العدد 405 - السنة الخامسة والثلاثون – شوال 1441هـ – حزيران 2020م

أم كلثوم بنت عقبة بن أَبِي مُعَيْط: أولى المؤمنات المهاجِرات الممتحَنات

نسبها:

أمّ كلثوم بنت عُقْبَة بن أَبِي مُعَيْط بن أبي عَمرو بن أُمَيَّة بن عَبْد شمس بن عبد مَنَاف بن قُصَي، أمّها أَرْوَى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حَبِيب بن عبد شمس بن عبد مَنَاف بن قُصَيّ. وهي أخت عثمان بن عفان رضي الله عنه لأمه.

إسلامها:

أسلمت بمكّة وبايعت قبل الهجرة، وهي أوّل من هاجر من النساء بعد أن هاجر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى المدينة. ولم تخرج قرشية من بين أبويها مسلمة مهاجرة إلى الله ورسوله إلا أمّ كلثوم بنت عقبة. نشأت في بيتٍ شديد العداوة للإسلام وللنبي صلى الله عليه وسلم، وتحديدًا والدها الذي آذى الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرًا قبل هجرته حتى إنه حاول خنقه بيده، وكان يحشد الجيوش لمحاربة الإسلام؛ لكن الله شاء أن تكون أم كلثوم هي الوحيدة في بيتها من ينشرح صدرها للإسلام، فكانت من أوائل من أسلموا وواحدة من المسلمين الذين صلوا إلى القبلتين.

هجرتها:

كتمت «أم كلثوم» إسلامها وأخفته؛ ولكن يومًا بعد آخر كانت مواصلة الحياة في بيتها والحفاظ على إسلامها تزداد صعوبة، وكان خوفها يزداد من إيذاء كفار قريش لها وإجبارها على ترك دينها، فاتخذت القرار الصعب بأن تخرج إلى المدينة المنورة لتنضمَّ إلى سلك المسلمين هناك. قرار «أم كلثوم» (الذي كان في السنة السابعة للهجرة) لم يكن صعبًا فقط لأنها فتاة وحيدة تخرج لتقطع الطريق الطويل من مكة إلى المدينة دون حماية أو أنس، وإنما أيضًا كان صعبًا بسبب التوقيت الذي اختارته؛ أي بعد صلح الحديبية الذي كان في السنة السادسة للهجرة، والذي كان يتضمَّن شرطًا مجحِفًا للمسلمين المهاجرين هو «إرجاع المسلمين كل شخص يأتي إليهم من قريش مسلمًا بغير إذن قريش، وألا ترد قريش من يعود إليها من المسلمين».

كانت «أم كلثوم» تعرف بهذا الشرط؛ إلا أنها توكلت على الله وأصرَّت على الرحيل. هاجرت وهي تدرك ما تقوم به لأنها كانت قارئة كاتبة لبيبة، علمًا أن ما فعلته كان قليلًا ما يقدر عليه الرجال في ذاك الزمان، وقد كانت ذات عقل راجح، تركت الدنيا وزينتها وراء ظهرها وأقبلت على الله ثابتة متمسكة بإسلامها. وروت «أم كلثوم» قصة هجرتها وقالت: «كنت أخرج إلى بادية لنا فيها أهلي، فأقيم فيها الثلاث والأربع ثم أرجع إليهم فلا يُنكرون ذهابي هناك حتى أجمعت المسير، فخرجت يومًا من مكة كأني أريد البادية، فلما رجع من تبعني، وفى الطريق صادفت قافلة تخص رجلاً من قبيلة خزاعة فقال لي: أين تريدين؟ قلت: ما مسألتك؟ ومن أنت؟ قال: رجل من خزاعة. فلما ذكر خزاعة اطمأننت إليه لدخول خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده، فقلت: إني امرأة من قريش، وإني أريد اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا علم لي بالطريق، قال: أنا صاحبك حتى أوردك المدينة. ثم جاءني ببعير فركبته حتى قدمنا المدينة، وكان خير صاحب، فجزاه الله خيرًا».

وصولها إلى المدينة وشكواها لرسول صلى الله عليه وسلم:

بعد أن تأخرت «أم كلثوم» عن موعد العودة وشعر أهلها بغيابها خرجوا للبحث عنها فعرفوا أنها هاجرت. تذكروا فورًا شرط صلح الحديبية فقالوا: «لا ضير، بيننا وبين محمد عهد وصلح وليس أحد من الناس بأوفى من محمد، نذهب إليه ونسأله أن يفي بعهدنا». خرج أخواها «عمارة» و«الوليد» إلى المدينة ليستعيدا أختهما، بينما كانت أم كلثوم في بيت النبوَّة، دخلت على أم المؤمنين «أم سلمة» رضي الله عنها، عرفتها بنفسها وقالت لها: إنها تخشى أن يردها الرسول صلى الله عليه وسلم لأهلها التزامًا بشرط الصلح. فلما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها أخبرته بذلك فرحب بها فقالت له: «يا رسول الله، إني فررت إليك بديني، فامنعني ولا تردني إليهم يفتنوني في ديني ولا صبر لي، وحال النساء في الضعف ما قد علمت».

– وصول شقيقيها إلى المدينة:

في اليوم التالي لوصولها، وصل شقيقاها إلى المدينة وطلبا من الرسول صلى الله عليه وسلم استردادها، إلا أن الله عز وجل نزَّل في كتابه ما ينجيها حيث تنزَّلت الآية العاشرة من سورة الممتحنة والتي يقول فيها الله عز وجل: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡ‍َٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡ‍َٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠)

روى ابن جرير رحمه الله عن أبي نصر الأسدي قال: سُئل ابن عباس رضي الله عنهما، كيف كان امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء؟ قال: كان يمتحنهنَّ: بالله ما خرجتُ من بُغض زوج، وبالله ما خرجتُ رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دُنيا، وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ولرسوله.

فكان يقول لهن محلفًا: «ألله ما أخرجكنَّ إلا حب الله ورسوله والإسلام! ما خرجتنَُّ لزوج ولا مال؟». فإذا قلنَ ذلك، لم يُرجعهن إلى قومهن. وعندما قالت أم كلثوم هذا، التفتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الوليد وعمارة قائلًا: «قد أبطل الله العهد في النساء بما قد علمتماه»، فانصرفا. وذكر ابن إسحاق أن أخويها رحلا بعد رفض النبي صلى الله عليه وسلم ردها إليهما. وكان هذا الامتحان لأم كلثوم، فكانت الممتحَنة الأولى. فقد خرجت حبًّا بالله وبرسوله وطلبًا للإسلام لا حُبًا لزوج ولا لمال.

وبهذا كانت هجرة أم كلثوم خيرًا وبركة على المهاجرات اللاتي أتين مِن بعدها؛ حيث صارت أي امرأة تؤمن بالله ورسوله لا تخشى أن يُعيدها النبي إلى الكفار بسبب معاهدة صلح الحديبية. وقد جاءت بالفعل بعد أم كلثوم بنت عقبة نساء كثيرات أسلمنَ، وتركنَ مكة وهاجرنَ إلى المدينة فرارًا بدينهن من أذى الكفار.

زواجها:

واصلت حياتها في المدينة المنورة وهي ما تزال فتاة صغيرة السن لم تتزوج بعدُ، وقد أعجب بصدق إيمانها وشجاعتها كثير من الصحابة، فتقدم لخطبتها الزبير بن العوام، وزيد بن حارثة، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، فاستشارت أخاها لأمها عثمان بن عفان، فأشار عليها أن تأتي النبي صلى الله عليه وسلم فتستشيره، فأتته، فأشار عليها صلى الله عليه وسلم بزيد بن حارثة، فتزوجته وعاشا في سعادة وخير، وولدت له ابنًا وابنة، لكنهما ماتا صغيرين، ثم إن زوجها زيدًا قُتل يوم غزوة مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام، فولدت له زينب، ثم طلَّقها، فتزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له أولادًا، ومات عنها، فتزوجها عمرو بن العاص، لكنها لم تلبث أن ماتت بعد زواجها منه بشهر وكان ذلك في عهد علي رضي الله عنه.

راوية للحديث:

انشغال أم كلثوم بالزواج والأولاد لم يمنعها من الحرص على حفظ أحاديث رسول الله، ومن الأحاديث التي حفظتها لنا أم كلثوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا». ونمى خيرًا أي بلَّغ كلامًا طيبًا بين مُتخاصمين بغرض الإصلاح بينهما. 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *