العدد 325 - السنة الثامنة والعشرون صفر 1435هـ – كانون الأول 2013م

مع القرآن الكريم

مع القرآن الكريم

( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) ).

جاء في كتاب التيسير في أصول التفسير لمؤلفه

عطاء بن خليل أبو الرشته

أمير حزب التحرير حفظه الله في تفسيره لهذه الآيات ما يلي:

يبين الله سبحانه في هذه الآيات ما يلي:

  1. كان اليهود يعارضون رسول الله صلى الله عليه وسلمويحاجونه بالتوراة فيسألونه منها كما سألوه عن الروح وأهل الكهف وذي القرنين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلميجيبهم بما يوحيه الله إليه من القرآن، وزيادة على ذلك كان يكشف بعض ما حرفوه وغيروه كما في تغييرهم رجم الزاني وتغيير صفته صلى الله عليه وسلم التي جاءت في التوراة والتي كان مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما بشرت به التوراة، ولما وجدوا أن المحاجة بالتوراة على غير ما يشتهون أعرضوا عنها ونبذوها وراء ظهورهم ( كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) أي نبذهم للتوراة كأنه تمّ من قبل قوم لا يؤمنون بها ولا يعلمون صدق ما جاء فيها من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا زيادة مبالغة في إعراضهم عما جاء في التوراة من دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إعراض على علم منهم.

فلما تبين لهم فشل معارضتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة بدءوا يبحثون عن مسائل أخرى في مصادر غير التوراة يحاجون الرسول صلى الله عليه وسلم بها.

  1. ولما أنزل الله على رسوله أن سليمان نبي ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) ) النساء/آية163 قالت يهود: إن سليمان كان ساحراً وليس نبياً، ثم جمعوا الكتب التي اكتتبها السحرة بالاستعانة بالشياطين على عهد ملك سليمان، والتي كانت منتشرة بين أيديهم في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا هذه هي الكتب التي كان يحكم بها سليمان، واتبعوها وجعلوها مادة للمجادلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﭘ ).

( ﭒ  ﭓ  ﭔ  ) أي ما تقرأه أو توحيه الشياطين أو توسوس به للسحرة ليكتبوه في كتبهم ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) الأنعام/آية112. وقد كانت الشياطين قبل الإسلام تسترق السمع من السماء وتخلط معه أنواعاً عدة من الكذب وتوحيه إلى أوليائها “فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويُرْمَوْن به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يَقْرِفُون فيه ويزيدون”)1(. وقد مُنعت الجن من استراق السمع بعد الإسلام ( وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ) الجن/آية9.

( عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) أي على عهد ملك سليمان.

  1. إن كتب السحر تلك قد اكتتبها السحرة من طريقين:

  • الأول: ما كانت توسوس لهم الشياطين به من السحر.

  • الثاني: ما عَلَّمه الملكان هاروت وماروت للناس، فقد أنزلهما الله ببابل يعلِّمان الناس السحر ويحذِّرانهم من العمل به ويخبرانهم أنهما فتنةٌ للناس وابتلاءٌ لهم ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ )، والله أنزل في هذه الأرض الخير والشرّ ليبتلي عباده بالشرّ والخير ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) الأنبياء/آية35.

وتعليم السحر للناس هو ابتلاء لهم، فمن آمن بالسحر وعمل به فقد كفر، ومن لم يؤمن به ولم يعمل به فقد نجا ( يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﭵ   )

  1. يبرئ الله سبحانه نبيه سليمان – عليه السلام – من كذب يهود وافترائهم. فسليمان – عليه السلام – لم يكفر وهي هنا للدلالة على أنه لم يكن ساحراً ولا مؤمناً بالسحر، وبالتالي ليس كافراً، فهو نبي الله – عليه السلام – ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ) أي لم يكن ساحراً ولا مؤمناً بالسحر فيكفر)2(، وهذه الدلالة تعينت لأن اليهود اتهموا سليمان – عليه السلام – بالسحر: – “أخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: قال اليهود: انظروا إلى محمّد خلط الحق بالباطل يذكر سليمان مع الأنبياء وإنما كان ساحراً يركب الريح”)3( – وليس بالكفر، فأجابهم الله سبحانه ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ) أي وما سحر ولكن الاستعمال المجازي لـ( كَفَرَ ) في هذه الآية يدل على أن من آمن بالسحر وسحر يكفر طبقاً لهذه العلاقة (المسببية) حسب لغة العرب كما ذكرنا.

وهكذا فلم يكفر سليمان وإنما الذين كفروا هم الشياطين ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ).

  1. السحر هو إظهار الشيء على غير حقيقته توهماً، وهذا المعنى آت من قوله تعالى ( سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) الأعراف/آية116 ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) طه/آية66 أي أن العصا تبقى عصاً على الحقيقة ولكنها تبدو للرائي رأي العين أنها حية تسعى.

وفي اللغة قال الجوهري: السحر الأخذ وكلّ ما لطف مأخذه ودقّ فهو سحر، ويقال سحرت الصبي إذا خدعته، وورد السحر في بعض دواوين العرب بمعنى العضة والعضة عند العرب شدة البهت وتمويه الكذب، قال الشاعر:

أعوذ بربي من النافثات     من عضة العاضة المُعِضة

واستعمله العرب كذلك – أي السحر – في معنى الخفاء، فإن الساحر يفعله في خفية. أما ما هو السحر فهو علم يتمكن صاحبه من سحر أعين الناس فترى الشيء على غير حقيقته أي لا تتغير الحقيقة بحقيقة أخرى جديدة بمعنى أنها لا تلغي الحقيقة الأولى، وتتكون بدلها حقيقة جديدة، وعليه فلو أمسك إنسان بالحية التي ظهرت من العصا سيجدها عصاً، ولو حللها مخبرياً سيجدها نفس مكونات العصا التي ألقيت وخيل لنا أنها حيةً تسعى، ولذلك فإن السحرة لما ألقوا عصيهم كانوا هم يرونها عصاً ولكنهم سحروا أعين الناس فرأوها حية، فلما ألقى موسى – عليه السلام – عصاه رأوها – أي السحرة – حية حقيقية وليست عصاً، ثم ابتلعت عصيهم فألغت حقيقتها نهائياً، فأدركوا أن هذا ليس سحراً لأن السحر لا يلغي حقيقة الأشياء فعلموا أن ما تمّ ليس سحراً، وأنه حق من رب العالمين كما قال موسى – عليه السلام – فآمنوا وكان إيمانهم عجباً.

  1. وقوله سبحانه ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ) وقوله ( لَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) يدلّ على أن السحر يتم بتلاوة كلام كفر، وهذا يعني أن السحر الذي هو علم يتم تنفيذه باستعمال ألفاظ كفر في عزائمه أو إجراءاته. أما غير ذلك فليس هو الذي يطلق عليه سحر بالمعنى المعروف في هذه الآية مثل إظهار الأمور على غير حقيقتها بوسائل فنية – كخفة اليد أو ما شابهها – أو استعمال بعض الكلام بألفاظ غير كفر لإدخال الوهم على الناس بإظهار أمور على غير حقيقتها – مثل بعض الدجالين ممن عليهم مسحة الشيوخ – فليس هذا وأمثاله هو السحر بالمعنى المذكور.

  2. عقوبة الساحر – كما بينا – عقوبة المرتد فهو كافر على المعنى المذكور سابقاً، ولقد عاقب الصحابة الساحر بالقتل، فقد أمرت حفصة أم المؤمنين – رضي الله تعالى عنها – بقتل ساحرة اعترفت أنها قامت بالسحر.

وأما ما روي عن إنكار عثمان – رضي الله عنه – على حفصة فعلتها فهو إنكار عليها لقيامها بالأمر دون إذنه وهو خليفة المسلمين، ولم ينكر حكم القتل. وقد تمّ مثل هذا الفعل أي قتل الساحر في عهد عمر – رضي الله عنه -، فهو إجماع من الصحابة لأنه حكم ذو شأن تمّ على ملأٍ منهم دون إنكارٍ. أخرج أحمد عن سفيان من طريق جَزْء بن معاوية عم الأحنف بن قيس قال (أتانا كتاب عمر قبل موته بسنة أن اقتلوا كل ساحر وربما قال سفيان وساحرة).

وأما ما ذكرناه من بعض الأعمال الفنية الخفية التي يُغّرَّر بها الناس إن لَم توضَّح لهم، ودجل المشايخ وشعوذتهم فيعاقب صاحبها العقوبة التعزيرية حسب الضرر الذي ألحقه بمن غرّر بهم ممن تعاملوا معه. ومعلوم أن العقوبة التعزيرية في الإسلام تصل القتل حسب نوع الجريمة التي يقترفها.

ولكن الفرق بين القتل حداً والقتل تعزيراً أن الأول مرتد لا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين، والثاني مسلم فاسق أو فاجر حسب نوع جريمته يُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين.

  1. ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ).

يبين الله سبحانه أن الذين يتعلمون السحر ويعملون به يستطيعون بما يفعلونه من أفاعيل للذين يتعاملون معهم من الناس أن يوجدوا مشاكل بينهم وبين أزواجهم فتؤول إلى طلاق أو افتراق، ثم يبين الله سبحانه أمراً عَقَدِياً مهماً لإزالة ما يمكن أن يدخل إلى أفهام الناس من أن الساحر له قدرة الله سبحانه، أو أنه يستطيع أن يحدثَ أموراً رغماً عن الله سبحانه، فيبين الله في هذه الآية أنه لا يتم شيء في ملك الله سبحانه إلا بإذنه، أي ليس رغماً عنه، وهذا المعنى هو معنى مشيئة الله أو ما أطلق عليه إرادة الله، فلا يحدث شيء في ملكوت الله رغماً عنه سبحانه، أي كلّ ما يحدث بإذنه أو بمشيئته أو بإرادته سبحانه وتعالى ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ   ) التكوير/آية29 وليس يعني ذلك برضاه، فالله لا يرضى الكفر والمعاصي ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) الزمر/آية7 وإنما هذا اصطلاح له هذا المعنى من استقراء النصوص، ولا يفسر إذنه أو مشيئته أو إرادته من الحقيقة اللغوية من أذن أو شاء أو أراد لغة والتي تعني السماح بفعل الشيء أو طلب الشيء أو الرضا، بل تفسر بدلالة اصطلاحية كأي حقيقة عرفية لأهل اللغة وأهل الفقه أو أهل الأصول أو أي علم من العلوم.

و( بِإِذْنِ اللَّهِ ) دلالته عظيمة في هذا الموضع، فإن ما يظهر من أعمال السحرة أمام الناس من حيث سحر أعين الناس ومشاهدة بعض الأمور على غير حقيقتها قد يُتوهم أنهم يخلقون مثل الله سبحانه أو يفعلون أموراً لا يستطيع الله إبطالها، فأكّد الله سبحانه أن ذلك لا يتمّ إلا بإذنه، أي ليس رغماً عنه بل بإرادته ومشيئته بهذا المعنى، وأن الله سبحانه يستطيع إبطال سحرهم فلا يحدث شيء في ملك الله سبحانه رغماً عنه.

وهنا قد يقول قائل: إذن لماذا لا يبطل الله سحرهم؟!

إن الله سبحانه بيّن الخير من الشرّ، وبيّن لنا أن الخير يجزى المرء عليه بخيرٍ والشرّ يجـزى عليه بشـرٍّ، ثم أعلمنا كذلك أن الله يسـتطيع أن يجـعلنا أمةً واحدةً بخيرٍ أو بشرٍّ ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) هود/آية118، ولكن الله سبحانه لحكمة يعلمها تركنا نختار ما نريد من شرٍّ أو خيرٍ ونجزى بهما، فيدخل الجنة قسمٌ والنار قسمٌ ( وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) السجدة/آية13 ولذلك فلا محلّ للتساؤل لماذا لم يبطل الله فعل السحرة الشرير ذلك؟، أو لماذا لم يدفعنا الله سبحانه إلى الخير في كلّ ما أمرنا؟، أو لماذا لم يمنعنا الله سبحانه من فعل الشرّ فلا نفعل إلا خيراً؟ … فالله بيّن لنا الخير من الشر وتركنا نختار وهي حكمة الله سبحانه ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) الأنبياء/آية23 ولكننا في جميع الحالات يجب أن نعتقد أنه في ملك الله لا يتمّ شيء رغماً عنه سبحانه بل بإذنه وبإرادته وبمشيئته سبحانه.

  1. ( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ).

وهذا يعني أن كلّ ما في السـحـر شـرٌّ، فهـذا وصـفٌ لما يتعـلمونه وهو السحر ( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) وهذا الوصف دلالته واضحةٌ أنَّ الذي يتعلمونه يضرهم ولا ينفعهم، فالسحر كله شرٌّ وضررٌ ولا نفع فيه.

ثم يبين الله سبحانه أن الذي يعمل بالسحر على وجهه الذي بيناه سابقاً لا نصيبَ له في الآخرة لأنه كافرٌ بالله وآياته.

( اشْتَرَاهُ ) ابتاعه، وهي هنا استعمال مجازي أي جعله مهنة له، فابتاع الشيء يكون طلباً للانتفاع به باستهلاك العين أو أخذ العوض عنها، وهو هنا اتخاذ السـحر مهنة تدرّ عليه دخلاً (انتفاع بزعمه) وكأنما هو اشترى السحر.

( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) خبر في معنى طلب الترك، أي في معنى النهي الجازم عن تعاطي السحر.

( وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) أي ولبئس ما باعوا به أنفسهم فإنهم عرّضوا أنفسهم لعقاب الله وبذلوها مقابل نار جهنم ( ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘﮙ ) فالعوض الذي أعد لهم مقابل بيع أنفسهم وبذلها في السحر، هذا العوض هو غضب الله وعذابه ونار جهنم، وهو بحقّ بيع بئيس خاسر.

( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) أي لو كانوا ينتفعون بما علموا، فإن الذي يعلم علماً ولا ينتفع به ولا يلتزم بدلالة ما علم فكأنه لا يعلم، فمن علم أن السحر عاقبته وخـيـمـة ثم يتعـاطاه فكأنه لم يعـلم، وهـذا من القوة في دلالته على موضـوعـه، فسبحان الله سبحانه!

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع “أعوذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع)4( وهذا الاستعمال من القوة بمكان كما قلنا، وهو في كتاب الله في غير هذا الموضع، كما أنه مستعمل في دلالات أخرى، ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) الحج/آية46 ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) البقرة/آية171.

فالذي لا ينتفع بسمعه فكأنه لا يسمع.

والذي لا ينتفع ببصره فكأنه لا يبصر.

والذي لا ينتفع بنطقه فكأنه لا ينطق.

والذي لا ينتفع بعقله فكأنه لا يعقل.

ومن لا ينتفع بعلمه فكأنه لا يعلم.

ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ.

)1(         أخرجه مسلم، ومعنى يقرفون: يخلطون فيه الكذب.

 

)2(         فهو استعمال مجازي لعلاقة المسببية، فالسحر هو سبب الكفر.

 

)3(         تفسير الطبري: 1/451

 

)4(         مسلم: 4899، الترمذي: 3404، أبو داوود: 1324، النسائي: 5347، ابن ماجه: 3827، أحمد: 6720

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *