العدد 406 - السنة الخامسة والثلاثون، ذو القعدة 1441هـ الموافق تموز 2020م

رياض الجنة: كان عمل الرسول صلى الله عليه وسلم «ديمة»

– روى البخاري ومسلم عَنْ عَلْقَمَةَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيقُ؟».

– وروى البخاري ومسلم عن مَسْرُوقٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ»

– روى البخاري ومسلم: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».

– روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً».

قال النووي رحمه الله :قَوْلهَا: «كَانَ عَمَله دِيمَة» أَيْ يَدُوم عَلَيْهِ وَلَا يَقْطَعهُ. وقال الحافظ رحمه الله :قَالَ أَهْل اللُّغَة : الدِّيمَةُ مَطَرٌ يَدُومُ أَيَّامًا، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَمِرُّ.

ومن ذلك أحاديث للرسول ﷺ يحافظ ويواظب ويثابر ويتعاهد ويداوم فيها على القربات نذكر منها:

روى الترمذي  عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» صححه الألباني.

روى أبو داود  والترمذي عَنْ أُمّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» صححه الألباني.

روى الترمذي وصححه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«خَلَّتَانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، أَلَا وَهُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا، قَالَ: فَتِلْكَ خَمْسُونَ، وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ. وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ تُسَبِّحُهُ وَتُكَبِّرُهُ وَتَحْمَدُهُ مِائَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَ مِائَةِ سَيِّئَةٍ؟. قَالُوا: فَكَيْفَ لَا يُحْصِيهَا؟ قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمْ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ فَيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا حَتَّى يَنْفَتِلَ فَلَعَلَّهُ لَا يَفْعَلُ، وَيَأْتِيهِ وَهُوَ فِي مَضْجَعِهِ فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ حَتَّى يَنَامَ» صححه الألباني. ورواه أبو داود، ولفظه: «خَصْلَتَانِ أَوْ خَلَّتَانِ لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ … » الحديث. قال المباركفوري في تحفة الأحوذي 🙁“وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ»، أي: على وصف المداومة).

روى مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا». وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِابْنِ بَرَّادٍ.

كان النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ؛ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المــُرْسَلَةِ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي ﷺ. وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ مَرَّةً فِي رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ؛ دَارَسَهُ جِبْرِيلُ مَرَّتَيْنِ.

إن المحافظة على ما افترض الله هي من واجبات الدين، والثبات على صراط الله المستقيم… ففي الفروض لا تساهل حيث على المسلم أن يواظب عليها وجوبًا من غير خيار… أما المحافظة على السنن الرواتب بصورة خاصة وفضائل الأعمال بصورة عامة هي من مستحبات الشريعة. والأمر مفتوح فيها. فهي يؤجر المسلم على فعلها ولا يعاقب على تركها. وهنا يأتي الحديث ليحث المسلم على أن يواظب على ما استطاع منها حتى تملأ وقته، ويبدأ فيها ولو كانت قليلة، فإن القليل يربو على القليل حتَّى يكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ. والمداومة عليها يجعلها سجية عنده وتجعله يُقبل عليها، ويحس بنقص إذا ما انشغل عنها. فالنفس إذا اعتادت على عبادة أحبتها واجتهدت في طلب مرضاة الله فيها.

ويذكر أن كثرة انشغال المسلم بالسنن والنوافل والرواتب لا يكون أبدًا على حساب الفروض فإن هذا لا يجوز، فأحب ما افترضه الله على المسلم الفرض ثم النوافل، قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم»إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ». رواه البخاري.

ومن ذلك المداومة على قيام الليل بصلاة ولو كحلب شاة، ومن ذلك صيام ثلاثة أيام البيض من كُلِّ شَهْرٍ، أو الاثنين والخميس من كل أسبوع. ومنها المواظبة على أذكار معينة، ومنها تعاهد القرآن قراءة وحفظًا ومدارسة وقيامًا لليل به، ومنها المواظبة على صلاة الضحى، ومنها قراءة القرآن بعد الفجر حتى طلوع الشمس ومن ثم صلاة الشروق، ومنها المداومة على التنفل بعد المغرب بركعات معينة…

وهذه النوافل إذا تعاهدها المسلم يجب أن لا يتعامل معها مثل تعامله مع الفرض فيلزم نفسه بها ويحاسب نفسه على تركها، ويحافظ عليها ولو أدى ذلك إلى ترك فرض، فهذه سنن وتبقى ضمن واقعها التشريعي، وهي بمنزلة تأتي بعد الفرض، فإذا تزاحمت مع الفرض يقدم الفرض ولا يعد ذلك خرمًا في المداومة عليها. ولربما يطرأ على المرء شغل عارض، أو سفر، أو مرض، أو نحو ذلك؛ فمثل هذه تدفع المسلم إلى تركه لها من غير أن يتعمد هو الترك.

وهناك ما ورد في السنَّة أن الرسول فعله أحيانًا، وتركه أحيانًا، فيراعي المسلم ذلك، وهذا أفضل من الاستدامة عليه، وذلك كصلاة الضحى، وكالقراءة أحيانًا في الركعتين الأخريين من صلاتي الظهر والعصر زائدًا على الفاتحة، ونحو ذلك…

وأفضل ما يجعل المسلم يُقدم على أن تكون له عبادات مستمرة يواظب ويحافظ عليها هو أن يدخل بها برفق، فيبدأ بعبادة ما بصورة خفيفة في أول الأمر حتى يستكملها، ثم يضيف إليها عبادة أخرى، وهكذا حتى ينتهي إلى أن يكون معظم وقته مشغولًا بذكر الله، وينطبق عليه أن من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.

بهذا يشغل المسلم وقته في طاعة الله بالقيام بكل ما أمره الله به، من فروض يقوم بها من غير تساهل في أدائها، أو تأخير لها، ومن ثم يشغل سائر وقته بالسنن والنوافل. وهذا الانشغال يحسن أداء ما عليه من فروض إذ يقبل على الطاعة عامرًا بالإيمان، مطمئنًا قلبه، مخبتًا،

قال تعالى: (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ٢٨) [الرعد: 28]  وقال تعالى: (ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥) [الحج: 35].

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *