العدد 405 - السنة الخامسة والثلاثون – شوال 1441هـ – حزيران 2020م

معالم المنهج القرآني في التفكير!

يقرر القرآن الكريم أن الإنسان يدخل هذه الحياة خاليًا من العلم، مزودًا بأدوات الإحساس التي تنقل له صورة الواقع ليفكر فيه ويفسره

 قال تعالى: (وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡ‍ِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨) (النحل: 78)فأمر الإنسان بالتفكير، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ َنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤) (البقرة: 164)، وقوله تعالى: (وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩) (الأعراف: 179) وقوله تعالى: (أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ٤٦) (الحج: 46) وقوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠ ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ١٩١) (آل عمران: 191) وقوله تعالى: (قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ ٥٩ أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠ أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١ أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢ أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣ أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤) (النمل). ما ذكرناه من آيات إنما هو غيض من فيض من الآيات التي تدعو إلى التفكير في المخلوقات للوصول إلى الإيمان العقلي القطعي بخالقها وبأسمائه الحسنى وبصفاته العليا.

لقد وجدنا القرآن الكريم يشدِّد على بناء العقيدة على العقل والتفكير والتدبُّر، وَحَرَّمّ، كذلك في كثير من الآيات، بناء العقيدة بكلياتها وبجزئياتها على الظن، قال الله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡ‍ًٔاۚ) (يونس: 36) وفي هذه الآية نهي عن اتِّباع أو تبنِّي الفكر العقدي – وهو أصل الدين الذي ينبثق عنه كل فكر – إلا عن طريق الدلائل اليقينية القاطعة، لا الظن والأوهام والخرص، فَحَرَّمّ بناء العقيدة على التقليد والاتِّباع بغير دليل، وبالتالي لا بد لكل مسلم من أن يصل إلى اعتقاده بأحد طريقين:

أولهما: بالمحاكمة العقلية، وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تخصُّ التفكير والعقل بصيغ وألفاظ ومعانٍ مختلفة، جميعها تدعو العقل إلى النظر والتأمل دعوة صريحة ومباشرة، وفيها تضمن لمشتقات العقل ووظائفه، ويخاطب الله سبحانه وتعالى في كتابة العزيز أصحاب العقول بقوله تعالى:(وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ   كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٩٩ وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٠ قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١ ) )يونس: 99 – 101). (أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩) (الزمر: 9)، (۞أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩) (الرعد: 19)، (كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩)، (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(الحشر:21)،(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(يونس: 24)، (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١٣) (الجاثية: 13).

وقد كان للفلاسفة والعلماء المسلمين إسهام كبير في توجيه العقول إلى أهمية الملاحظة الحسية الدقيقة بالنسبة للتفكير السليم، فالإسلام دين عقل، وفكر، ونظر ولم يحجر على العقل ولا على التفكير، بل حثَّ صاحب العقل على التفكير والتأمل. قالَ تعالى: (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٤٢) (البقرة: 242)، من هنا عَرَّفَ الأصوليون الإيمان بأنه «التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل»، فجعلوا أساسه: التصديق الجازم، أي: (قناعة قاطعة لا تحتمل ريبًا ولا يتطرق إليها شك)[1]، وكان جازمًا لا مكان لظن أو شك أو وهم أو تكذيب أن يدخل فيـه، والذي يوصله إلى هذه الدرجة هو الدليـل، أي إنـه يوصل التصديق إلى العلم،

والعلم هو اليـقين أو القطع، والمطلوب هو التصديق المطابق للواقع لا مجرد التصور، أي أن تكون الحقيقة التي نؤمن بها حقًا موجودة أو موجدة تصدقها الوقائـع ولا تناقضها وتطابق التصديق؛ لا مجرد فكرة متخيَّلة تُـشبع غريزة التقديس مثلًا، (الظن منشؤه ضعـف الإدراك إما لعدم الجزم أو لعدم المطابقة (للواقع) أو لعدم استناده إلى موجب )أي دليل().[2]

فكما نرى بحثت مناهج التفكير عند المسلمين في التصور والتصديق، والجزم والظن والشك واليقين والتكذيب والإيمان والكفر، وبيَّنت أن طريقة مطابقة الفكر للواقع هي إقامة البرهان العقلي أو النقلي القاطع عليه، وهذا كله مستند لآيات محكمات من القرآن الكريم تدل على كل جزئية من هذا التعريف وهذا الفهم. ومثال ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ ٣٢) )الجاثية: 32(، (وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤) (النمل: 14)، (وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ) (الجاثية: 24)، (وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ٣٣) (الزمر: 33)، (نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ٥٧) )الواقعة: 57( (وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٢٦ ) )المعارج: 26(.

وثانيهما: بالتسليم بما جاء في النقل بشرط أن يرد النقل بأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وأن يثبت أصله بالعقل.

والتقليد في الاعتقاد حرام، قال تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَايَهۡتَدُونَ ١٧٠)، (قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ١٠٨) (يوسف: 108) (بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩ ) (الروم: 29) لقد عاب الحق سبحانه وتعالى على الكفار الاتِّباع بغير علم فمن باب أولى أن لا يرضاه للمؤمنين، ووصف اتِّباع المؤمنين للنبي وسيرهم في دعوتهم بأنه على بصيرة، أي على سبيل واضحة المعالم.

وأوجب على كل مسلم أن يوصل اعتقاده إلى مرحلة القطع أو اليقين أو العلم أو الإيمان، (فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ) )محمد: 19(،(ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ٩٨)(المائدة:98)(وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ)(البقرة: 223)؛(لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا) (المدثر: 31).

وأوجب الإسلامُ أن يتوفر الدليلُ على الاعتقاد، والدليل هو ما يوصل إلى القطع، وهو الذي به تحصل المطابقة مع الواقع،

(أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ)، أي ليس لديكم برهان يطابق دعواكم بألوهية غير الله مع الواقع الذي لا إله فيه إلا الله، (أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤) (النمل: 64)، (قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۢ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨) (يونس: 68).

وأقام الأدلة المباشرة على ألوهيته سبحانه، فقال: ( أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١ لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢) )الأنبياء: 22(، (قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣)(الإسراء: 42-43)،(مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۢ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢) (المؤمنون).

بل فوق ذلك (وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا ٣٦) (الإسراء: 36)، أَي لا تَتَّبِع ما لا تعلم، ولا تقل سمعتُ ولم تسمع، ولا رأَيتُ ولم ترَ، ولا علمتُ ولم تعلم، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا، وإذا أتاك خبر من فاسق فتبين وتثبت،

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦) (الحجرات: 6)، وإذا لم تعلم فاسألْ من يعلم🙁 فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ )43 (النحل: 43( و)الأنبياء: 7).

فهذه أسس وقواعد لمنهج قرآني، يؤصل لاستعمال العقل والتفكير وبناء الاعتقاد على الدليل، والاتِّباع على العلم، وتحريم الاتِّباع من غير بينة في الاعتقاد، ويبينُ آلات الإحساس وحصول المعرفة: العقل (وكنَّى عنه بالفؤاد)[3] إذ ينتقل الإحساس إليه من خلال السمع والأبصار، والتدليل أي مطابقة الحكم عن الواقع للواقع، فيحصل العلم والإيمان، والسير في الحياة على بصيرة،

فهذه أسس الطريقة العقلية في التفكير، وهو المنهج الذي انطلق منه المسلمون الأوَّلون، فأقاموا الأدلة والبراهين، واستعملوا الطريقة العقلية في التفكير، وكان قدوم المنطق إليهم واستعمال بعضهم إياه تراجعًا لخطوة كبيرة للخلف عن المنهج الدقيق الذي رسمه القرآن للبحث والعلم والمعرفة؛ ولكن في الوقت نفسه فإن المنهج القرآني هو الذي أسس لمنهج التفكير والاستدلال، كما في عشرات الآيات التي تفرض استعمال التفكير والعقل والأدلة والبراهين، وتفصل في الآيات الدالة على وجود الله وصدق رسالة الإسلام، فتأمل هذا!

بقي أن نقول بأن منهج الإسلام في حل العقدة الكبرى والإجابة عن التساؤلات الكبرى الملحَّة على الإنسان: من أنا؟ من أين أتيت؟ ما الغاية من وجودي؟ وإلى أين المصير؟ يتمثل بالتدليل العقلي على وجود الخالق وحدوث الكون، ومن ثم التدليل على ما لا يجوز أن يتصف به الخالق من صفات تشابه المخلوقات حتى لا يكون محتاجًا لخالق، والتدليل على صفات تثبت بالعقل لله تعالى عن طريق الربط بين ما في الكون من إحكام صنعة ونظام بوحدة الخالق وقدرته،

ومن ثم بعد ذلك: تقرير الحاجة إلى الرسل، لمعرفة الصلة بين الخالق والمخلوق، صلة الإيجاد وصلة الأوامر والنواهي. وإثبات صدق الرسل يتم بثبوت معجزاتهم، أي بما أيَّدهم الله به من خوارق لأنظمة الكون التي لا يستطيع خرقها إلا هو.

فإذا ما ثبت بالدليل العقلي القطعي أن القرآن كلام الله، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، ثبت صحة الإسلام أنه دين الله، فينتقل البحث العقدي من التدليل العقلي إلى التسليم النقلي الثابت أصله بالقطع من أصول الدين؛ إذ إن النقل بهذا يكون قد ثبت أصله بالعقل، واطمأنَّ العقل أنه من خالق الكون وعن طريق الوحي إلى رسوله الصادق الأمين، وأن الله لا يقرُّ على الكذب، فيسلِّم بما جاء فيه، وهذا منهج تنتج عنه عقيدة عقلية موافقة للعقل وللفطرة، فتصبح نصوص الكتاب والسنة القطعية مصدرًا لليقين، وتصبح التشريعات مصدرًا للاطمئنان بصلتها بالخالق والغاية من الخلق، فتطمئن النفس إليها وتسلم بها وتتبعها. 

[1]              التيسير في أصول التفسير. الشيخ: عطا أبو الرشتة. ص47

 

[2]              نشر البنود على مراقي السعود. سيدي عبد الله الشنقيطي ج 1 ص 62

 

[3]              قال الفيروز أبادي في القاموس المحيط: القلب هو الفؤاد والعقل ومحض كل شيء.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *