العدد 410 - السنة الخامسة والثلاثون – ربيع الأول 1442هـ – تشرين الأول 2020م

محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

لقد ورد في القرآن الكريم آيات تشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بكريم الصفات، ونحن في هذا المقام لسنا في وارد تفسير هذه الآيات، وإنما نعرج فيها إلى عظيم شهادة الله له، وكفى بالله شهيدًا.

قال تعالى: (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ)[الأنبياء: 107]. قال ابن عباس إن الله أرسل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم. فهو رحمة الله المهداة لعباده، فعن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادعُ على المشركين، قال :»إني لم أبعث لعَّانًا، وإنما بعثت رحمة». أخرجه مسلم. وبعد أن رد أهل الطائف طلبه النصرة منهم وآذوه في ذلك، نادى ملك الجبال سيدنا محمد أنه قد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».

وقال تعالى: ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦) [الأحزاب: 45-46] قال سعيد عن قتادة: ( شَٰهِدٗا ) على أمته بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم، (وَمُبَشِّرٗا)للمؤمنين برحمة الله وبالجنة، (وَنَذِيرٗا) للعصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد، (وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ) ومبلغًا دين التوحيد وداعيًا إلى الأخذ به، ( وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا) هاديًا من الضلالة.

– وقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ)[القلم: 4] عن قتادة، قال: سألتُ عائشة عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «كان خلقه القرآن» أي صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سجية له، وخلقًا تطبَّعه، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء، والكرم، والشجاعة، والصفح، والحلم، وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟

وقال تعالى: (لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ) [الشعراء: 13] وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حمّل نفسه في تبليغ الرسالة فوق ما يُطيق، وفوق ما يطلبه الله منه حِرْصًا منه على هداية الناس، وإرجاعهم إلى منهج الله؛ ليستحقوا الخلافة في الأرض، ولأن من شروط الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. والحق تبارك وتعالى يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال له في سورة الكهف: (فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا) وكما قال في سورة فاطر:( فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ ) أي يسِّر على نفسك، ولا تُكلِّفها تكليفًا شاقًّا مُضْنيًا.

– وقال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤ )[الأنفال:24] أي يا أيها الذين صدَّقوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولًا استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم لما يحييكم من الحق. ففي الاستجابة إصلاح حياتكم في الدنيا والآخرة. والله سبحانه هنا، كما في كثير من الآيات، يشرف رسوله بأن يجعل الاستجابة للرسول استجابة له.

وقال تعالى: (لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٢٨) [التوبة: 128] يقول تعالى ممتنًا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، أي من جنسهم وعلى لغتهم، يعرفون نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته… وعن علي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسَّني من سفاح الجاهلية شيء». وقوله: (عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ  )أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها. وقوله تعالى: (حَرِيصٌ عَلَيۡكُم ) أي على هدايتكم .ولقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته وما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينه لهم. (بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ) فهو الذي جسّد الرحمة في أقواله وأفعاله وعلاقاته، وفي كل خطوة من خطوات رسالته، حتى كان هو ورسالته المثال الأعلى للرحمة.

وقال تعالى:( قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ  ٣١) [آل عمران 31] ورد في تفسير الطبري: قال أبو جعفر: ذكر بعض أهل التأويل في السبب الذي أنـزلت هذه الآية فيه: أنـزلت في قوم قالوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنا نحب ربنا، فأمر الله عزَّ وجلَّ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: «إن كنتم صادقين فيما تقولون فاتبعوني، فإن ذلك علامة صِدْقكم فيما قلتم من ذلك» وهي علامة صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه.

وقال تعالى: ( قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤)أمر الله تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته وأمواله وتجارته ومساكنه الطيبة الجميلة على الله وعلى رسوله وجهاد في سبيله أن يتربصوا أي ينتظروا ماذا يحل بهم من عقابه ونكاله بهم ووصفَهم لذلك بالفاسقين. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

وقال تعالى: (لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ٦٣).

ورد عند تفسير هذه الآية عن قتادة قوله: إن الله أمر أن يُهاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يبجَّل وأن يعظَّم وأن يسوَّد .وقال مقاتل: لا تُسَمُّوه إذا دعوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا بن عبد الله؛ ولكن شرِّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا من باب الأدب مع رسول الله. وقوله تعالى: ( فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وأمره هو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من كان. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفَراش وهذه الدواب اللاتي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحمن فيها. قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها».

وقال تعالى:(لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١)[الأحزاب: 21] والأسوة القدوة، وهو ما يتأسى به ويقتدى به في جميع أفعاله، ويُتعزى به في جميع أحواله، فلقد شج وجهه، وكسرت رباعيته، وقتل عمه حمزة، وجاع بطنه، ولم يُلفَ إلا صابرًا محتسبًا، وشاكرًا راضيًا. أخرج الترمذي عن أنس قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين. وقال صلى الله عليه وسلم لما شج: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وهناك آيات وآيات لا تسمح مساحة المقال بذكرها كلها، ومن هذه الآيات:

قوله تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦) [الأحزاب: 56]. وقوله تعالى: ( وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥) [النساء: 115]. وقوله تعالى: (مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠)[النساء: 80]. وقوله تعالى: (فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩) [آل عمران: 159]. وقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠) [الأحزاب: 40].

هذا غيض من فيض ما وصف الله سبحانه وتعالى رسوله، وهل بعد شهادته تعالى لرسوله الكريم شهادة. وإننا نقول إنه إذا كرهتْ سيدَنا محمدًا نفوسٌ فلأنها تكره الحق، فالمشكلة فيها وليس في أشرف الخلق على الله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *