العدد 410 - السنة الخامسة والثلاثون – ربيع الأول 1442هـ – تشرين الأول 2020م

 يهود أقروا بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسلموا

– أجدك مثلك ومثل هيئتك:

روى الطبراني في المعجم الكبير عن الفَلْتَانِ بن عَاصِمٍ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ، فَشَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: «يَا فُلانُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلا يُنَازِعُهُ الْكَلامَ إِلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟». قَالَ: لا، قَالَ: “أَتَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، وَالإِنْجِيلَ، قَالَ: «َالْقُرْآنَ؟» قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَشَاءُ لَقَرَأْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ نَاشَدَهُ، قَالَ: «تَجِدُنِي فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ؟» قَالَ: أَجِدُكَ مِثْلَكَ، وَمِثْلَ هَيْئَتِكَ، وَمِثْلَ مَخْرَجِكَ، وَكُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنَّا، فَلَمَّا خَرَجْتَ تَحَيَّرْنَا أَنْ تَكُونَ أَنْتَ هُوَ، فَنَظَرْنَا وَإِذَا لَيْسَ أَنْتَ هُوَ. قَالَ: «وَلِمَ ذَلِكَ؟» قَالَ: إِنَّ مَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ سبعين أَلْفًا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ، وَمَعَكَ نَفَرٌ يَسِيرٌ. قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنَا هُوَ، وَإِنَّهُمْ لأُمَّتِي لأَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا  وَسَبْعِينَ أَلْفًا».

–  إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك:

روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي صخر العقيلي قال حدثني رجل من الأعراب، قال: جَلَبْتُ جَلُوبَةً إِلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ بَيْعَتِي، قُلْتُ لَأَلْقَيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَلَأَسْمَعَنَّ مِنْهُ، قَالَ فَتَلَقَّانِي بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ فَتَبِعْتُهُمْ فِي أَقْفَائِهِمْ حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ نَاشِرًا التَّوْرَاةَ يَقْرَؤُهَا، يُعَزِّي بِهَا نَفْسَهُ عَلَى ابْنٍ لَهُ فِي الْمَوْتِ كَأَحْسَنِ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِكَ ذَا صِفَتِي وَمَخْرَجِي». فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا أَيْ لَا. فَقَالَ ابْنُهُ إِنِّي وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا صِفَتَكَ وَمَخْرَجَكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: أَقِيمُوا الْيَهُودَ عَنْ أَخِيكُمْ ثُمَّ وَلِيَ كَفَنَهُ وَحَنَّطَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ.

–  سيدا بني النضير:

أما من الأخبار العجيبة التي تؤكد معرفة أهل الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم وجحدهم لنبوته صلى الله عليه وسلم رغم الدلائل الباهرة والأمارات الظاهرة، فهو قصة سيدا بني النضير «حيي بن أخطب»، وأخوه «أبو ياسر»، تروي لنا هذا الخبر أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها بعد إسلامها؛ جاء في كتب السير عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أَحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالَّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم، واللهِ. قال: أتعرفه، وتثبّتَّه؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله!.

–  نصارى نجران والطمع في الدنيا:

ومن أخبار الضلال عن الحق بسبب الطمع في الدنيا والحرص على المكانة، قصة وفد نجران مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يعرفون نبوته ويقرون برسالته، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه إليهم يدعوهم فيه إلى الإسلام، فلما قرأ الأسقف الكتاب فزع به وذعر ذعرًا شديدًا، ثم دعا أهل الرأي في نجران فأطلعهم على الكتاب وتشاوروا فيه، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا وفدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاختاروا ستين راكبًا، منهم أربعة عشر من أشرافهم، يتزعمهم ثلاثة منهم، وهم: العاقب، وكان أمين القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبد المسيح. والسيد، وكان عالمهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم. وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وكان أسقفهم وحبرهم، وإمامهم وصاحب مراميهم.

وكان أبو حارثة قد شرُف فيهم حتى حسن علمه في دينهم، وكانت ملوك الروم من النصرانية قد شرفوه وقبلوه وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من اجتهاده في دينهم، فلما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجهًا إلى المدينة، وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة يُسايره في الطريق، فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: تعس الأبعد – يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست!. فقال: ولمَ يا أخ؟. قال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر! قال له كرز: وما يمنعك وأنت تعلم هذا أن تتبعه؟!.

قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم؟ شرفونا وأمرونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو قد فعلت نزعوا منا كل ما ترى، فأضمر الإسلام أخوه كرز بن علقمة، وأسلم بعد ذلك.

– وفد نصارى نجران والملاعنة:

ولا ينتهي العجب من نصارى نجران عند هذا الموقف، فقد ذكر ابن إسحاق أن وفد نصارى نَجْران، لما قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة دخلوا عليه مَسْجِدَه حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرَات: جُبَب وأرْدية، يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعُوهم فصلّوا إلى المشرق. ثم دار بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حوار دعاهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وأقام عليهم الحجة وأزال الشبهة. فلما كلمه الحَبْران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسْلِمَا» قالا: قد أسلمنا. قال: «إنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فأسْلِما». قالا: بلى، قد أسلمنا قبلك. قال: «كَذَبْتُمَا، يمْنَعُكُمَا مِنَ الإسْلامِ دُعَاؤكُما لله ولدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ، وأكْلُكُمَا الخِنزيرَ». قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فَصَمَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم، صَدْرَ سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله والفَصْلُ من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إنْ رَدّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا: يا أبا القاسم، دَعْنَا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبدَ المسيح، ماذا ترى؟. فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرَفْتم أن محمدًا لنبيٌّ مرسل، ولقد جاءكم بالفَصْل من خَبَر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعَن قوم نبيًا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صَغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعُوا الرجلَ وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجعَ على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضًا.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *