العدد 409 - السنة الخامسة والثلاثون، صفر الخير 1442هـ الموافق تشرين الأول 2020م

النهضة والاستئناف الحضاري (1)

لطفي أبو محمد – الجزائر

النهضة هي إيجاد قاعدة فكرية للإنسان تكون مرتكزًا له في الحكم على الأفكار والميولات وتحدد له نمط عيش متميز. فالحكم على الإنسان بكونه ناهضًا أم منحطًا يكون بحسب سلوكه الذي هو نتيجة حتمية لتفاعل مفاهيمه وميولاته عند رغبته إشباع جوعاته، سواء الغرائزية منها أم العضوية. فالبحث عن الطريق المؤدي إلى النهضة موضوع تناولته الكثير من البحوث والدراسات التي سعت لإيجاد تفسيرات لظاهرة النهضة والسبيل الموصل إليها، خاصة وأن هناك إجماعًا حول حالة التخلف التي تسود الأمة والتي جعلت من أبنائها يعقدون المقارنات الواحدة تلو الأخرى، وفي الأخير يصلون إلى هزيمة داخلية وقناعة أنتجت وهنًا وهزالًا استغله الغرب في فرض هيمنته الفكرية على عقولٍ دب فيها الضعف. وفي المقابل، إنه لمن المعلوم أن الحضارات تتصادم وتتدافع تبعًا لقانون التدافع ومعيار الانهزام الحضاري هو الاستسلام، أو كما وصفها ابن خلدون «كل مغلوب مفتون بتقليد الغالب».

فالحضارة الرأسمالية التي يمثلها الغرب والشرق تتبنى مفهومًا معينًا للحياة تريد أن يُصبغ العالم كله به، فعلى حد قول هنتيغنتون: «إن غير الغربيين مطالبون بالتخلي عن جميع قيمهم، وتبني مفاهيم الغرب في جميع شؤونهم المتعلقة بالحكم والاقتصاد والتعليم وفي جميع مؤسساتهم؛ لأنها هي المفاهيم الوحيدة المؤدية إلى التحضر». فالرأسمالية تزعم أن خالق الكون لا دخل له بتسيير أمور العباد؛ فكان أن انبثقت عن هذه الفكرة الأساسية تشريعات سارت في منحى منحرف أهملت الإنسان واعتبرته مجرد رقم، واهتمت بتكثير المال وتنويعه، ووسعت الهوة بين الأثرياء والفقراء، وقنَّنت للنهب تحت مسميات مختلفة. فكل هذا التيه الذي يعيشه العالم هو نتيجة طبيعية للرأسمالية بكل ما تحمله من فكر ومؤسسات. وعليه فالأنظار أصبحت متوجهة إلى الإسلام باعتباره أنه هو الوحيد القادر على تصحيح المنحى وإعادته إلى جادّته، خاصة مع ما يمتلكه من موروث فقهي وتاريخي يجعله في وضع طبيعي لقيادة العالم. إن الإسلام وتشريعاته المتميزة أثبتت جدارتها تاريخيًا في الارتقاء بالإنسان والمجتمع، خاصة وأنها تشريعات منبثقة عن فكرة كلية صحيحة تجعل هذا الكون والإنسان والحياة يرى بنور الله؛ فتستقيم الدنيا ويتحقق مفهوم العبودية الحقة. فالأمة الإسلامية ليست أية أمة، وفي عنقها مسؤولية تجاه نفسها وغيرها من الشعوب، فهي أمة ذات رسالة حضارية ربانية راقية. وعليه فبناءً على ما تقدم ذكره فإن هذه الورقة تسعى إلى طرح مقاربة فكرية تحاول من خلالها مناقشة مفهوم النهضة وعلاقته بالاستئناف الحضاري وما يتعلق بهما من مفاهيم. وتهدف أيضًا إلى المساهمة في النقاش الدائر حول السؤال القديم الحديث «لماذا تقدم غيرنا وتخلفنا نحن؟».

لايزال موضوع النهضة يسيل الكثير من الحبر والنقاشات بين أهل الاختصاص من أجل الوصول إلى التركيبة ذات الفعالية في إحداث إقلاع حضاريٍّ، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تعيشها الأمة الإسلامية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؛ مما جعل الحديث عن النهضة لا يكاد ينفصل عن أي نقاش جاد. فالأطروحات تختلف باختلاف المشارب، فهناك من يعتبرها في جانب التكنولوجيا، وآخر في الأخلاق، وغيره في الاقتصاد، وغيرها الكثير… وهكذا لا تنتهي الوصفات وتتنوع بتنوع وجهات النظر والزوايا التي يتم من خلالها النظر إلى المشكلة. وللأهمية الكبرى التي تنطوي عليها النهضة وآثارها في تحقيق الازدهار والنماء، فإن المؤرخين المتقدمين والمتاخرين سعوا إلى إيجاد تفسيرات لحركة النهضة والانحطاط منذ التاريخ القديم وحتى وقتنا المعاصر، وينطلقون في ذلك من خلال تقسيم مراحل النهضة إلى أربعة:

  1. الحضارات القديمة التي تشكلت في مناطق متعددة وتركت آثارًا لا زال الكثير منها قيد التدقيق والاختبار كالحضارة المصرية والسومرية والأشورية والبابلية والفارسية واليونانية وغيرها، وكان آخرها الحضارة الرومانية التي بسطت سيطرتها على حوض البحر الأبيض المتوسط لتجعل منه بحيرة رومانية خالصة؛ ولكن دورة الحياة لهذه الحضارة وصل إلى نهايته خلال القرن الخامس ميلادي.

  2. العصور الوسطى، والتي تميزت بوجود وافد جديد إلى قاموس الأمم الناهضة، ألا وهو الحضارة الإسلامية التي بزغت شمسها في الشرق وانتقل شعاعها إلى جزء كبير من المعمورة ممتدة من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا مخترقة أوروبا وصولًا إلى حدود فرنسا، بعد أن اجتاحت إسبانيا أو بلاد الأندلس. في الوقت نفسه كان الغرب يعيش تحت وطأة الظلام الدامس لقرون عديدة عرفت فيه أوروبا المجاعة والطاعون والفقر والاستبداد. استمر الحال على ماهو عليه إلى بدايات القرن الخامس عشر حين بدأت موازين القوى تميل لصالح أوروبا وحضارتها الرأسمالية التي نشأت نتيجة للصراع الدامي بين الكنيسة من جهة وبين المفكرين من جهة أخرى.

  3. مع إطلالة القرن السابع عشر، ومع انتهاء «الثورة المجيدة» 1688–89 Glorious Revolution في بريطانيا، والتي جاءت بتغيير سياسي جذري كان من نتائجه التحول السياسي الذي أسس للنظام الديمقراطي والرأسمالي، ومن خلاله تم رسم معالم الطريق أمام التحفيزات الاقتصادية من أجل الولوج إلى عالم الصناعة والتصنيع إبان الثورة الصناعية التي انطلقت من بريطانيا ثم إلى معظم أوروبا وأمريكا. ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة للحضارة الإسلامية التي كانت تعيش أوقاتًا صعبة نتيجة لتراكمات الأزمات السياسية والمالية والضغوط الممارسة من قبل الدول الأوروبية، ووصل الأمر إلى أن أصبحت الدولة الإسلامية ممثلة في العثمانيين توصف بالرجل المريض. تميَّز هذا العصر ببروز تيار فكري في أوروبا سعى إلى تاصيل كثير من المفاهيم الاجتماعية التي كانت تعتبر جديدة بالنسبة للمجتمع الأوروبي كمفهوم الدولة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم ومجموعة القيم والحقوق والملكيات وتوزيع الثروة والضرائب وغيرها.

  4. شهد القرن العشرين تحولات جيو سياسية كبيرة كان أبرزها سقوط الدولة العثمانية سنة 1924م، والانحسار الشديد للحضارة الإسلامية التي امتدت على مدى قرون طويلة استطاعت فيه أن تقدم للبشرية نمطًا مميزًا من العيش جعل الكثيرين ينبهرون بقدرته العالية على الاستمرارية لفترة زمنية طويلة مقارنة مع بقية الحضارات الإنسانية. ولكن سنن الحياة اقتضت أن تميل الكفة إلى الحضارة الغربية ومشروعها السياسي والاقتصادي اللذين سادا العالم خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وبروز الفكر الاشتراكي ودولته التي لم تعمِّر كثيرًا في ظل المزاحمة السياسية التي كانت تواجهها من قبل أصحاب المبدأ الرأسمالي الذي ما زال مستمرًا في تصدُّره رغم الكثير من التشققات التي يعاني منها أساسه الفكري الذي أنتج واقعًا لم تعرف البشرية مثيلًا له في النزول بالإنسان وقيمه إلى أرذل المراتب.

   وقد تعددت التفسيرات لسيرورة الحضارات وأفولها، فمنهم من فسَّرها على أنها أمر حتمي، فكل بداية لها نهاية. ويعتبر شبنغلر الفيلسوف الألماني المتوفى سنة 1936م، أحد روَّاد هذا الطرح حيث يقول: «إن لكل حضارة مصيرها الفردي، وتمر بفترات النشوء والازدهار والموت. وعنده أن الحضارة الغربية التي تبدأ من القرن التاسع عشر – أي من قيام الرأسمالية – قد دخلت مرحلة الانهيار، وكان ازدهارها في عصر الإقطاع»[1]. وفي المقابل، فان المؤرخ والفيلسوف البريطاني توينبي المتوفى سنة 1975م، فإنه يركز على التحديات الداخلية والخارجية والتي بحسبه تساهم بشكل فعَّال في إدارة عوامل الإنتاج مما يؤدي إلى نشاط حيوي في المجتمع تقوده النخبة الواعية، وتسعى إلى استغلاله في الصالح العام للمجتمع. ويقول: «إن تاريخ العالم يسير في دورات كبرى من الارتفاعات والانخفاضات، وهو محصلة كلية للحضارات المختلفة التي تمر بالمراحل نفسها: الميلاد، والنمو، والسقوط، والتفكك، والتدمير»[2]. ويضيف توينبي أن السبب وراء سقوط الحضارات يمكن تلخيصه في عدم قدرة النخبة على مواجهة التحديات المستمرة وعجزها عن تقديم البديل، فيقول: «عندما تنحط الأقلية الخلاَّقة في تاريخ أي مجتمع من المجتمعات إلى أقليّة مسيطرة تحاول أن تحافظ بالقوة على مركز لم تعد تستأهله، هذا التبدل الهدَّام في طبيعة العنصر الحاكم يحفز البروليتاريا (الأكثرية) على الانفصال عنه والتخلي عن تلقائيّتها وحريتها في الانجذاب إليه ومحاكاته… وهكذا يشكل سقوط الحضارة طبقة محاربة داخل مجتمع واحد لم يكن كيانه في دور النمو الحضاري منقسمًا على ذاته انقسامات حادة…»[3]. ولعل الفيلسوف الألماني هيغل المتوفى سنة 1831م، والذي عايش الثورة الفرنسية، وكان للمدراس الفلسفية كالعقلانية الفرنسية لديكارت والفلسفة التجريبية الإنكليزية لهوم والفلسفة الألمانية أثر واضح في تكوينه الفكري، برز من خلال ما طرحه في مشروعه الفلسفي القائم على أن «التناقض هو جوهر جميع الظواهر والأشياء، وهذا النضال هو منبع كل نمو «فالنهضة والانحطاط حدثان لا ينعزلان عن بعض ضمن تركيبة تراكمية تتصارع فيها الأحداث والمواقف، وينتج عنها حركة تؤدي إلى إفراز أوضاع جديدة.

لقد كان لهيغل الأثر الكبير في الإنتاج الفلسفي في الغرب، خاصة وأن نظريته الجدلية وجدت لها أتباعًا كثيرين، من بينهم الكاتب الأميركي ذو الأصل الياباني «فرانسيس فوكوياما» الذي ذاع صيته بعد إصداره كتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» والذي يحاول فيه التسويق للنموذج الغربي بشكله العام والأمريكي منه بشكله الخاص. ويرى أن التاريخ قد انتهى بوصول الليبرالية إلى درجة عالية من الرقي مما يجعلها في حالة من الثقة بما تملكه من ثروة مادية وعلمية تجعل بقية الأمم في حالة سعي دؤوب لاستنساخ التجربة الأمريكية. فالحضارة الرأسمالية التي يمثلها الغرب والشرق تتبنى مفهومًا معينًا للحياة تريد أن يُصبَغ العالم كله به، فعلى حد قول هنتيغنتون الآنف الذكر: «إن غير الغربيين مطالبون بالتخلي عن جميع قيمهم، وتبني مفاهيم الغرب في جميع شؤونهم المتعلقة بالحكم والاقتصاد والتعليم وفي جميع مؤسساتهم؛ لأنها هي المفاهيم الوحيدة المؤدية إلى التحضر»[4]. هذه بعض النماذج التي تم التركيز عليها بشكل خاص باعتبار أن تفسيراتها تلقى رواجًا بين المؤرخين والمثقفين. ومن أجل مناقشة ما تم ذكره من تفسيرات، فإنه من الواجب ابتداءً تعريف النهضة والأسباب الموجبة لها.

ماهية النهضة

التعريف  اللغوي

النهضة كلمة عربية مشتقة من فعل نهض: أي قام واستقام، وقد ورد في قاموس لسان العرب: نهض: النهوض البراح من الموضع والقيام عنه. نهض: ينهض نهضًا نهوضًا: أي قام. انتهض القوم: قاموا للقتال. النهضة: الطاقة.القوة. مكان ناهض: مرتفع.

التعريف الاصطلاحي

تعرف النهضة على أنها انتقال المجتمع من حال إلى حال أفضل[5]. وصار هذا المعنى الاصطلاحي هو المتداول بين المثقفين والمفكرين، ولم يسبق للعرب أن استعملوها لهذا المعنى الذي صارت إليه في العصر الحديث. وعليه فإن الحديث عن النهضة هو ما يشير إليه المعنى الاصطلاحي، ولا يصار إلى معناها اللغوي إلا إذا ارتبطت بقرينة تدل عليها. ولعل السؤال الأهم في طرح موضوع النهضة هو معرفة ماهية التركيبة التي بتطبيقها يحدث التحول أو الانتقال الذي يعبر عن وجود نهضة في المجتمع. وما الفارق بين شعب ناهض وآخر متخلف؟ وماهو المقياس الذي يمكننا من التفريق بين نهضة صحيحة وأخرى خاطئة؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي القيام بعملية تفكيكية للمصطلح والغاية الأساسية من دراسته.

إن أهمية موضوع النهضة أمر لا خلاف فيه بين جميع بني البشر، فهو الحالة الطبيعية التي تدلِّل على فعاليتهم في هذا الكون. فهم في سعي دائم من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي وتبني القيم التي ترقى بالمجتمع. وبما أن الحديث هو عن نهضة المجتمع، فوجب بداية تعريف المجتمع من أجل معرفة ماهية الشيء المراد نهضته. فالمجتمع هو مجموعة من الأفراد تربطهم علاقات دائمية  فمن المعلوم أن الجماعة من الناس دون علاقات تربطهم بشكل مستمر لا يشكلون مجتمعًا، ووجود تلكم العلاقات هي المعوَّل الذي من خلاله يتم الحكم على المجتمع من كونه ناهضًا أم متخلفًا. فالعلاقات الدائمية هي المرآة الحقيقية التي تعكس حقيقة المجتمع «وهي التي تنظم حياة الناس، وبها تعرف العادات والتقاليد، ومن سير هذه العلاقات ومن ملاحظة تصريف الناس لعلاقاتهم ومصالحهم نحكم على هذا المجتمع بأنه مجتمع صالح» [6] .

هذا فيما يتعلق بالعلاقات الدائمية. أما فيما يخص الفرد، فإنه يتميز بسلوكه والحكم على سلوك الإنسان هو الشيء الوحيد القادر على كشف كنهه من حيث مدى رقيه من عدمه. ولا يمكن للفرد أن يحكم على شخص آخر إلا من خلال سلوكه ومجموعة تصرفاته أثناء إشباع حاجاته «ولذلك فإننا نستطيع أن نصف الناس بالرقي أو الانحطاط بناءً على سلوكهم وتصرفاتهم، ويكون هذا الوصف منطبقًا على واقعه بلا إفراط ولا تفريط»[7]  ولهذا فإن معرفة المحرك الأساسي والباعث على التصرفات يعتبر أمرًا لازمًا من أجل التوصل إلى مصدر سلوكه والضوابط التي تحده. فالمعروف بداهة أن الإنسان تسيِّره أفكاره، والمرء لا يتصرف تصرفًا إلا إذا وجد في ذهنه فكرة قادته لسلوك معين. ويقال سلَك الشَّخصُ مسلكًا: أي تصرّف. والسُّلوكُ هو سيرة الإنسان وتصرّفه. ويعرِّفه محمود الخالدي بـ «هو أعمال الإنسان التي يقوم بها لإشباع غرائزه أو حاجاته العضوية، فهو سائر حسب الميول الموجودة عنده للإشباع سيرًا حتميًا» ويضيف قائلًا: «إن سلوك الإنسان مرتبط بمفاهيمه عن الحياة» والمقصود به هو أن الفرد أثناء إرادته إشباع رغبة معينة فإنه يطرح سؤالين أساسيين: الأول متعلق بالشي وماهيته. والثاني مرتبط بسلوك الإنسان وإقدامه أو إحجامه على الفعل.

فلو أخذنا مثالًا عن حالة الجوع، فالسؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهن أي إنسان بغض النظر عن عقيدته هو: هل الشيء المراد تناوله يحقق إشباع جوعة البطن؟ والجواب هنا قد يتفق فيه أغلب البشر؛ ولكن الجواب على السؤال الثاني المتعلق بجواز الإشباع من هذا الشيء. فهذا أمر خارج عن ذات الشيء، وخارج عن ذات الإنسان، بل يقتضيه الرجوع إلى القاعدة أو القواعد التي جعلها مقياسًا لأعماله ومعيارًا لتصرفاته، أي الرجوع إلى وجهة نظره في الحياة من حيث الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه. فالإنسان إذا عرف أن هذا الطعام فيه ما يخالف المقياس الذي رجع إليه أي وجهة نظره في الحياة، كأن عرف أنه نجس، أو فيه لحم خنرير، أو أن صاحبه لا يأذن بذلك… ففي مثل هذه الحالة يمتنع عن أخذه بالرغم من ميله إليه، ويحاول أن يبعد عنه هذا الميل. وينطبق هذا على أي شيء قد يتعرض له الإنسان عند إشباع أي جوعة من جوعاته أو رغبة من رغباته، سواء أكانت من الجوعات العضوية كالأكل والشرب أم من الجوعات الغريزية كالعبادة والنوع والبقاء. وبهذا نصل إلى نتيجة مهمة وهي أن أعمال الإنسان جميعها مقيدة بمقاييس وقواعد آمن بها وحددتها وجهة نظره في الحياة أي عقيدته، وأن كل عمل من أعماله مسيَّر بمفهوم عن الحياة من حيث الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، سواء أكان هذا العمل أساسيًا أم فرعيًا ،عظيمًا أم حقيرًا، قيمًا أم تافهًا. فكانت عقيدته هي القاعدة الأساسية لأفكاره ومفاهيمه عن الحياة، ومنها انبثقت كافة أنظمة حياته، ومنها استوحى وجهة نظره في الحياة، ومنها اتخذ قواعد ومقاييس يميز بها الخبيث من الطيب والغث من السمين.

وبناءً عليه، فإن الحكم على هذا الإنسان من خلال أعماله هو في حقيقته حكم على ما آمن به من أفكار وما جعله لنفسه من مقاييس ووجهة نظر في الحياة، والحكم على هذه الأفكار يقتضي وجود قواعد ومسلمات عقلية يرجع إليها حين إصدار الحكم. والأفكار أصلها هي القاعدة الفكرية التي اتخذها كأساس لتسيير أموره في هذه الحياة؛ ولهذا فإن الرغبة في تغيير سلوك الإنسان هو تغيير لتلك المفاهيم الأساسية بشكل جذري واستبدالها بأفكار أخرى صحيحة. هذا ما يتعلق بالفرد. أما فيما يخص المجتمع، فالعلاقات الدائمية والتي تنحصر في الأفكار والمشاعر والأنظمة هي العوامل الثلاثة التي بوجودها وتجانسها تؤدي إلى إنتاج مجتمع متميز. فالمجتمع الإسلامي هو ذلك الكيان الإنساني الذي يمارس نمط حياة متميزًا يشمل الأفكار والمشاعر والأنظمة، وتكون الناحية الروحية فيه مرتبطة بالعقيدة الإسلامية في كل جوانبه. فكل جزئية في حياة الفرد والجماعة المسلمة قد خصص لها الإسلام معالجة تنتهي بها إلى بر السلام. فمثلًا معالجة الفقر تكون بتطبيق مجموعة من الأحكام الشرعية التي من خلالها تنتظم شؤون المال في المجتمع، فالتوزيع العادل للثروة من خلال آلية الزكاة والأوقاف ومنع الكنز وربط العملة بالمعدنين وغيرها هي الأحكام التي بتطبيقها نحصل على مجتمع خالٍ من الفقر والفقراء. فالعلاقات الدائمية التي يضمن الراعي أو النظام السياسي فيها انبثاقها من مصدر واحد تعمل على إيجاد الانسجامية بين الأفراد والأنظمة، ويسير الكل ضمن سفينة واحدة، وهذا ما عبر عنه عبد الله العروي حين وصف الدولة الطبيعية «أنها الدولة التي يكون أفرادها و نظامها على منهج متحد».

   ويكون وصف المجتمع بناء على تلك الصورة وصفًا حقيقيًا، فإذا أظهرت الصورة انسجامًا بين العرف العام والنظام ،أي كانت الأفكار والمشاعر من جنس النظام، قلنا إن هذا المجتمع متجانس ،وإن هناك انسجامًا تامًا بين الحاكم و المحكوم، وهو الأمر الذي حصل في أوروبا في عصر النهضة حين حصل التزاوج بين النظام وبين ما يحمله الناس من أفكار ومشاعر. ففي بريطانيا التي شهدت أول بوادر النهضة، فإن الأمور أخذت منحًى تصاعديًا بعد «الثورة المجيدة» كما يسمونها، التي جاءت بنظام سياسي وضع الأرضية الصلبة للثورة الصناعية[8] وكذلك الأمر كان بالنسبة لأمريكا وفرنسا؛ وعليه فالتجانس بين الحاكم والمحكوم من ناحية الأفكار والمشاعر والأنظمة تجعل هذا المجتمع ينطلق في البحث عن مصادر الثروة وتنميتها ووضع الاستراتيجيات التي من شأنها أن تنتقل بالمجتمع انتقالة نوعية من خلال تأسيس مؤسسات سيادية قادرة على صياغة القطاع الاقتصادي والاجتماعي والتربوي.

أما المجتمع المضطرب العلاقات، المشتت الأفكار، المختلف المشاعر، الكاره للنظام والعامل على تقويضه، هو مجتمع يوصف بالفوضوية؛ لأنه لن يخطو خطوة إلى الأمام نتيجة للصراع القائم بين الطرفين الحاكم والمحكوم. مما يجعل أفراد هذا المجتمع منفضِّين من حولهم تسودهم الأنانية وتنتظمهم اللامبالاة. وعليه فإن الإنسان الناهض هو الذي تكون سلوكياته منبثقة من فكرة كلية واحدة، والمجتمع الناهض هو المجتمع الذي تكون العلاقات فيه منبثقة من قاعدة فكرية واحدة، والعكس صحيح. فالفرد غير الناهض هو الذي تسوده فوضوية في المصدر وكذلك المجتمع. وبالتالي لجعله ناهضًا وجب استبدال هذه الفوضوية بمصدر واحد، أو بقاعدة فكرية واحدة تنهض به. والقاعدة الفكرية هي الفكرة المبدئية التي توفر إجابات عن طبيعة الكون والإنسان والحياة، والإجابات لا تعدو أن تكون ثلاثة:

1) أن يكون لهذا الكون خالق يضع الأنظمة.

 2) أن يكون خالقًا ولكن تشريعاته منفصلة عن الحياة.

 3) أن لا يوجد خالق.

 وقد انبثقت عن هذه الاحتمالات الثلاثة مبادئ و أيدولوجيات تمثلت في الإسلام الذي يرى أن خالق الكون مسيِّر له. والرأسمالية ومنها العلمانية التي فصلت الدين عن الحياة. والاشتراكية التي اعتبرت الدين أفيون الشعوب.

والمتمعن في هاته الأيديولوجيات يرى أنها كلها حققت نهضة وإن كانت نسبية بالنسبة للرأسمالية والاشتراكية لسبب رئيسي وهو أنهما لم يلتزما بشرط صحة القاعدة الفكرية من لزوم موافقتها للفطرة وإقناعها للعقل. فهذان الشرطان أساسيان في الحكم على مدى صحة النهضة من عدمها، وإن كان أنه لا اختلاف أن هناك معالم للنهضة قد تتحقق. أما بالنسبة إلى الإسلام، فهو الدين والأيديولوجيا الوحيدة بين الثلاثة الذي لديه أجوبة عن حقيقة الكون وافقت فطرة الإنسان وعجزه، ولم تحجر على فكره بل سعت لأن يسيح بعقله بفكر مستنير ومنتج يصل به إلى بر الأمان، ويجعل منه ومن المجتمع الذي يتبنى الفكرة الإسلامية قادرًا على فهم واستيعاب سبب خلقه والغاية التي من أجلها خلق؛ ولهذا فان الإسلام كفكرة استطاع في زمن وجيز أن يغير معالم الجزيرة العربية والعالم، ووصل صداه إلى أقاصي الأرض، وأوجد حضارة لم تشهد البشرية مثيلًا لها، و له من الكنوز الفكرية والفقهية والعلمية ما يجعله يتصدر كل الحضارات في كل الأزمنة.  

[1]– الموسوعة الفلسفية – مادة شبنجلر.

 

[2]– الموسوعة الفلسفية – مادة توينبي.

 

[3]– نقلًا عن: عماد الدين خليل – التفسير الإسلامي للتاريخ – ص 84.

 

[4] – Huntingdon, S. (1993). The clash of civilizations.

 

[5]  النهضة ـ حافظ صالح ص 5

 

[6]  النهضة ـ حافظ صالح ص 8

 

[7]  مفاهيم النهضة الإسلامية ـ سباتين، نجاح يوسف ص 14

 

[8]   لماذا تفشل الأمم « Why nation fail » ص 100

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *