العدد 410 - السنة الخامسة والثلاثون – ربيع الأول 1442هـ – تشرين الأول 2020م

الرد على ماكرون ليس ما يسمعه اليوم بل ما سيراه قريبًا إن شاء الله: خلافة راشدة على منهاج النبوة

في 02/10/2020م، وفي تصريح مستفز للمسلمين، ليس في فرنسا فحسب، بل في كل مكان في العالم، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلًا: «الإسلام دين يمر اليوم بأزمة في جميع أنحاء العالم، ولا نراها في بلادنا فقط» وأضاف: «هناك في هذا الإسلام الراديكالي، الذي هو صلب موضوعنا… إرادة علنية لإظهار تنظيم منهجي يهدف إلى الالتفاف على قوانين الجمهورية وخلق قانون موازٍ له قيم أخرى، وتطوير تنظيم آخر للمجتمع» واعتبرها «نزعات انفصالية» يجب مواجهتها، وبالأخص «النزعة الإسلاموية المتطرفة». ولمواجهة هذه الإرادة العلنية طرح ماكرون خطة عمل تهدف إلى «مكافحة من يوظفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية» ووفق ما أفاد قصر الإليزيه، إن «هذا التهديد يتطلب ردًا مزدوجًا: دفاعيًا عبر مشروع قانون، وآخر إيجابيًا لأنه يتمثل في إحياء الجمهورية، وقيمها حول التحرر والمساواة». ووعد الرئيس بالذهاب «أبعد وأقوى» لتعزيز «المساواة في الفرص» في الأشهر القادمة. ومن المفترض أن يعلن خاصة تعزيز وتعديل قانون عام 1905 حول فصل الكنيسة عن الدولة الذي يمثل عماد العلمانية الفرنسية.

من يقرأ هذه السطور يرَ أن الذي يعيش أزمة حضارية حقيقية هي العلمانية وديقراطيتها الفاسدة ورأسماليتها المتوحشة، وتحديدًا فرنسا التي تدعي أنها هي منبعها، وليس الإسلام كما يدعي ماكرون هذا نفاقًا، وكل ما في الأمر هو أن المسلمين الذين يحملون جنسيتها لم يرَوا في العلمانية هذه لا فكرًا ولا طريقة حياة يطمئنون لها، ولم يندمجوا بها، بل رأوا فيها خطرًا عليهم وعلى أجيالهم، واعتبروا المجتمعات التي يعيشون فيها فاسدة… فحافظوا على قيمهم الدينية ليحفظوا بها أنفسهم، وقاموا بما يحفظ أولادهم ويمنعهم من الاندماج في تلك المجتمعات الفاسدة، بل أكثر من ذلك راحوا يقنعون الفرنسيين الذين هم من غير أصول إسلامية بالدخول في الإسلام، وهذا ما جعل ماكرون يصرح بهذا التصريح المجنون، متهمًا الإسلام بدل أن ينسب الفشل والعجز لمبدئه الفاسد وحضارته المتهاوية.

إن فرنسا يعيش مسؤولوها هاجس التفكك الداخلي نتيجة وجود ما تسميه نزعات انفصالية داخل مجتمعها، وهي مستنفرة من الرئيس، إلى الحكومة، إلى مجلس الشيوخ، ساعين إلى تقديم مشاريع قوانين لمعالجتها، وفرض العلمانية فرضًا على مواطنيها، وهذا هو الإفلاس بعينه، ففي تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي ورد أن التطرف الإسلاموي هو اليوم واقع ملموس في العديد من الأحياء، وأن دعاته يسعون اليوم لوضع اليد على الإسلام في فرنسا… ويسعون لتحقيق الانفصالية في عدد من المدن… وأن الإسلاموية المتطرفة تسعى لفرض قيم جديدة والتنكر لقيم الجمهورية. واعتبر وزير الداخلية الفرنسي دارمانان أن «الإسلام السياسي هو العدو القاتل للجمهورية»

هذا الواقع الذي تعيشه فرنسا، وهذا المسعى الجاد من سياسييها، وهذه التصريحات المنكوسة… لتكشف فعلًا عن أزمة تعيشها فرنسا، وأوروبا، وأمريكا بديمقراطيتها وعلمانيتها؛ حتى بات الكثير من مفكريهم يشككون في مفاهيم الديمقراطية ويرون فشلها وإفلاسها ويتوقعون زوالها، ومنهم من يذكر أن الإسلام هو البديل. وهذا يدركه قادة البلاد السياسيون أكثر من غيرهم، وهذا ما يجعلهم يجن جنونهم ويعكسون الحقائق.

هذا التصريح من ماكرون استنفر الكثير من المسلمين الذين انبروا يردون عليه ويدافعون عن الإسلام، ولقد كان استنفارهم هذا كاشفًا عن محبة للإسلام أكبر مما كان يتوقعه ماكرون نفسه، وكانت لهم ردود مختلفة طيبة، وهذا الاستنفار العام وهذه الردود أعطت صورة واضحة للغرب ولماكرون على أن المسلمين يشكلون مع بعضهم أمة واحدة، مهما أقاموا لهم من حدود مصطنعة… ولكن هذه الردود لن تثني ماكرون ولا غيره عن المضي في هذه السياسة العدائية للمسلمين، وردَّ واحد فقط هو الذي يثنيهم، وهو أن يعي المسلمون أن الرد لا يكون من أفراد مهما كانت حجتهم واضحة ولا من جماعات، بل من دولة. فماكرون يصرح ويخطط ويرسم سياسة بلده كرئيس لدولة، ويقر خطة محاربة الإسلام وتشويه صورته ويسخر إعلامه كدولة، ويضع سياسته الخارجية التي تركز على محاربة الإسلام كدولة… فهل يمكن إيقاف سياسته وكيده وتبوير خططه بالمقالات وبالرد عليه فكريًا فقط، إن هذا مطلوب حتى يعي المسلمون على حقيقة ما يجري من تخطيط إجرامي بحق الإسلام والعاملين لتحكيمه في حياة المسلمين المخلصين الواعين، والذين يتهمهم ماكرون بأنهم متطرفون، إسلامويون، انفصاليون… ولكن هذا وحده غير كاف، فلا بد للمسلمين من أن يكون ردهم مكافئًا، دولة تواجه دولة، وذلك كما حدث مع السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله حين أوقف مسرحية كانت معدة للاستهزاء بالإسلام… فهذا الإفك قديم، ويجب على المسلمين أن تكون لهم دولة حتى يمنعوا مثله من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» نعم إن المسلمين آثمون إذا لم يقيموا لهم دولة إسلامية تقيم الإسلام كله في حياة المسلمين، وتحفظ عليهم كراماتهم وتحمي بيضتهم، وترد عن دينهم وقرآنهم ورسولهم استهزاء المستهزئين وكيد الكائدين. قال تعالى: (ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ٤١) وقد جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية: «وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: (ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ…) ثم قال: إلا أنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولَّى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكرهة، ولا المخالف سرها علانيتها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *