العدد 408 -

السنة الخامسة والثلاثون، محرم 1442هـ الموافق أيلول 2020م

رياض الجنة: لولا المصائب لوردنا يوم القيامة مفاليس (2)

من الوصايا التي يُوصى بها الـمُبتلى حتى يكون تعامله مع المرض تعاملًا شرعيًا:

-الإيمان بأن البلاء هو ابتلاء من الله تعالى، على المسلم أن يستحضر في نفسه دائمًا أنه خلق في هذه الدنيا لعبادة الله عزَّ وجلَّ، قال جلَّ وعلا: (وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦)، وأن هذه الدنيا هي دار ابتلاء، قال تعالى: (تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ٢) فهو سبحانه خلقه واستخلفه فيها ليعمرها، وأثناء تحقيق هذه الخلافة لابد من أن تصيبَه الأقدار، وإنه على قدر إيمان المؤمن يكون ابتلاؤه، روى الترمذي في سننه من حديث سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». والمرض أو المصيبة من هذه الأقدار، فكان المرض إرادة الله لعباده، ليكفّر عنهم ذنوبهم، وليعرِفوا قيمة الصحة، وليقدِّروا نِعَمَ الله عز وجل حقَّ قدرها، وليشعُروا بضعفهم أمام قوة الله عز وجل، ولتكونَ فترات المرض محطات عظة وتذكُّر، يعود بعدها المريض إلى واحة الإيمان بالله. ومن هنا يأتي:

  إحسان الظن بالله تعالى بأن الله تعالى يريد به في هذا المرض أو في هذا الـمُصاب خيرًا، روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ شَرًّا فَلَهُ».

الصبر وعدم الجزع والسخط، والاحتساب، والصبر المطلوب هو الصبر الجميل، قال تعالى: (فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا٥). والصبر الجميل هو صبر بلا ضجر، بلا قلق، بلا اعتراض… هو صبر باللسان والقلب معًا، وليس كما ترى لسانه راضيًا ولكن قلبه يقول: لماذا يا رب؟ فمن اتفق لسانه وقلبه فهو الصابر صبرًا جميلًا. أما احتساب الأجر عند الله، فإنه ما نزل بالعبد من مرض أو مصيبة فحمد الله عز وجل وصبر واسترجع، إلا أعطاه الله من الأجر ما لا يعلم، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ) وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من يصبر على فقد (موت) ولده ولا يجزع، بل يسترجع ويحمد الله، أن الله يبني له بيتًا في الجنة جزاءً على صبره وشكره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: اِبنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمُّوه بيت الحمد» رواه الترمذي، وقال حديث حسن.

– الإيمان بأن البلاء يكشف عن حب الله للعبد المـُبتلى، وأنه يريد أن يفتح له باب الجنة، فإذا صبر العبد واحتسب كُتب في ديوان الصابرين. ويكفي الصابرين شرفًا أنهم في معية الله وحفظه ورعايته، قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣)، وإذا حمد العبد وشكر كتب في ديوان الشاكرين. ويكفي الشاكرين شرفًا أن الله وعدهم الزيادة، قال تعالى: (لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ )، بل وأكثر من ذلك، إن أهل العافية يوم القيامة يتمنَّون لو أن جلودهم وأجسادهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرَون من ثواب أهل البلاء والأمراض عند الله.

الإكثار من ذكر الله ودعائه والإلحاح عليه فيه، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦) وقال تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢). وعلى هذا فإن المرضَ أو الضرَّ يقرِّب العبد من الله ويوجد عنده انكسارًا بين يدي الله عز وجل، ويكون سببًا للدعاء، فكم من أناس أعرضوا عن اللجوء إلى الله فمرضوا فلجؤوا إليه خاشعين منكسرين مخلصين له الدعاء ما يزيد في إيمانه ويقينه. يقول وهب بن منبه: ينزل البلاء ليستخرج به الدعاء، قال سبحانه: ( وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَ‍َٔابِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ ٥١).

– على المسلم أن يؤمن بقضاء الله وقدره والأخذ بالأسباب لمواجهة هذا البلاء وعدم الاستسلام له،  قال صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك». وقال سبحانه: (إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩)؛ ولكن مع تقبل المسلم لقضاء الله وقدره، عليه أيضًا أن يحاول الخروج من هذا الابتلاء، وأن يأخذ بالأسباب؛ فالأسباب من قدر الله، وعلى المسلم الأخذ بها، فمن مرض فعليه التداوي لأن المرض قضاء والدواء قدر الله فيه خاصية العلاج، فنجاح الدواء في علاج المرض مرهون بقدر الله عز وجل الذي لم يخلق داء إلا وخلق له دواء. وبالإيمان بالقضاء والقدر تستقر حقيقة الإيمان في القلوب.

– على المسلم أن يكون تعلُّق قلبه بأن الله سبحانه هو الشافي للمرض والكاشف للضر، ولا شفاء إلا شفاؤه، ولا كاشف للهمِّ إلا هو، قال تعالى: (وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧) وقال تعالى: (وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠) )الشعراء: 80(.

 وهنا على المسلم:

أ- أن يرقي نفسه بالرقية الشرعية، كالفاتحة والمعوذتين وآية الكرسي، والأدعية المأثورة كقوله: صلى الله عليه وسلم «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِهِ وأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» ومنها قولهصلى الله عليه وسلم للمريض: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».

ب- أن لا ييأس من الشفاء، فالله على كل شيء قدير، فالله سبحانه الذي طلب من المسلم أن يؤمن أن المرض من الله، وأن الشفاء منه، يطلب منه أن لا ييأس منه، قال تعالى: (إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡ‍َٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧) وقال تعالى: (إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡ‍ًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢) وهو سبحانه ذكر لنا في القرآن كيف أن أيوب عليه السلام مكث في البلاء ثماني عشرة سنة ثم كشف الله عنه الضرَّ وشفاه. قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤).

ج – أن لا يشكو العبد مرضه أو مصيبته إلى أحد إلا إلى الله، فيصبر على ألمه، فهو يعيش مع مرضه من غير أن يشعر به ولو أقرب المقربين منه، وإذا ظهر منه شيء فلسانه معقود على الاستغفار والحمد والشكر والصبر… فإن فعل فإنه ينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير؛ أن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن». ولو تعمَّق أكثر لتفهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر، ولحصل له من الإنابة وحلاوة الإيمان ما هو أعظم من زوال المرض. ففي الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» أي من رضي بما ابتلاه الله به فله الرضا منه تعالى، وجزيل الثواب. ومن سخط أي: كره بلاء الله وجزع ولم يرضَ بقضائه فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يصب منه». فالمرض رحمة من الرب للعبد، فالله عز وجل خلق العباد ليرحمهم لا ليعذبهم. قال سبحانه: (مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ). ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته، ومع هذا فالله يرحمها لجهلها وتفهمها، وقد ورد في الأثر أن العبد إذا أصابته البلوى فيدعو ربه ويستبطئ الإجابة ويقول الناس: ألا ترحمه يا رب؟ فيقول الله: «كيف أرحمه من شيء به أرحمه».

د – زيارة المريض: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضًا لم يزل في خُرفة الجنة (يعني جناها) حتى يرجع». ولقد بلغ من عناية الإسلام بالمريض أن جعل عيادته حقًا من حقوقه على إخوانه المسلمين، ففي الحديث: «خمس تجب للمسلم على أخيه»، وعدَّ منها «وعيادة المريض». ولم يكتفِ الرسول صلى الله عليه وسلم بحثِّ المسلمين على عيادة المرضى، بل كان يعودهم ويخفف عنهم ويسليهم. قال سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه: «إنا والله قد صحبنا رسول الله في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير».

ه- ومن الأمور التي تهوِّن المصائب: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والوضوء، وتلاوة القرآن الكريم، وتوثيق الصلة بالله سبحانه، والتوبة من كبائر الذنوب… إلخ.

– الابتلاء قد يكون لتكفير الخطايا، ومحو السيئات، كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من همٍّ، ولا حَزنٍ، ولا وَصبٍ، ولا نَصبٍ، ولا أذًى حتى الشوكة يشاكَّها إلا كفَّر الله بها من خطاياه» رواه مسلم… وقد يكون لرفع الدرجات، وزيادة الحسنات، كما هو الحال في ابتلاء الله لأنبيائه، وقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل… فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» رواه البخاري. قال العلماء: يبتلى الأنبياء لتضاعف أجورهم، وتتكامل فضائلهم، ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم، وليس ذلك نقصًا ولا عذابًا…
وقد يقع لتمحيص المؤمنين، وتمييزهم عن المنافقين، قال تعالى: ( أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣ )… وقد يعاقب الله المؤمن بالبلاء على بعض الذنوب، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر» رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وحسنه السيوطي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *