العدد 421 - السنة السادسة والثلاثون، صفر 1443هـ ، أيلول 2021م

حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

 

حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة اللخمي صحابي بدري، دخل في الإسلام وهاجر مع المسلمين إلى يثرب برفقة سعد بن خولي مولى حاطب، ونزل عند المنذر بن محمد بن عقبة، وقد آخى النبي بينه وبين رحيلة بن خالد، وقد شارك مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته التي غزاها؛ فقد شهد غزوة بدر، وغزوة أحد، وغزوة الخندق وصلح الحديبية، وفتح مكة، كما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في العام السادس للهجرة كرسول برسالة إلى المقوقس عظيم مصر يدعوه فيها إلى الإسلام، فبعث معه المقوقس مارية وأختها سيرين كهدية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. ففي يوم بدر: لما سمع حاطب بن أبي بلتعة منادي النبي عليه الصلاة والسلام يقول: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها. أجاب حاطب وخرج بسيفه. ولما التقى الجمعان عند بدر، أبلى حاطب بن أبي بلتعة بلاءً حسنًا. وفي يوم أحد، ثبت حاطب بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم حين انكشف الناس، وراح هو وبعض الصحابة يذودون عنه وقد عاهدوه صلى الله عليه وسلم على الموت. وشهد حاطب بن أبي بلتعة غزوة الخندق وكانت له قصة يوم الحديبية:

ذكر محمد بن إسحاق: لـمَّا أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لي غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وجعل لها جعلًا على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام.

وذكر البخاري عن عبيد الله بن أبي رافع «سمعت عليَّا يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها» فانطلقنا تعادي بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي، فقلنا: لتخرجنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة، إلى ناس مكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقال: «يا حاطب ما هذا؟» فقال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش – يقول: كنت حليفًا – ولم أكن من أنفَسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صَدَقكم» فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرًا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فأنزل الله سورة الممتحنة:

 (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١)وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب أن رسول الله قد توجَّه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده، لنصره الله عليكم، فإنه منجز له ما وعده. قال: وفي تفسير ابن سلام: أن حاطبًا كتب: إن محمدًا قد نفر، فإما إليكم وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر.

حاطب بن أبي بلتعة رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب مصر.

بعد أن عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا على السلم- صلح الحديبية- لم يركن إلى الدِعة والهدوء، لقد أمره الله عزَّ وجلَّ أن يبلِّغ الرسالة، فبعث صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأرض وحكامها، فأرسل إلى قيصر، وكسرى، والنجاشي… ولـمَّا أراد صلى الله عليه وسلم أن يبعث إلى مصر قال: «أيها الناس، أيُّكم ينطلق بكتابي هذا إلى صاحب مصر وأجره على الله؟ فوثب إليه حاطب بن أبي بلتعة وقال: أنا، يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «بارك الله فيك يا حاطب».

 أخذ حاطب كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدَّ على راحلته وسار إلى مصر، كان يعرف الطريق إليها فقد خرج للتجارة إلى مصر أكثر من مرة. وكان على مصر جريج بن ميناء وكان مصريًا؛ ولكنه كان يحكم مصر من قبل هرقل يجمع له الضرائب ثم يحملها إلى القسطنطينية، وكانت الإسكندرية مقرَّ حكمه.

قَدَّم حاطب بن أبي بلتعه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس فقرأه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى… أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيْتَ فإنَّما عليك إثم القبط، (قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤) [آل عمران: 64]».

التفت المقوقس إلى حاطب بن أبي بلتعة وسأله: «ما منعه إن كان نبيًّا أن يدعو على من خالفه من قومه وأخرجوه من بلده إلى غيرها؟». وصمت حاطب، فأعاد جريج بن ميناء قوله لـمَّا رأى من الحاضرين إستحسانًا: «ما منعه إن كان نبيًّا أن يدعو على من خالفه من قومه وأخرجوه من بلده إلى غيرها أن يسلط عليهم؟» قال حاطب بن أبي بلتعة: «ألست تشهد أن عيسى بن مريم رسول الله؟»، قال الموقس: «بلى»، قال حاطب بن أبي بلتعة: «فما له حيث أراد قومه صَلْبَه لم يدعُ عليهم حتى رفعه الله إليه؟»، فهزَّ المقوقس رأسه إعجابًا وقال: «أحسنت، أنت حكيم، جاء من عند حكيم»، فقال حاطب بن أبي بلتعة: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبِر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك». [إنه يقصد فرعون عندما خرج وراء موسى عليه السلام وبني إسرائيل، فنجا كليم الله وبنو إسرائيل وغرق فرعون ومن معه]. نظر المقوقس إلى حاطب في دهشة وبدت في عيون الموجودين تساؤلات: من أين لذلك العربي مثل هذا العلم؟ واستطرد حاطب: «إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له يهود وأقربهم النصارى (الذين آمنوا بنبوته صلى الله عليه وسلم) ولعمري ما بشارة موسى بعيسى عليهما السلام الا كبشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. فقال المقوقس : إني نظرت في أمر هذا النبي فرأيته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضالِّ، ولا الكاهن الكذَّاب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء – الغائب المستور – والإخبار بالنجوى، وسأنظر. وكتب المقوقس كتابًا جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد… فقد قرأت كتابك وفهمتُ ما ذكرتَ فيه وما تدعو إليه، وقد علمتُ أن نبيًّا قد بقي، وقد كنت أظن أنه يخرج من الشام، وقد أكرمتُ رسولك وبعثتُ لك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبثياب، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك».

توفي حاطب في المدينة المنورة سنة 30 هـ، وعمره 65 سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان. وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل النار، فقد جاء عبد لحاطب بن أبي بلتعة يشكو حاطبًا فقال: يا نبي الله ليدخلنَّ حاطبُ النار. فقال صلى الله عليه وسلم: « كذبت لا يدخلنَّها، إنه شهد بدرًا والحديبية» رواه مسلم. ولحاطب رواية للحديث النبوي عن النبي صلى الله عليه وسلم رواها عنه ابنيه عبد الرحمن بن حاطب ويحيى بن حاطب وعروة بن الزبير.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *