع وتيرة الاستعمار لوأد الفكرة وتفكيك وتفتيت الدولة، وكان اجتماع المستشار الألماني بسمارك ونظيره البريطاني ساليسبوري، وكانت التسوية الاستعمارية البريطانية باقتطاع تونس آخر قلاع الخلافة العثمانية بحوض البحر الأبيض المتوسط لعزلها وفصلها عن مياه بحره وشل حركتها فيه، ثم جعل تونس تحت الاستعمار الفرنسي، وكان هدف بريطانيا الخفي هو قطع الطريق على إيطاليا وإمداد فرنسا بأسباب القوة بعد هزيمتها لحفظ التوازن الأوروبي وحجب بروسيا من الوصول لحوض البحر الأبيض المتوسط، ثم استولت هي على قبرص لإحكام قبضتها على البوابة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. وهكذا اقتطعت بريطانيا تونس وقبرص من جسم الخلافة العثمانية، وكان احتلال فرنسا لتونس بتسليم بريطاني لحفظ التوازن الأوروبي ودرء الخطر الإيطالي، ولهدمٍ آخرَ في بناء الخلافة العثمانية. حتى إن مراسَلة من مكتب وزير الخارجية البريطاني ساليسبوري لسفيره بباريس «إن إنجلترا لا ترى مانعًا من توسيع فرنسا لنفوذها أو لمجالها الاستعماري في تونس». وهكذا كان، فبريطانيا سلمت وفرنسا استلمت واستعمرت، وبدأ استعمارها لتونس بعد توقيع معاهدة باردو الاستعمارية في 12 أيار/مايو 1881م خدمةً للاستراتيجية الكبرى لبريطانيا في الحفاظ على تفوقها وهيمنتها وسيطرتها، فانفردت باستعمار أكثر أجزاء العالم، وكان لها حصة الأسد، وأرضت فرنسا بفتات المائدة للحفاظ على إمبراطوريتها.

وهكذا بات نفوذ بريطانيا في حوض البحر الأبيض المتوسط من شرقه ببلاد مصر والسودان واليونان وقبرص إلى غربه ببلاد المغرب الأقصى هو المهيمن والمسيطر بحكم الاستراتيجية الكبرى لبريطانيا في السيطرة على الممرات المائية وأقفالها من مضايق وقنوات لتأمين أسطولها البحري ذراعها الاستعمارية الاقتصادية والعسكرية، والذي به تسيطر على التجارة العالمية وتستعمر وتحتل وتنهب.

وما كانت بلاد المغرب الأقصى استثناء، كعادتها في اختراق الدول والسيطرة عليها عن طريق تجارها وجواسيسها ثم بعدها سفرائها وقناصلها، وذلك الذي كان، ففي المغرب نفذ تجارها إلى الدائرة الضيقة للحكم وتحديدًا قصر السلطان قديمًا جراء ذلك الانفصال النكد للمغرب عن الخلافة الإسلامية، فقد أسّست أول شركة في المغرب وكانت إنجليزية وسميت بشركة «بلاد البربر» وتعود تفاصيلها لعام 1585م أيام حكم أحمد المنصور السعدي، ذكرها المؤرخ البريطاني «ب.ج.روجزر»؛ حيث بعثت ملكة إنجلترا رسالة للقصر مفادها أنها تقترح إقامة شركة تكون هي المحتكر الوحيد لجميع الأنشطة التجارية مع المغرب لمدة 12 سنة، الأمر الذي قوى حظوظ الإنجليز ونفوذهم وطوق المغرب اقتصاديًّا، لم يفطن حاكم المغرب للفخ بل اعتبر العقد الرسمي إغلاقًا لباب المشاكل مع التجار الأجانب الذين يتهرَّبون من أداء الضرائب لسلطات الجمارك المغربية؛ حتى أضحى بعدها التجار الإنجليز مستشارين للقصر في السياسة الخارجية، ثم تولَّى المهمة بعدهم الجواسيس القناصل والسفراء، ومن أبرزهم الجاسوس والوزير والسفير فوق العادة جون دريموند هاي والذي عاصر ثلاثة سلاطين ببلاد المغرب: عبد الرحمن (1820-1859)م، محمد بن عبد الرحمن (1859-1873)م، الحسن الأول (1873-1894)م، وكان ذا معرفة دقيقة بأحوال القصر وذا نفوذ بالغ فيه. فطوال نصف قرن كان قائمًا على تنفيذ الاستراتيجية البريطانية بالمغرب في التحكم في البوابة الغربية لحوض البحر الأبيض المتوسط، وأدارها بمكر وخبث الإنجليز المعهود تحت خديعة الحرص على مصلحة السلاطين والبلد ضد الاعتداءات الخارجية، وخاصة الفرنسية ثم بعدها الإسبانية، وكان ينطلق من المبدأ الخبيث الماكر «كل ما هو في صالح بريطانيا هو في صالح المغرب»، وأن بريطانيا هي الصديق الوحيد الناصح للمغرب، ولا يتوانى في الضغط على السلاطين متى لزم الأمر. وهو في كل هذا ينفذ الاستراتيجية البريطانية في الحفاظ على هيمنة أسطولها على البحر الأبيض المتوسط، ومنها مضيق جبل طارق وبوابته الجنوبية بلاد المغرب، وكان لمدينة طنجة أهميتها في الاستراتيجية البريطانية كونها الشق الجنوبي لمضيق جبل طارق والمقابلة لصخرة جبل طارق في الشمال، أي قفل البحر الأبيض المتوسط للعبور إلى المحيط الأطلسي، ومن ثم كانت طنجة دار إقامة لسفرائها وقناصلها، ثم كان لها ذلك الوضع الخاص فيما بعد.

الصراع الإنجليزي-الفرنسي

وفي سنة 1848م، أعلنت فرنسا ضم الجزائر لترابها الوطني للتعبير عن تجديد قوتها وتجاوزها لعقدة هزيمة معركة واترلو ضد الألمان، فبدأت تتحرش بالمغرب، فكانت معركة إيسلي عام 1844م التي انكسرت فيها عساكر بلاد المغرب، فأراد الجنرال بيجو قائد القوات الفرنسية الغازية أن يواصل زحفه إلى تازة وفاس وسط المغرب؛ لكن التدخل البريطاني كان حاسمًا؛ حيث أعلن وزير الخارجية البريطاني أبردين للقائم بالأعمال الفرنسي بلندن «إنني لست راغبًا في خلق متاعب للسيد بيجو؛ لكن يجب أن تكون على يقين أن احتلال فرنسا لمكان معيَّن في المغرب سيكون بمثابة الحرب على بريطانيا». وهكذا تمت إعادة فرنسا إلى جحرها حتى لا تتجاوز حدود المهمة المسخَّرة لها استراتيجيَّا من طرف بريطانيا. ووصفت بريطانيا سياستها هاته في خبث ومكر للقصر المغربي من كون موقفها هذا تمليه الصداقة التي تجمع بريطانيا بالمملكة الشريفة، هاته السياسة التي مهدت لوزيرها وسفيرها فوق العادة والمقيم بطنجة تحقيق الأهداف الاستراتيجية البريطانية ببلاد المغرب عبر اتفاقية 1856م، وبنودها الثمانية والثلاثين التي أخضعت المغرب للنفوذ الاستعماري البريطاني وجعلت القصر رهينة لدى الإنجليز، فكانت بحق في خبثها ومكرها اتفاقية استعمار بدون قوات عسكرية. ثم كعادتها في تسخير الغير وتوظيفه أدخلت الإسبان شمال المغرب لجعلهم حاجزًا من وصول القوى المنافسة إلى مياه البحر الأبيض المتوسط على ضفته الغربية، فكانت حرب تطوان الإسبانية المغربية عام 1860م، والتي أشرفت بريطانيا على اتفاقية وقف إطلاق النار ثم معاهدة الصلح بين الطرفين في نيسان/أبريل 1860م بشروط تخدم المحتل الإسباني، فأوجدت بريطانيا ثقبًا في الجدار المغربي لنفاذ إسبانيا منه إلى شمال المغرب.

الصراع الإنجليزي- الألماني على دول المغرب

ثم طرأ بعدها ما بين (1870-1914)م تحول جوهري في الساحة الدولية وجغرافيته الاستراتيجية؛ حيث تأسَّست وتشكَّلت الإمبراطورية الألمانية بعد اتحاد الإمارات الجرمانية عام 1871م، وبدأ تاريخ القيصرية الألمانية ما أحدث تحوُّلًا في الموقف الدولي وتهديدًا جديًّا للنفوذ والهيمنة الاستعمارية البريطانية، ثم بدأت الإمبراطورية الألمانية عام 1884م تنازع بريطانيا قيادة الموقف الدولي في موجة تدافع استعماري على أفريقيا، وما لبثت ألمانيا حتى اعتلت قيادة الموقف الدولي وتحديدًا 1904م، فقد غير صعود البحرية الألمانية ميزان القوى لصالح ألمانيا عطفًا عليه امتلاكها لأقوى الجيوش البرية. ثم بدأت تداعيات الصراع الاستعماري تطفو على الساحة الدولية، ومن هذه التداعيات الوضع الاستعماري للمغرب فدخلت ألمانيا على الخط الاستعماري، فاستبقت بريطانيا الأمر ووضعت فرنسا أمام الخطر الألماني تسخيرًا لها كدرع لحماية نفوذها به، ثم كانت اتفاقية 8 نيسان/أبريل 1904م بين بريطانيا وفرنسا التي بموجبها تم تسليم وسط المغرب لفرنسا للحد من الخطر والأطماع الألمانية ومحاولة لإعادة حالة التوازن الأوروبي لاسترجاع السيطرة البريطانية على الموقف الدولي؛ ما خلف عداء ألمانيا الشرس للاتفاق، فتفجَّرت أزمة دولية حول الوضع الاستعماري للمغرب ما بين (1905-1906)م كان فيها دعم البريطانيين للموقف الفرنسي جليًّا وواضحًا لأنه موقفهم. ثم كان مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي عقد عام 1906م لتقرير مصير المغرب كمستعمرة أوروبية، ترتَّب عليه اقتسام المغرب بين فرنسا وإسبانيا بترتيب ومباركة بريطانية، ومن غرائب هذا المؤتمر غياب رئيس الوفد المغربي وتصرف بريطانيا التام في سياساته. وكان استعمار المغرب وتسليمه لإسبانيا وفرنسا سياسة استراتيجية بريطانية للحد من أطماع ألمانيا ومن تهديدها للنفوذ الاستعماري البريطاني ومحاولة لإعادة التوازن الأوروبي؛ لكن التنافس والتنازع والصراع الاستعماري بين ألمانيا وبريطانيا احتدَّ فحاولت ألمانيا انتزاع المغرب في 1 حزيران/يونيو 1911م فأرسلت بارجتها الحربية «بانتر» لمدينة أكادير وهددت بقصف المدينة، وتزامن هذا مع حصار قصر فاس لخلع السلطان عبد الحفيظ، فتدخلت فرنسا فكسرت الحصار، وانتهت الأزمة بحصول ألمانيا على جزء من الكونغو مقابل التخلي عن أطماعها في المغرب. وبعدها تم إعلان استعمار فرنسا للمغرب في 30 آذار/مارس 1912م.

لكن تعاظمَ الخطر الألماني تفاقم وبات تهديدًا جديَّا للنفوذ الاستعماري البريطاني وتحول ميزان القوى لصالح ألمانيا، وهنا أشعلت بريطانيا فتيل الحرب وجرَّت العالم للحرب العالمية الأولى لضرب ألمانيا التي نازعتها هيمنتها الاستعمارية وأخلَّت بتوازن الدول الأوروبية… وهكذا سعت بريطانيا لحسم الصراع لصالحها، وكذلك كانت الحرب لتصفية الدولة الإسلامية تصفية نهائية، وفي كل هذا هي تسخر فرنسا وتستعملها في حفظ التوازن الأوروبي ودرء المخاطر عنها. وانتهت الحرب بالقضاء على الخطر الألماني وتصفية الدولة الإسلامية، وأصبحت قيادة الموقف الدولي بيد بريطانيا فباتت هي المهيمنة والمسيطرة على القرار الدولي والصانعة للسياسة الدولية، واستمر نفوذها على حوض الأبيض المتوسط عبر شبكة سفرائها وقناصلها وجواسيسها، وتسخير وتوظيف فرنسا لخدمة مصالحها واستراتيجيتها في السيطرة على الممرات المائية والتجارة العالمية.

استلام بريطانيا لملف استعمار دول المغرب من فرنسا الحرة                 

 أن الموقف الدولي شديد التقلب ولا يستقر على حال، فبدأ التقلب والتحوُّل في ثلاثينات القرن العشرين ماثلًا في تنامي قوة الاتحاد السوفياتي الشيوعي وخطره على ميزان القوى الأوروبي ثم التحوُّل الذي طرأ على الساحة الألمانية. ففي عام 1933م، أعطى البرلمان الألماني زعيم الحزب النازي أدولف هتلر بعد تعيينه مستشارًا للبلاد سلطة تشريعية بدون قيود. بعدها، وفي غضون شهور، باشر تنشيط الصناعة الحربية مع التركيز على إعادة تسليح الجيش، بعدها انطلقت ألمانيا في سياستها الخارجية الاستعمارية فضمَّت النمسا ثم تشيكوسلوفاكيا، وبعدها احتلت بولندا وحطمت التوازن الأوروبي واعتلت الموقف الدولي؛ فأصبحت أخطر تهديد للإمبراطورية الاستعمارية البريطانية، ما دفع بريطانيا لجر العالم من جديد إلى الحرب العالمية الثانية سعيًا منها لضرب ألمانيا لإعادة التوازن الأوروبي، وكذلك محاولة منها لتصفية النظام الشيوعي في روسيا.

فاندلعت الحرب في فاتح أيلول/سبتمبر 1939م، فاكتسحت الجيوش الألمانية أوروبا، ثم كان الحدث البارز في ربيع 1940م حين قامت ألمانيا بغزو فرنسا واحتلالها في أقل من شهر ونصف. بدأ الغزو في 10 أيار/مايو 1940م، وفي 14 حزيران/يونيو 1940م سقطت العاصمة باريس دون مقاومة بعد الاستسلام الفرنسي؛ ما أحدث فوضى عارمة في الساحة الفرنسية وفي المستعمرات، وفي 22 حزيران/يونيو 1940م وقعت فرنسا على استسلامها من المارشال الفرنسي فيليب بيتان وأنشئت حكومة فيشي في وسط فرنسا الخاضعة للرايخ الألماني، ثم بعدها احتلت ألمانيا كامل فرنسا واستلمت ملف المستعمرات بالجزائر وتونس والمغرب عبر حكومة فيشي، وأعلن المقيم العام بالمغرب نوغيس ولاءه لحكومة الاحتلال في باريس، وبقيت فرنسا تحت الاحتلال الألماني حتى كانون الأول/ديسمبر 1944م؛ ولكن قبلها كان إنزال القوات البريطانية والأمريكية في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1942م في آسفي والدار البيضاء والقنيطرة مدن الساحل الأطلسي بالمغرب ووهران والجزائر على البحر الأبيض المتوسط. وفي 14 كانون الثاني/يناير 1943م، انعقد مؤتمر آنفا بالدار البيضاء بالمغرب بحضور ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت والجنرال ديغول والجنرال جيرو لتمثيل المقاومة الفرنسية وملك المغرب محمد الخامس وولي عهده الحسن الثاني، انعقد المؤتمر أثناء الحرب لمناقشة مجرياتها والقضايا المتعلقة بها، وقد تردد الجنرال ديغول في قبول الدعوة للحضور لكن رئيس الوزراء البريطاني تشرشل ضغط عليه وهدد بشلِّ غرفة العمليات التي تديرها المقاومة الفرنسية ضد ألمانيا من لندن، فقبل رغم عدم رضاه ومعرفته بأن القرار السياسي الفرنسي أصبح رهينة السياسة البريطانية عطفًا عليها الأمريكية، ثم أصبح ملف المستعمرات الفرنسية بكل من الجزائر وتونس والمغرب على الطاولة البريطانية عطفًا عليها العين الأمريكية، فكان مؤتمر آنفا إعادة لتموضع بريطانيا في غرب المتوسط وإعادة استلام لملفات الجزائر وتونس والمغرب مع إطلالة للعين الأمريكية التي استجد حضورها واطلاعها على المنطقة.

وانتهت الحرب العالمية الثانية في 2 أيلول/سبتمبر 1945م؛ إلا أن نتيجتها هذه المرة كانت ضد بريطانيا، فقد خرجت من الحرب محطَّمة الأضلاع، وانتهى عصر قوة الإمبراطورية البريطانية ودخلت عصر ضعفها، وتحوَّل الموقف الدولي من يد بريطانيا إلى يد أمريكا، إلا أن ضعفها لا يعني طردها من المجال الدولي فقد حافظت على مستعمراتها في قبضة يدها تحت اسم الكومنولث، ثم إن  كثيرًا من البلاد الإسلامية استمرت تحت نفوذها وخاضعة لسيطرتها. أما فرنسا فقد كانت نتائج الحرب العالمية عليها كارثية فاحتلالها من طرف ألمانيا والفوضى التي سادت سياستها الاستعمارية خلال حكومة فيشي الخاضعة للاحتلال الألماني، ثم حركة تحريرها التي كانت تدار من قلب لندن أي خاضعة للسياسة البريطانية، فقوات فرنسا الحرة كانت تتحرك تحت أوامر القيادة البريطانية، وفي ضعفها وهوانها كانت الدعوة لحضور مؤتمر آنفا عبر رأسين متنافسين على القيادة هما الجنرال ديغول والجنرال جيرو، لتأكيد بريطانيا دعوتهم بوصفهم قادة المقاومة العسكرية الفرنسية وليس لتمثيل الدولة الفرنسية لأنه حينها سيلزم حضور رأس واحدة، وليقصر النقاش معهما حول السياسات العسكرية وليست السياسة الدولية التي كان اللقاء والمؤتمر الصحافي بشأنها ثنائيًا بين روزفلت وتشرشل. ثم بعدها في آب/أغسطس 1943م دمجت قوات ديغول وجيرو في سلسلة قيادة قوات فرنسا الحرة الموحدة التابعة للقيادة الأنجلو-أمريكية، بينما كانت قوات فرنسا المحتلة تابعة للقيادة الألمانية والسوفياتية.[يتبع]

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *