العدد 419 - السنة السادسة والثلاثون – ذو الحجة 1442هـ – تموز 2021م

مقتطفات من سيرة الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (رحمه الله)

إنها سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وخليفة من خلفائها الأماجد، فكيف كان ينظر إليه علماء الأمة؟ قال الذهبي، رحمه الله:» الخليفة عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد العابد السيد، أمير المؤمنين حقًّا، أبو حفص القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفة الراشد، أشج بني أمية« سير أعلام النبلاء.

وعنه قال الصحابي الجليل المعمَّر أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى».

قال الإمام أحمد بن حنبل: لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، بويع له بالخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك عن عهد منه له بذلك، ويقال مولده في سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قُتل فيها الحسين بن علي بمصر، قاله غير واحد، وقال محمد بن سعد: ولد سنة ثلاث وستين. وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد عدَّ بعض أهل العلم عمر بن عبدالعزيز رحمه الله من مجددي هذا الدين، فروى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا». صححه السخاوي في المقاصد الحسنة.

قال ابن كثير رحمه الله: «فقال جماعة من أهل العلم – منهم أحمد ابن حنبل فيما ذكره ابن الجوزي وغيره: إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى، وإن كان هو أولى من دخل في ذلك، وأحق لإمامته وعموم ولايته واجتهاده وقيامه في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب، وكان كثيرًا ما يتشبه به» البداية والنهاية.

قال الزبير بن بكار، حدثني العتبي قال: إن أول ما استبين من عمر بن عبد العزيز حرصه على العلم، ورغبته في الأدب، قال: إن أباه ولي مصر وهو حديث السن، يُشك في بلوغه، فأراد إخراجه معه، فقال: يا أبه! أَوَ غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهاء أهلها، وأتأدَّب بآدابهم، فوجَّهه إلى المدينة، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنَّب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوَّجه بابنته فاطمة، وهي التي يقول فيها الشاعر:

بِنْتُ الخَلِيفَةِ وَالخَلِيفَةُ جَدُّهَا      أُخْتُ الخَلَائِفِ وَالخلِيفَةُ زَوْجُهَا

قال: ولا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها.

وقال ابن وهب: حدثني الليث عن أبي النضر المديني، قال: لقيت سليمان بن يسار خارجًا من عند عمر بن عبد العزيز، فقلت له: من عند عمر خرجت؟ قال: نعم، قلت: تعلِّمونه؟ قال: نعم، فقلت: هو والله أعلمكم، وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر بن عبدالعزيز تلامذة.

وقال عبد الله بن كثير: قلت لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدء إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة. وقد ظهرت عليه مخايل الورع، والدين، والتقشُّف، والصيانة، والنزاهة من أول حركة بدت منه؛ حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدَّة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وأمر أن تُجعل أثمانها في بيت المال بعد بيعها. وقد رد جميع المظالم حتى إنه رد فصَّ خاتم كان في يده وقال: أعطانيه الوليد من غير حقه، وخرج من جميع ما كان فيه من النعيم في الملبس والمأكل والمتاع، حتى إنه ترك التمتع بزوجته الحسناء فاطمة بنت عبدالملك، ويقال: كانت من أحسن النساء، ويقال: إنه رد جهازها وما كان من أموالها إلى بيت المال، وقد كان دخله في كل سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله حتى لم يبقَ له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة، وكان حاصله في خلافته ثلاث مائة درهم.

وكان قبل الخلافة يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدًّا، فيقول: ما أحسنَه لولا خشونة فيه!، فلما ولي الخلافة كان بعد ذلك يلبس الغليظ المرقوع ولا يغسله حتى يتسخ جدًّا، ويقول: ما أحسنه لولا لينه!. وكان سراجه على ثلاث قصبات في رأسهن طين. ولم يبنِ شيئًا في أيام خلافته، وكان يخدم نفسه بنفسه، وقال: ما تركت شيئًا من الدنيا إلا عوَّضني الله ما هو خير منه، وكان يأكل الغليظ من الطعام أيضًا ولا يُبالي بشيء من النعيم، ولا يُتبعه نفسه ولا يودُّه، حتى قال أبو سليمان الداراني: كان عمر بن عبد العزيز أزهد من أويس القرني؛ لأن عمر ملك الدنيا بحذافيرها وزهد فيها، ولا ندري حال أويس لو ملك ما ملكه عمر كيف يكون، ليس من جرَّب كمن لا يجرِّب.

ولما بايعه الناس، واستقرَّت الخلافة باسمه، انقلب وهو مغتمٌّ مهموم، فقال له مولاه: ما لك هكذا مغتمًّا مهمومًا، وليس هذا بوقت هذا؟ فقال: ويحك، وما لي لا أغتمُّ وليس أحد من أهل المشارق والمغارب من هذه الأمة إلا وهو يطالبني بحقِّه أن أؤدِّيَه إليه، كتب إليَّ في ذلك أو لم يكتب، طلبه مني أو لم يطلب. ثم إنه خيَّر امرأته فاطمة بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها، وبين أن تلحق بأهلها، فبكت وبكى جواريها لبكائها، فسمعت ضجة في داره، ثم اختارت مقامها معه على كل حال، رحمها الله.

ثم أخذ أموال جماعة من بني أمية فردَّها إلى بيت المال وسمَّاها أموال المظالم، فاستشفعوا إليه بالناس، وتوسَّلوا إليه بعمَّته فاطمة بنت مروان، فلم ينجع فيه، ولم يردَّه عن الحق شيء، وقال لهم: واللهِ لتدعني وإلا ذهبت إلى مكة فنزلت عن هذا الأمر لأحقِّ الناس به.

وقال إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر، قال: لما استُخلف عمر بن عبد العزيز قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام، وإني لست بقاضٍ، ولكني منفذ، وإني لست بمبتدِع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا إن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي رواية: وإني لست بخير من أحد منكم، ولكني أثقلكم حِملًا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا هل أسمعت؟

وقد اجتهد، رحمه الله، في مدة ولايته – مع قصرها – حتى ردَّ المظالم، وصرف إلى كل ذي حقٍّ حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارِمون؟ أين الناكِحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلًّا من هؤلاء.

قالت زوجته فاطمة: دخلت يومًا عليه وهو جالس في مصلاه واضعًا يده على خدِّه ودموعه تسيل على خديه، فقلت: ما لك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، إني قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب، والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن لا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي، فبكيت.

وقال مالك بن دينار رحمه الله: يقولون: مالك زاهد، أي زهد عندي، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها، وقالوا: ولم يكن له سوى قميص واحد، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس، وقد وقف مرة على راهب فقال له: ويحك، عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر:

تَجَرَّدْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ إِنَّمَا      خَرَجْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُجَرَّدُ

قالوا: فكان يعجبه ويكرره، وعمل به حق العمل.

قالوا: ودخل على امرأته يومًا فسألها أن تقرضه درهمًا أو فلوسًا يشتري له بها عنبًا، فلم يجد عندها شيئًا، قالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنبًا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غدًا في نار جهنم. وكان له سراج يكتب عليه حوائجه، وسراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفًا.

قال مقاتل بن حيان: صليت وراء عمر بن عبد العزيز فقرأ (وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡ‍ُٔولُونَ ٢٤) [الصافات: 24] فجعل يكررها وما يستطيع أن يجاوزها. وقالت امرأته فاطمة: ما رأيت أحدًا أكثر صلاة وصيامًا منه، ولا أحد أشد خوفًا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها.

ومن أقواله العظيمة رحمه الله: اللهم أصلح من كان في صلاحه صلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأهلك من كان في هلاكه صلاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال: أفضل العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وقال: لو أن المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى يحكم أمر نفسه لذهب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقلَّ الواعظون والساعون بالنصيحة. وقال أيضًا: لقد بورك لعبد في حاجة أكثرَ فيها من الدعاء أُعطي أو مُنع. [البداية والنهاية]

قال الذهبي رحمه الله: «كان هذا الرجل حسن الخَلق والخُلُق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة، حريصًا على العدل بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أوَّاهًا منيبًا، قانتًا لله حنيفًا زاهدًا مع الخلافة، ناطقًا بالحق مع قلَّة المعين، وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملُّوه وكرهوا محاققته لهم، ونقصه أُعطياتهم، وأخذه كثيرًا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق، فما زالوا به حتى سقَوه السُّم، فحصلت له الشهادة والسعادة، وعُد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين» سير أعلام النبوة.

قال ابن كثير، رحمه الله: «وسبب وفاته، قيل سببها السل، وقيل سببها أن مولى له سمَّه في طعام أو شراب، وأُعطي على ذلك ألف دينار، فحصل له بسبب ذلك مرض، فأُخبر أنه مسموم، فقال: لقد علمت يوم سُقيت السُّم، ثم استدعى مولاه الذي سقاه، فقال له: ويحك، ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ألف دينار أُعطيتُها، فقال: هاتِها، فأحضرها فوضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك».

ثم قيل لعمر: تداركْ نفسك، فقال: والله لو أن شفائي أن أمسح شحمة أذني، أو أُوتى بطيب فأشمه ما فعلت، فقيل له: هؤلاء بَنوك – وكانوا اثني عشر – ألا توصي لهم بشيء، فإنهم فقراء؟ فقال: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف: 196]، والله لا أعطيهم حق أحدٍ، وهم بين رجُلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه – وفي رواية: فلا أبالي في أي وادٍ هلك، وفي رواية: أفأدع له ما يستعين به على معصية  الله، فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت؟ ما كنت لأفعل – ثم استدعى بأولاده فودَّعهم وعزَّاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام، ثم قال: انصرفوا عصمكم الله، وأحسن الخلافة عليكم. قال: فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرسًا في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك – مع كثرة ما ترك لهم من الأموال – يتعاطى ويسأل من أولاد عمر ابن عبد العزيز؛ لأن عمر وكل ولده إلى الله عز وجل، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم من الأموال الفانية، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم.

ولما احتضر قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: إلهي، أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت – ثلاثًا – ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحدَّ النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جان، ثم قُبض من ساعته، وفي رواية أنه قال لأهله: اخرجوا عني، فخرجوا، وجلس على الباب مسْلَمةُ بن عبد الملك، وأخته فاطمة، فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قرأ: (ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين) [القصص: 83]، ثم هدأ الصوت، فدخلوا عليه فوجدوه قد غُمِّض، وسُوِّيَ إلى القبلة، وقُبض».

وكانت وفاته سنة إحدى ومئة، بدير سمعان من قرى حمص في الشام، وكانت مدة مرضه عشرين يومًا. وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان عمره حينذاك تسعًا وثلاثين سنة ونصفًا».

رحم الله عمر بن عبدالعزيز، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *