العدد 325 - السنة الثامنة والعشرون صفر 1435هـ – كانون الأول 2013م

رغم المؤامرة العالمية عليه: «مشروع عودة الخلافة» يتقدم نحو هدفه بإصرار تحت شعار: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

رغم المؤامرة العالمية عليه: «مشروع عودة الخلافة» يتقدم نحو هدفه بإصرار تحت شعار:

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

لا شك أن أميركا تعيش هاجس عودة الإسلام السياسي إلى المسرح الدولي، وهي تعد خططها لمنع ذلك، وهي تعرف أن هذا المشروع متى نجح أمكن له أن يجمع المسلمين، مع كامل إمكاناتهم وثرواتهم، ضمن دولة واحدة جامعة سماها بوش الصغير وساركوزي بـ«الإمبراطورية الإسلامية» ويسميها الإسلام والمسلمون بـ«دولة الخلافة». وقد بدأ هذا الهاجس الأميركي منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، وقد قيل وقتها أن أميركا تبحث عن عدو بديل له، وأنها وجدته حقيقة في الإسلام السياسي. ومنذ ذلك الوقت فتح باب الجحيم الأميركي على مصراعيه ضد المسلمين: من العراق (عاصفة الصحراء) ومحاصرته، إلى احتلال أفغانستان ثم العراق ثم الصومال، إلى مواجهة ثورات ما يسمى بـ(الربيع العربي). فالغرب، وعلى رأسه أميركا، اجتهد، فيما يتعلق بثورات ما يسمى بـ(الربيع العربي)، في إخفاء الحالة الإسلامية التي تريد التغيير على أساس الإسلام، ولكنه لم يستطع، إذ سرعان ما بدأ الحديث عن «الربيع الإسلامي» يفرض نفسه، واتُّهم الإسلام السياسي بأنه يحاول خطف الثورات. وهذا ما أكَّد للغرب من جديد أنَّ توجُّه الأمة نحو التغيير على أساس دينها هو توجه أصيل قوي، وهو يتقدم نحو هدفه بإصرار، وهذا ما شرعت تعيه وتخشاه تماماً أميركا ومعها دول الغرب، وكذلك الأنظمة العميلة الحاكمة في بلاد المسلمين ومعها العلمانيون من أهل بلاد المسلمين، وهم يبذلون قصارى جهدهم لمنعه.

والمَلمَح الأساسي لخطط أميركا لمنع عودة دولة الخلافة يقوم على إعادة صياغة دول المنطقة من جديد وتقسيمها على أساس طائفي أو عرقي أو مذهبي… لتحقق من خلاله إيجاد كيانات متنافرة متنازعة وغير قابلة للاتحاد من جديد، وهو ما يعبر عنه ببعث وحماية الأقليات؛ وذلك رداً على الحالة الإسلامية العارمة التي عبرت عن رفضها المطلق للاستعمار الغربي وعزمها على إقامة الدولة الإسلامية الجامعة التي تجمع المسلمين تحت ما يعرف عندهم بـ«دار الإسلام». ويؤيد هذا الكلام ما بات يتصدر المشهد السياسي في المنطقة من ظهور نزاعات طائفية أو عرقية، ولعل أظهرها هو النزاع المذهبي الذي تستخدمه أميركا والتي رضيت إيران أن تكون نجمته الأولى. وهذا ما اقتضى أن تستدير دائرة السياسة الأميركية باتجاه إيران لتكون هي الأداةَ الأهمَّ والسهمَ الأسمَّ في تنفيذ المخطط الأميركي. على أن إيران بدأت بالتنفيذ منذ وقت مبكر في أفغانستان، وفي العراق، وفي لبنان، وفي اليمن… والآن في سوريا وفي البحرين. وهذا الملمح سرَّعت تطورات مواجهة ثورات «الربيع العربي» الدراماتيكية، وخاصة في سوريا بكشفه أكثر بشكل سبب القلق المصيري لدول مثل دول الخليج وخاصة السعودية، وبدرجة قريبة منها لـ(إسرائيل).

أما دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، فإن الأسر المالكة فيها، ونتيجة لهذا الدور الإيراني، تعيش حالة من الشعور بتهديد وجودي لها في الحكم، وخاصة آل سعود. ويذكر أنه تم تسريب خارطة تقسيم للمنطقة تطال السعودية أكثر من غيرها. فقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في 30/9/2013م خريطة تظهر فيها خمس دول في الشرق الأوسط وقد قسمت إلى 14 دولة، وذلك بفعل النزاعات الطائفية والسياسية الدائرة حالياً وذلك وفقاً للمحلل روبن رايت. وبحسب التقرير، فقد تم تقسيم سوريا إلى ثلاث دول، هي: الدولة العلوية، وكردستان السورية، والدولة السنية. أما السعودية، فتم تقسيمها إلى خمس دويلات، وذلك وفقاً لاعتبارات قبلية وطائفية، ونتيجة خلافات الجيل الشاب من الأمراء… « وأما (إسرائيل) فإنها ستخسر دورها الذي وجدت بالأصل من أجله، وهو أن تكون شرطي الغرب في المنطقة، ومؤمنة لمصالحه، ومانعة لتوحده ولنهضته من جديد؛ إذ ستأخذ إيران منها هذا الدور لمصلحة أميركا، و(إسرائيل) تكاد لا تنفك أبداً عن الشعور الدائم بالخوف على وجودها، بالإضافة إلى صفات موروثة عندها كالجبن مثلاً ما يجعلها ترفض أي مشروع آخر غير مشروعها. وهذا ما قد يؤدي إلى وجود تقاطع مواقف ومصالح، وربما أكثر من ذلك، بين السعودية و(إسرائيل) ضد إيران.وعليه فإن كلاً من السعودية وإيران تتلطيان بالإسلام، وتتخذانه مطية لهما لتحقق كل واحدة منهما مصلحتها البعيدة كل البعد عن الشرع.

ولعل ما يؤكد أكثر وأكثر أن حقيقة الصراع هو منع عودة دولة الخلافة من جديد هو ما أشار إليه وليد المعلم وزير خارجية النظام السوري المجرم صراحة بقوله: «نعلم أن من يتربصون بسوريا ومن يطالبون بإقامة دولة الخلافة الإسلامية لن يقفوا عند حدود سوريا، فما نقوم به هو دفاع حتى عن الأردن ولبنان وتركيا من إنجازات الجيش تجاه هذه المجموعات الإرهابية”. وما صرح به لافروف حديثاً من على منبر الأمم المتحدة في خطابه أمام الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في 27/9/2013م حيث حذر من أن «أكثر المجموعات المسلحة قوة في سورية هي المجموعات الجهادية التي تضم العديد من المتطرفين الذين جاؤوا من كل أرجاء العالم، والأهداف التي يسعون لتحقيقها ليست لها أي علاقة بالديمقراطية، وهي تقوم على مبادئ التعصب، ويهدفون إلى تدمير الدول العلمانية، وإقامة خلافة إسلامية». وبعد خروجه من اجتماعات الأمم المتحدة حول التخلص من السلاح الكيمياوي السوري صرح أيضاً أن بلاده لا تستبعد إشراك المعارضة السورية المسلحة في مؤتمر جنيف2 «ما لم تكن تفكر في إقامة الخلافة» وكذلك هو ما عبر عنه السفاح بشار الأسد، ولكن بطريقة أخرى، وذلك بقوله للغرب إنه «المعقل الأخير للعلمانية في المنطقة»                              

من هنا فإن ما نراه من إجرام في سوريا يشير إلى قوة إصرار أميركا لمنع إقامة الخلافة إذ تعتبره متعلقاً بـ«أمنها القومي» كما صرح بذلك أوباما نفسه. وما يرتكبه السفاح بشار، ومعه إيران، من إجرام غير مسبوق وعلى مرأى من العالم فإنهما لا يفعلانه عن أمرهما، بل عن أمر أميركا. وكذلك فإن ما نراه من تآمر دولي مكشوف على ما يرتكب في سوريا تحديداً فإنما يشير إلى حرب عالمية لمنع عودة الخلافة من جديد إلى المسرح الدولي.   هذا هو صعيد الصراع الحقيقي الذي تخوضه أميركا ومعها الغرب اليوم في المنطقة، وليس ما تحاول أن تغلفه بادعائها محاربة الإرهاب. وإن تفتيت المنطقة من جديد وعلى أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي هو أبرز ما في المشروع الأميركي المستقبلي للمنطقة الذي ستمنع به في نظرها مشروع إقامة الخلافة.

والسؤال الذي قد يتبادر هنا للذهن هو: هل يمكن للمسلمين، وهم على ما هم فيه من الاستضعاف، أن يواجهوا هذه الهجمة الشرسة، وهذا الاستكبار العالمي الذي تقوده أميركا لمنع مشروعهم في إقامة دولة الخلافة؟

وقبل البدء بالإجابة لا بد من التمهيد بالقول إن الحضارة الغربية الرأسمالية قد أفلست ولم تثمر إلا عجفاً، ولم تولد إلا الأزمات، ولم تجرَّ على دول العالم إلا الويلات، وأصبحت هناك ضرورة عالمية لازمة لبديل حضاري عالمي لقيادة العالم، وهي من أجل ذلك أصبحت آيلة إلى السقوط، وهي تقاوم لمنع ذلك، وهذا أحد أهم عناصر الهلع الغربي عامة والأميركي خاصة من عودة الخلافة، سيَّما وأنها تدرك جيداً أن الإسلام هو البديل الحضاري الصالح، وأن مشروعه بات جاهزاً منتظراً الأبواب أن تخلع أمامه حتى يتقدم لقيادة العالم من جديد، ولكن على أسس من الحق والعدل، لا على أسس المصالح المادية الأنانية الظالم أهلها؛ لذلك فإن أميركا هي التي تقف في وجه التغيير الحقيقي المنشود. وفي حقيقة الأمر، فإن أميركا هي التي تقاوم، والإسلام هو الذي يهاجم، وليس العكس كما يحاول السحر الأميركي أن يوهم العالم بصدق كذبه. وهذا من أهم عوامل انتصار المشروع الإسلامي على المشروع الغربي.

وهناك أمر آخر لا يقل أهمية عما ذكر من قبل، وهو أن الحرب الضروس التي يشنها الغرب بقيادة أميركا على الإسلام أصحاب المشروع الإسلامي ليست حديثة المولد، بل هو قد بدأها منذ فترة طويلة، وهو ينتقل فيها من فشل إلى فشل، ومن إفلاس إلى إفلاس، ومن مزيد غرق إلى مزيد غرق، وفي مقابل ذلك يتقدم المشروع الإسلامي بخطى ثابتة واثقة بالرغم مما أصابه من إجرام؛ لأن المسلمين لا تنحصر حساباتهم فقط بالدنيا وبالمصالح الدنيوية الضيقة، بل بالدنيا والآخرة معاً، وبرضى الله تعالى، وهذا بحد ذاته مؤشر واضح على أن الغلبة ستكون للمشروع الإسلامي وأصحابه، إن شاء الله تعالى.

أما من حيث الإجابة العملية على السؤال، فإن أول ما يجب على المسلمين أن يتنبهوا له، من أجل مواجهة المشروع الأميركي، هو ضرورة إقامة دولة الخلافة أولاً. فالمواجهة حتى تكون متكافئة لا بد من أن تباشرها دولة وليس جماعات أو مجموعات دعوية أو سياسية أو عسكرية… بل لا بد من إقامة دولة إسلامية أولاً، تأخذعلى عاتقها عبء المواجهة، وتوفر لها كل الإمكانات، وتهيئ لها أسباب النجاح. فإمكانات الدول غير إمكانات الجماعات مهما عظمت. وهذا ما فعله الرسول  صلى الله عليه وسـلم  في مكة، فإن أول ما قام به هو إيجاد تكتل الصحابة معه وإعداده ليقوم معه بمهمة إقامة الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، وليقوموا هم بمهمة الاستخلاف في الأرض من بعده. فالرسول  صلى الله عليه وسـلم  بعد أن أقام دولته واجه قريشاً وفتح الجريرة العربية ووجه الجموع لقتال الروم، وبعد وفاته  صلى الله عليه وسـلم  أكمل الصحابة المهمة، عن طريق دولة الخلافة الراشدة، فقضوا على إمبراطوريتي ذلك الزمان روم وفارس. ومما يذكر أن الصحابة في مكة، بعد أن عانوا من حالة الاستضعاف ما عانوا، عرضوا على الرسول  صلى الله عليه وسـلم  قتال قومهم لرد ظلمهم عنهم، أي فكروا بالرد على ظلم قريش لهم كجماعات، فجاءهم الرد من القرآن الكريم، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا    ) قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسـلم- مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَقُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَانُوا يُلْقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيرًا وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائذن لنا في قِتَالِ هَؤُلَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمْ:«كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ فإني لم أؤمر بِقِتَالِهِمْ»، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسـلم- إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن عوف وأصحابه أَتَوْا إِلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسـلم- بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً! فَقَالَ:«إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا والقوم»، فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ).

ثم إنه من باب التأسي بالرسول  صلى الله عليه وسـلم  الواجب على المسلمين في إقامة الدولة الإسلامية الثانية كالتي أقامها الرسول  صلى الله عليه وسـلم  في المدينة، لا بد من إقامة تكتل كتكتل الصحابة يعدُّ فيه رجال دعوة ودولة على طراز فريد، ولا بد من تأمين أرص تحتضن هذه الدعوة والدولة، ولا بد من كسب أنصار لها من أهل القوة والمنعة لحماية الدعوة وأهلها وإقامة الدولة والقيام معها بأمر الله إذا جاء. وهذا بفضل الله ورعايته نراه قد وجد بمعظمه اليوم، ولم يبقَ منه إلا القليل القليل.

فمن حيث وجود تكتل على غرار تكتل الصحابة مع الرسول  صلى الله عليه وسـلم  الذي أعده لتقوم على عاتقه مهمة تطبيق الإسلام معه ومن بعده، فإنه ولله الحمد وحده، قد وجد بين المسلمين اليوم تكتل واحد على الأقل، وهو حزب التحرير، قد أعد نفسه لهذه الغاية العظيمة، وقد تحمَّل خلال سنوات طويلة من الدعوة ما لا يتحمَّله إلا أولو العزم من المسلمين، وهو قد هيَّأ كل ما يتطلبه أمر إقامة هذا الدين، من إعداد رجال دعوة ودولة يكونون على مستوى أن يقيموا خلافة راشدة ثانية على غرار الخلافة الراشدة الأولى. ومن إعداد دستور إسلامي يقوم حصراً على العقيدة الإسلامية، وعلى الأحكام الشرعية، وعلى طريقة الإسلام المنضبطة في الاستنباط. ومن وضع مختلف الدراسات اللازمة للعمل. ومن إلمام بالسياسة الدولية وخبرة في كشف ألاعيب الغرب ومعرفة بمواقع ضعفه وقوته… وإن وجود حزب التحرير وعمله الدؤوب لإقامة هذا الفرض العظيم  وصبره عليه، كان له أثره الأفعل، في جعل هذا الفرض يتقدم عند الأمة بشكل مرعب عند الغرب. ولعل وجود مثل هذا الحزب بين الأمة هو الذي يجعل هذا المشروع جدياً؛ لأنه يجعله قابلاً حقيقة للتطبيق. 

أما من حيث الأمة الإسلامية فإنها لم تنفك في يوم من الأيام عن الشعور أنها أمة واحدة من دون الناس، وتتجاوز في وحدتها كل تلك الحدود والكيانات التي اصطنعها الغرب. وما يحدث للمسلمين في أي مكان من مكائد وقتل وظلم… فإنه يهمُّ المسلمين في كل مكان. وهي كما مرضت بمجموعها في السابق بسبب ضعف ثقتها بدينها وفتنتها بحضارة الغرب، نراها تتماثل بمجموعها للشفاء بعدما انكشفت أمامها سوءة الحضارة الغربية، وعادت إليها ثقتها بدينها من جديد، وباتت تريد عودته بإصرار عن طريق إقامة دولة الخلافة، وصدق فيها قول القائل: «من ترك أمراً من أمور الشرع أحوجه الله إليه» 

والأمة الإسلامية تنطلق في شعورها بالوحدة من إيمانها الواحد بأن الله سبحانه وتعالى هو وحده خالقها ومدبر أمرها، وأنه خلقها لعبادته، ومن إيمانها أن الإسلام هو دين الله الحق الذي يجب على المسلمين العيش بحسبه ضمن دولة الخلافة، والذي يجب عليهم نشره عن طريق الدعوة والجهاد. والإيمان بالإسلام كله جعل المسلمين المنتشرين في كل جنبات الأرض أمة واحدة لها قبلة واحدة، ونظام حياة واحداً، وشعائر تعبدية واحدة، ودولة إسلامية جامعة واحدة هي دولة الخلافة التي يتطلعون من خلالها لإعلاء كلمة الله وحده. والناظر في واقع الأمة اليوم يجد هذه الأمور مترسخة فيها ما جعل الغرب يقلق أشد القلق ويكيد كيده. وهذا عامل قوة في عملية التغيير لصالح الأمة في صراعها مع الغرب.

ثم إنه إذا كان في الأمة جماعة تستطيع، بعون الله تعالى، أن تقيم الحكم بما أنزل الله، كما ذكرنا، وكانت الأمة تريد، بل وتتشوق لإقامة هذا الفرض، فإنه لا يبقى مطلوباً ولم يتحقق من طريقة الرسول  صلى الله عليه وسـلم  إلا أمر واحد، وهو أن يقوم أهل القوة والمنعة في هذه الأيام بنصرة أهل الدعوة لإقامة الخلافة تماماً كما حدث مع الرسول  صلى الله عليه وسـلم ، فعندما استجاب أهل المدينة للرسول ولدعوته ووافقوا على نصرته وقدموها له إيماناً واحتساباً، سماهم الله بأشرف وصف لهم هو «الأنصار». فالرسول  صلى الله عليه وسـلم   كان يملك الحق ولم يكن يملك القوة، ولأن الحق هو الذي يقود القوة، كان أمر الله تعالى أن يكون لأهل الدعوة أهل نصرة ليتم العمل بينهما مشتركين لا منفردين، وصار واجباً كذلك على أهل النصرة من الذين يريدون إقامة دولة الخلافة أن يبحثوا هم بأنفسهم عن العاملين لإقامة الخلافة حتى يكتمل العمل بهما، تماماً كما يبحث أهل الدعوة عنهم، خاصة وأن هذا الأمر فرض من الله تعالى، والقيام به والاستجابة له أجره عظيم.

وبهذا يمكن القول يكل اطمئنان إن هذه العودة الحميدة إلى الحكم بالإسلام، تسير بإصرار نحو اكتمالها واستوائها على أصولها بشكل لافت ومدهش، ويتوقع لها أن تبلغ هدفها وتؤتي ثمارها بإذن ربها رغم كل المعوِّقات، وكل المكر والمؤامرات، وكل التضحيات، ورغم أن أصحاب المشروع الإسلامي غير ممكنين من التعبير عما يريدون، بل ممنوعون، بل هم مهاجمون. وما يزيد الاطمئنان هو أن هناك آيات واعدة المؤمنين بالنصر والاستخلاف والتمكين على الدوام ما كان المسلمون مستمسكين بالوحي. قال تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). وقال تعالى: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) . وقال تعالى: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ). وهناك أحاديث صحيحة عن الرسول  صلى الله عليه وسـلم  تنبئنا نبأ صدق وتعدنا وعد حق بأن الخلافة الراشدة كائنة في آخر الزمان لقوله  صلى الله عليه وسـلم : «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة». وأحاديث تخبرنا أن عقر دار الإسلام سيكون في الشام؛ وذلك بقوله  صلى الله عليه وسـلم : «عقر دار الإسلام بالشام» وهذا يعني أمرين أنه سيكون للإسلام دار وأنه سيكون عقرها الشام. وهناك أحاديث أن هذا الدين سيبلغ حكمه ما بين المشرق والمغرب لقوله  صلى الله عليه وسـلم : «ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، يعز بعز الله في الإسلام ويذل به في الكفر». وهناك أحاديث أن المسلمين يقاتلون يهود وأنهم قاتلوهم إن شاء الله تعالى، وذلك في قوله  صلى الله عليه وسـلم : «تقاتلكم يهود فتقتلونهم». وهناك أحاديث تشير إلى أن روما يفتحها المسلمون بعد القسطنطينية، وهي لم تفتح بعد، ومن ذلك قوله  صلى الله عليه وسـلم  فيما رواه أحمد في مسنده عن أبي قبيل قال: «كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبدالله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتاباً،  قال: فقال عبدالله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسـلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسـلم أي المدينتين تفتح أولاً، أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسـلم: «مدينة هرقل تفتح أولاً» يعني القسطنطينية.»

فهل بعد هذه المبشرات من مبشرات؟! وهل بعد هذه الأحاديث من أحاديث؟!

وأخيراً نقول: كما أن الغرب، وعلى رأسه أميركا، يعلن صراحة حربه ضد الإسلاميين العاملين لإقامة دولة الخلافة، فعلى المسلمين جميعاً أن يعلنوا صراحة، وبكل قوة أنهم مع إقامة دين ربهم امتثالاً لقوله تعالى: ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا ). ومع العمل لإقامة شرع الله مع الجماعة التي قامت امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فنحن على حق وهم على باطل ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ  ). وعلى الله قصد السبيل.q

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *