العدد 422-423 - السنة السادسة والثلاثون، ربيع الأول-ربيع الثاني/1443هـ الموافق تشرين الأول – تشرين الثاني/2021م

الشرق الاوسط الحديث بين مشروع التقسيم ومشروع حضاري خلافة على منهاج النبوة

 

نصر فياض-أبو إبراهيم

قلقيلية-الأرض المباركة فلسطين

 هدمت الخلافة منذ مئة عام، ورافق هدمها تقسيم تركة الدولة العثمانية بما عرف باتفاقية سايكس بيكو، وكان الهدف من هذا التقسيم الحيلولةَ دون عودة الخلافة من جديد، ومنعَ وحدة المسلمين في دولة واحدة، والتمكُّنَ من نهب خيرات المسلمين وإبقاءَهم تحت الاستعمار؛ ولكن الغرب الكافر وجد أن المسلمين أحيَوا فكرة الخلافة من جديد، واتَّسعت رقعة المطالبة بها لتشمل الكثير من بلاد المسلمين، وأن المسلمين ازداد وعيهم على أحكام الإسلام وأفكاره، وعرفوا أن الكافر المستعمر هو عدوهم الحقيقي، وأصبح الانعتاق منه وإجلاؤه عن بلاد المسلمين وعودة الخلافة من أسوأ هواجسه وما يتوقع حدوثه؛ فبدأ بالتفكير بوسائل جديدة تمنع  قيام دولة الخلافة، وتجعل أمر وحدة المسلمين أمرًا غير ممكن، فتفتَّق عن أذهان بعض الماكرين الخبيثين من الكفار، فكرة تقسيم المقسَّم وتجزئة المجزَّأ، وإضعاف الدول وتحويلها إلى نماذج لا يمكن معها أن تصبح دولًا قوية، بالإضافة إلى إذكاء الحروب والصراعات الداخلية في الدولة الواحدة، وبين الدولة وغيرها من الدول، بإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والقومية والعرقية، فأريقت الدماء لإعادة رسم خارطة المنطقة من جديد، فأغرقت البلاد ببحار من الدماء، وما زالت شعوبها تنزف لتحقيق هذه الأهداف الخبيثة. ومن أجل تحقيق ذلك، وضعت خطط لإعادة تقسيم المنطقة من جديد، بتقسيم المقسَّم، وتفتيت المفتَّت، وإضعاف الدول وتفككِّها.

وقد نشرت عدة خطط، وكتبت عدة مقالات في الصحف ومراكز الأبحاث، وسنتعرض لشيء منها بشكل موجز، وسنتناول خطتين مما نشر بشيء من التفصيل، وهما خطة «برنارد لويس» مستشار وزير الدفاع الأمريكي في عهد «بوش الابن»، وخطة رالف بيترز (نائب رئيس الأركان للاستخبارات العسكرية الأمريكي السابق) لخطورتهما، ولأن الوقائع على الأرض من قتل وإثارة النعرات الطائفية والقومية والمذهبية والعرقية تكشف عن بعض ما جاء فيهما، وخاصة التوصيات والإجراءات العملية لتطبيق هاتين الخطتين.

 (خطة عوديد ينون 1982م: لبننة العالم الإسلامي):

تعد هذه الخطة من أوائل ما نشر في هذا السياق، وهي خطة بلورها عوديد ينون مستشار رئيس الوزراء (الإسرائيلي) آرييل شارون بعنوان (استراتيجية إسرائيل) تهدف الخطة إلى لبننة (من لبنان) العالم الإسلامي كله؛ بإعادة التقسيم على أساس طائفي، وذكر أن من فوائد ذلك إرساء شرعية الكيان اليهودي، بما أن كل طائفة ستكون لها دولة، فوجود «دولة يهودية» يصبح مبررًا من الناحية «الأخلاقية».

وهذه الخطة تتناغم مع التوجه الأمريكي في ذلك الوقت، والذي عبر عنه في عام 1980م مستشار الأمن القومي الأمريكي للرئيس كارتر «بريجنسكي» عندما كانت الحرب العراقية الإيرانية مستعرة بقوله: «إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن (1980م)، هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران، تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود «سايكس- بيكو».

برنارد لويس وخطته وخرائطه الشهيرة لتقسيم العالم الإسلامي:

نشرت خطة برنارد لويس الخطيرة وخرائطه عام 1992م، واكتسبت خطته أهميتها عندما تمت الموافقة عليها من قبل الكونجرس الأمريكي، وتم اعتمادها وإدراجها في ملفات السياسة الأمريكية الاستراتيجية، وبعد 10 سنوات من نشرها، وجدت رؤى برنارد لويس الاستعمارية ضالتها في إدارة «جورج بوش الابن» التي استعانت به كمستشار لها قبل غزو العراق، وليصبح مستشارًا  لوزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط في إدارة بوش الابن.

ولخطورة هذه الخطة ولكونها من أوائل الخطط (سايكس بيكو الجديدة) التي خرجت برؤية شاملة، ومدعَّمة بخرائط تفصيلية، وتم اعتمادها في الاستراتيجية الأمريكية، سنسلط الضوء عليها وعلى مهندسها برنارد لويس:

«برنارد لويس» هو مستشرق بريطاني الأصل يهودي الديانة، أمريكي الجنسية. ولنتعرف عليه أكثر، فقد نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» مقالًا قالت فيه: إن برنارد لويس «90 عامًا» المؤرخ البارز للشرق الأوسط، وقد وفَّر الكثير من الذخيرة الأيديولوجية لإدارة بوش في قضايا الشرق الأوسط والحرب على الإرهاب حتى إنه يعتبر بحق منظرًا لسياسة التدخل والهيمنة الأمريكية في المنطقة.

وفي مقابلة صحفية أجريت مع «لويس» في 20/5/2005م، قال فيها:

«إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضُّرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضِّر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات وتقوِّض المجتمعات؛ ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية. وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور، فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة؛ لتجنب الأخطار والمواقف السليبة التي اقترفتها الدولتان. إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية. وخلال هذا الاستعمار الجديد لا مانع أن تقوم أمريكا بالضغط على قيادتهم الإسلامية – دون مجاملة ولا لين ولا هوادة – ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة؛ ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا لتدمر الحضارة فيها».

تفاصيل المشروع لتفتيت العالم الإسلامي «لبرنارد لويس»:

يقوم مشروع برنارد لويس على تقسيم المنطقة طبقًا لخطوط عرقية وطائفية ولغوية، فحسب مشروعه تقسَّم مصر إلى أربعة دويلات، والسودان أيضًا إلى أربعة، وتضاف إلى دول شمال أفريقيا بعد تفكيكها دولة البربر ودولة البوليساريو.

وتقسَّم الجزيرة العربية بعد إلغاء دولها القائمة إلى ثلاث دول: الأحساء الشيعية، ودويلة نجد ودويلة الحجاز السنيتين. وأما العراق فيقسَّم إلى ثلاث دول، وسوريا إلى أربع دويلات، ولبنان إلى ثماني كنتونات، وإيران وأفغانستان والباكستان فتقسم إلى عشرة كيانات ضعيفة، وأما الأردن فيكون وطنًا بديلًا للفلسطينيين.

واللافت في خطة برنارد أنها لا تكتفي بخرائط صمَّاء تستغل الصراعات الطائفية والعرقية؛ لكنها اشتملت أيضًا على إشعال تسعة حروب في المنطقة، والعاشرة حرب البلقان في أوروبا، والتي توقع أن تمتد لشرق البحر المتوسط. تلك الحروب ستسرِّع عجلة تقسيم المنطقة، وبعد التقسيم تنشب حرب أخرى كبرى عربية – إيرانية بمجرد هيمنة إيران على الدويلة العراقية «الشيعية».

(خرائط رالف بيترز  (Blood Borders)»الشرق الأوسط الكبير» 2006م:

بدأ تداول مصطلح «الشرق الأوسط الكبير» في الميدان السياسي لأول مرة في تل أبيب، على لسان كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في حزيران عام 2006م. التعبير الجديد الذي استخدمته الإدارة الأمريكية يهدف إلى إحداث عملية تغيير شاملة لمنطقة «الشرق الأوسط» يمكن تشبيهها بالعملية الجراحية الصعبة (الفوضى الخلاقة). وأيضًا رسم خارطة «الشرق الأوسط» من جديد؛ لتحقيق الأهداف الأمريكية؛ فيتحقق لها الاستقرار والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وخيراته، وفي مقدمتها النفط. وفي شهر حزيران من العام ذاته، كتب الخبير العسكري الاستراتيجي الأمريكي، ونائب رئيس الأركان للاستخبارات العسكرية الأمريكي السابق «رالف بيترز» مقالة بعنوان «حدود الدم: كيف سيبدو «الشرق الأوسط» بحالته الأفضل؟»، نشرت في العدد السادس من المجلة العسكرية الأمريكي(Armed Forces Journal) ، تضمنت خريطة جديدة للمنطقة مفصَّلة على أساس عرقي ومذهبي. وعلى ضوء هذه القاعدة تفترض خريطة «الشرق الأوسط الجديد» في خطوطها العريضة:

– تجاوز التقاليد السياسية والمحرَّمات السابقة، عبر إقامة دولة كردية تُقتطع لها مناطق شمال العراق، وجنوب شرق تركيا، وأجزاء من سورية وإيران.

– تقسيم ما تبقى من العراق إلى دولتين «شيعية وسنّية»، ويضاف إلى الدولة «الشيعية» مناطق من غرب إيران ومن شرق السعودية، والتي بدورها تقتطع منها المناطق الغربية المحاذية للبحر الأحمر، والتي تضم الأماكن المقدسة في مكة، والمدينة في دولة مستقلة تكون شبيهة بالفاتيكان.

– بالإضافة إلى ذلك، يتم ضم جزء من مناطق السعودية الشمالية الغربية إلى الأردن. كل ذلك تتم الدعاية له وتسويقه عبر محاولة دفع «إسرائيل» إلى العودة إلى حدود ما قبل 1967م، مع إدخال تعديلات حدودية تنسجم مع مخاوفها الأمنية بحسب مشروع رالف بيترز.

… وعلى الرغم من الإدعاء بأن خريطة «بيترز» لـ «الشرق الأوسط الجديد» لا تعكس وجهة نظر وزارة الدفاع الأمريكية، إلا أنها درست في منهج التخطيط الاستراتيجي في كلية ضباط الناتو العليا في روما، بالطبع بعد أن أجازتها الأكاديمية العسكرية الأمريكية التي يعمل بها «رالف بيترز»، بعد تقاعده من عمله في مكتب نائب رئيس هيئة الأركان لشؤون الاستخبارات في وزارة الدفاع. وقد أثار عرض خريطة «بيترز» في كلية الناتو العسكرية حفيظة تركيا، التي اندهش ضباطها أثناء دراستهم فيها من رؤية بلادهم وقد تغيَّرت حدودها الحالية، ما دفع رئيس أركان الجيش التركي السابق «يشار بيو كانت» إلى الاتصال بنظيره الأمريكي معربًا له عن احتجاجه على عرض هذه الخريطة «المشوَّهة» لـ «الشرق الأوسط» (RT Arabic)

بالمقابل، لم تتوقف الخطوات الأمريكية لتسويق مشروع تقسيم «الشرق الأوسط» عند هذا الحد؛ إذ إن مجلس الشيوخ الأمريكي بادر في أيلول/2007م إلى إصدار قرار غير ملزم، دفع به وعمل على إنجاحه «جو بايدن» عندما كان نائبًا للرئيس أوباما، يطالب الإدارة الأمريكية بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق اتحادية «شيعية وسنّية وكردية». ويؤكد بيترز أن الحرب وحمَّامات الدم في خضم إعادة تقسيم «الشرق الأوسط» لا يمكن تفاديها؛ لأن العدالة تتطلب ذلك.

وحسب رالف بيترز، فهو يبين أن التقسيمات ليست على أساس خرائط معدَّة مسبقًا، بل أعدت على أساس وقائع ديموغرافية (الدين، القومية، والمذهبية)؛ ولأن إعادة تصحيح الحدود الدولية يتطلب توافقًا لإرادات الشعوب التي قد تكون مستحيلة في الوقت الراهن؛ ولضيق الوقت لابد من سفك الدماء للوصول إلى هذه الغاية التي يجب أن تستغل من قبل الإدارة الأمريكية وحلفائها. يفترض إن (إسرائيل) لا يمكنها العيش مع جيرانها؛ ولهذا جاء الفصل عن جيرانها العرب؛ ولذا فإن الطوائف المتباينة التي لا يمكن التعايش فيما بينها من الممكن تجمعها بكيان سياسي واحد.

 خريطة أتلانتيك 2008م:

في العام التالي لنشر (حدود الدم)، بدأ «جيفري جولدبرج» ((إسرائيلي) أمريكي، وأحد أبرز شخصيات اللوبي الصهيوني في أمريكا، وهو من المنتمين لنفس جناح «رالف بيترز» داخل أروقة السياسة الأمريكية…) في كتابة سلسلة مقالات ترسم خريطة جديدة لـ «الشرق الأوسط»، على صفحات مجلة (أتلانتيك) الشهيرة، حدث هذا بالتزامن مع إقرار مجلس الشيوخ الأمريكي خطة لتقسيم العراق، مما يجزم بأنها حملة منظمة. (… وامتدت الخريطة هذه المرة لعمق أفريقيا بتقسيم الصومال. وحسب «جولدبرج» إعطاء الشيعة في لبنان دولة «شيعية» مستقلة، واصطناع دولة درزية في شمال الأردن وجنوب سوريا، ولأول مرة دولة السودان الجديدة في جنوب السودان، والتي تأسَّست بعد أربع سنوات، وسيناء دولة مستقلة).

خريطة (صحيفة «نيويورك تايمز) 2013م:

 (نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، خريطة جديدة تظهر تقسيم خمس دول في الشرق الأوسط إلى 14 دولة، وهذه الدول هي سوريا إلى ثلاث، والسعودية إلى خمس، وليبيا إلى دولتين، وطرابلس وطبرق، وقد تصبح ثلاثة بانضمام دولة فزان في الجنوب الغربي، واليمن إلى دولتين.

 خرائط الدولة – المدينة :

تم عرض أطروحات أخرى لتقسيم المنطقة عبر مراكز الدراسات الاستراتيجية ومنابر الصحافة العالمية. ففي مقال للنيويورك تايمز، فإنه خلال الفترة من (2014- 2016)م، تم طرح فكرة (الدولة – المدينة)، باستقلال مدن في «الشرق الأوسط» خلال العقود المقبلة منها: «القدس، الحجاز، دبي، بغداد، مصراته، جبل الدروز»، كلها مدن مرشحة للاستقلال بذاتها كدويلات ذات طابع خاص.

مناقشة الخطط المختلفة والخرائط المقترحة

إن المتابع للمنطقة والناظر للخرائط المقدمة يجد أنها تشترك في أمور وتختلف في  أخرى؛ ولكن الوقائع على الأرض تبين ما نفذ منها وما يجري تنفيذه، وأن بحور الدم التي أريقت في المنطقة ضمن مخطط حدود الدم، وغيره من المخططات التي تعيد تفتيت العالم الإسلامي إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والقبلية والمذهبية والطائفية، تكشف حقيقة الاستراتيجية الأمريكية والغربية في منطقة الشرق الأوسط، وأن هذه الخطط أنتجت صراعات وحروبًا وحالات استقطابات طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية، مقدمة للتقسيم أو تحويل الدول إلى دول ضعيفة لتبقى تحت الوصاية الاستعمارية.

وأيضًا فإن الناظر إلى جميع الخرائط المنشورة يجد أنها متفقة عل تفتيت دول المنطقة مع اختلاف في الرؤى والتفاصيل؛ ولكن معظم هذه الخطط حين تذكر كيان يهود تتفق على المحافظة عليه، وتحقيق أمنه واستقراره.

إنهاك الدول وإضعافها مقدمة لتقسيمها:

لتنفيذ الخطط الجديدة للتقسيم ورسم الخرائط على الأرض أُشعلت حروب وأُثيرت النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية المقيتة في كل المنطقة، وجرى إضعاف الدول وإنهاكها، مقدمة للتقسيم أو إبقائها تحت الوصاية الاستعمارية. ولتسهيل هذه المهمة اعتمد على أسلوب التقسيم بحكم الواقع(de facto partition)  وايجاد نماذج تقود إلى التقسيم الفعلي في هذه الدول.

النموذج الأول :

الدولة الفاشلة (failed states) أو الدولة الهشَّة (states fragile )

وهذان المصطلحان يهددان دولًا مثل سوريا واليمن وليبيا والعراق، ويحدث هذا النوع من التقسيم عندما تطول فترة الانفصال، ويتحول المؤقت إلى دائم، فينتج عنه  التقسيم الجغرافي الناتج عن الحروب الناتجة عن إذكاء النعرات الطائفية والعرقية والمذهبية؛ ما يؤدي إلى تشكُّل هويات واقتصادات جديدة تصبح فيما بعد عائقًا أمام الوحدة، فتصبح الدولة مقسمة بنيويًا على أرض الواقع؛ ولكنها تبقى دولة بالشكل فقط، فاقدة لمقومات الدولة بحكم هذا الانقسام.

النموذج الثاني: الدولة الفيدرالية

وهو نموذج قائم على أنقاض الدولة المركزية، ونموذج العراق أكبر شاهد عليه كيف يُعمل على تقسيمه إلى ثلاث دول، وهذا النموذج يمكن تعميمه على مناطق أخرى في بلاد المسلمين مثل السودان وغيرها من الدول.

النموذج الثالث: أشباه الدول .

وهي أن تفقد الدولة مقوماتها الأساسية، فتفقد القدرة على العيش والبقاء، فتصبح معتمدة على غيرها، فاقدة للإرادة والقرار، وهو ما يميز الدول ذات السيادة، وتعتمد على المساعدات الدولية التي تجعل إرادتها مرهونة، ويكون التدخل في شؤونها، وإذكاء الصراعات داخلها سهل على هذه الدول المتحكمة (الاستعمارية) ومنظماتها الدولية.

يقول أستاذ العلوم السياسية روبرت جاكسون الذي درس نشوء الدول في العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية (أشباه الدول، وهي التي تفرض حكوماتها السيطرة على حدودها؛ ولكنها تفتقد للقدرة التشغيلية للدولة، وتعتمد على المساعدات التي تأتيها من المجموعة الدولية، مثل مصر في الوقت الحالي على سبيل المثال لا الحصر).

مواجهة مخططات التقسيم:

للخروج من الحالة التي ترزح تحتها الأمة اليوم، ولإنهاء حالة التشرذم والانقسام، ومن أجل توحيد الأمة (شعوبها وأعراقها ومذاهبها) والابتعاد عما يفرقها، ولجمع الشعوب في بلاد المسلمين تحت ظل سلطان الإسلام وحكمه، وكذلك لإزالة الحدود المصطنعة التي رسمت بقلم الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، وحتى تنعتق الأمة من الاستعمار، وتملك الأمة إرادتها وسلطانها، نقول الآتي:

1- يجب على الأمة أن تعي ما يخطَّط لها، وأن تعي حجم المخططات التي تحاك ضدها؛ فتفوِّت الفرصة على أعدائها الكفار المستعمرين.

2- يجب على الأمة أن تدرك أن الغرب ينفذ أجنداته عبر وكلائه المحليين من حكام وسياسيين وأحزاب وشخصيات مأجورة؛ فلا تنخدع بهم، بل تتصدى لهم.

3- يجب نبذ الأفكار الهدَّامة التي استخدمها الكفار المستعمرون في حربهم على الإسلام والمسلمين من القومية والوطنية والطائفية والمذهبية المقيتة التي تعمي صاحبها عن الحق وتجعله سهمًا في كنانة أعدائه.

4- يجب أن يرسخ في الأمة معنى الأخوَّة التي تفرضها العقيدة على معتنقيها (إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠) [الحجرات: 10] فهي التي تجعل المسلمين على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم الإسلامية أمة واحدة من دون الناس، ويدًا على من سواهم.

5- يجب أن يرسخ مفهوم الذمة في الإسلام، ويبين للطوائف المختلفة التي تعيش في بلاد المسلمين أنهم مصاني الدماء والأموال والأعراض، وأنهم والمسلمون جميعًا يحملون التابعية الإسلامية؛ فيحكمون بالعدل والإنصاف، ويتمتعون بالأمن والأمان، وأن الغرب بمخططاته هذه يستهدفهم كما يستهدف المسلمين، وهي تشكل خطرًا عليهم لابد لهم من مجابهته.

6- يبين للأمة أن عوامل وحدتها إذا رجعت لدينها أكثر من عوامل فرقتها. فالأمة دينها واحد، وعقيدتها واحدة، وإرثها الثقافي والتشريعي واحد، وتاريخها واحد، وعدوها واحد، وبلادها كان يجمعها دولة واحدة قرابة ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، فتفرقها هو الأمر الغريب والمستهجن وليس وحدتها.

7- يبين للأمة أن الإسلام نجح في سنوات قليلة في أن يصهر شعوبًا كثيرة متباينة القوميات والأديان واللغة والثقافة والقوانين والعادات والتقاليد، فجعلها أمة واحدة موحَّدة الدين واللغة والثقافة والقوانين، فكيف بأمة الإسلام اليوم وهي تملك الكثير من عوامل الوحدة كما بيَّنا آنفًا، فستكون وحدتها أسرع من رد الطرف.

الخاتمة

إن كثرة الخرائط والخطط التي يعكف على إعدادها الغرب، وعلى رأسه أمريكا، من أجل السيطرة على بلاد المسلمين واستعمارها، والحيلولة دون عودة الخلافة، وتوحيد بلاد المسلمين في دولة واحدة توجب على الثلة الواعية في الأمة كشف هذه الخطط الخبيثة، والتصدي لها ومجابهتها، وحشد طاقات الأمة من أجل إحباطها.

ومن جهة أخرى يجب الإيمان بأن مكر الكفار مهما عظم فهو لا شيء أمام مكر الله جل في علاه، قال تعالى: (وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦) [سورة إبراهيم: 46] ،وقال الله عز وجل: (وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠) [سورة الأنفال:30] ، وأن العقبات والصعوبات، وحدود الدم التي عمل الكافر على إيجادها لن تمنع الأمة والثلة الواعية فيها من تحقيق عودة الإسلام للحياة عن طريق إقامة الخلافة، ولا من توحيد بلاد المسلمين في دولة واحدة، ولن يفتَّ في عضد الذين يدفعون عجلة التغيير من المضي قدمًا لتحقيق الغاية المنشودة بالرغم من العراقيل والعقبات والصعوبات، وبالرغم من الدماء والأشلاء، متوكلين على الله سبحانه القوي العزيز، قال تعالى: (ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ٤٠) [الحج: 40].

فتفرُّق الأمة وانقسامها وتشرذمها، والصراعات والحروب وحالات الاستقطاب ستنتهي بإذن الله عز وجل عندما يأذن الله بنصره؛ فتحرِّك العقيدةُ الأمةَ من جديد؛ فتصبح خلقًا جديدًا تقتلع الجبال، فتجتمع على الحكم بالإسلام واقامة الخلافة؛ فتوحد بلادها وشعوبها في دولة واحدة، وتستظل براية واحدة، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، تقاتل بها أعداء الله، فتحرِّر البلاد والعباد، وتفتح الفتوح من جديد، مصداقًا لقوله تعالى: (وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ٦٤) [الأنفال:62-64] وقال تعالى: (هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٢٨ ) [سورة الفتح: 28].

فدولة الخلافة الراشدة الثانية ستجتمع الأمة في كنفها من جديد، وستبذل الأمة الغالي والنفيس حفاظًا عليها لأنها تطبق الإسلام، وتحكم بين الرعية بالعدل والقسط، فينعم من استظل تحت حكمها بالعدل والرفاهية والأمان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت». رواه أحمد، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وحسنه الأرناؤوط.

وفي الختام، يمكننا القول إن عملية التغيير أصبحت حالة مستمرة ومتصاعدة في الأمة، وتؤذن بأننا نعيش المرحلة الأخيرة للحكم الجبري، وانهيار النظم السياسية العفنة، وأن الأمة لديها مشروعًا حضاريًا تسير لإيجاده بخطى ثابتة وعزيمة لا تلين؛ حتى ينفجر ينبوع الحياة من جديد، وحتى يبزغ الفجر بعد ليل بهيم ، وكلنا رجاء من الله سبحانه أن لا يطول هذا المخاض، وأن يزول الألم بنصر مؤزر، خلافة على منهاج النبوة، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *