العدد 27 - السنة الثالثة – العدد 27 – ذو الحجة 1409هـ، الموافق تموز 1989م

أحكام الحج

فكر إسلامي:

أحكام الحج

هذا البحث مأخوذ بحرفيته من كتاب (تفسير آيات الأحكام) بقلم: محمد علي الصابوني، الجزء الأول ص 246 ـ 256 وص 410 ـ 415. ومجلة «الوعي» تحض قراءها وتحض سائر المسلمين على دراسة الأحكام الشريعة مع أدلتها، إذ الأصل في المسلم هو التفقه في الدين لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ يرد اللهُ به خيراً يفقه في الدين». وأُسّ التفقه هو معرفة الأدلة. وفيما يلي بحث الصابوني:-

الحكم الأول: هل العمرة واجبة كالحج؟

اختلف الفقهاء في حكم العمرة، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها واجبة كالحج، وهو مروي عن (علي) و(ابن عمر) و(ابن عباس).

وذهب المالكية والحنفية إلى أنها سنة، وهو مروي عن (ابن مسعود) و(جابر بن عبد الله).

أدلة الشافعية والحنابلة:

استدل الشافعية والحنابلة على مذهبهم ببضعة أدلة نوجزها فيما يلي:

أولاً: قوله تعالى: ]وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ[ فقد أمرت الآية بالإتمام وهو فعل الشيء والإتيان به كاملاً تاماً فدل على الوجوب.

ثانياً: ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال لأصحابه: «من كان معه هَدْيٌ فليهلّ بحجة وعمرة».

ثالثاً: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».

أدلة المالكية والحنفية:

واستدل المالكية والحنفية على أن العمرة سنّة بما يلي:

أولاً: عدم ذكر العمرة في الآيات في الآيات التي دلت على فريضة الحج مثل قوله تعالى: ]وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ[، وقوله جل ثناؤه: ]وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ[ الآية.

ثانياً: قالوا إن الأحاديث الصحيحة التي بيّنت قواعد الإسلام لم يرد فيها ذكر العمرة، فدل ذلك على أن العمرة ليست بفريضة، وأنها تختلف في الحكم عن الحج.

ثالثاً: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحج جهادٌ والعمرة تطوع».

رابعاً: ما روي عن جابر بن عبد الله: «أنّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا خير لكم».

خامساً: وأجابوا عن الآية والأحاديث التي استدل بها الشافعية فقالوا: إنها محمولة على ما كان بعد الشروع، فإن التعبير بالإتمام مشعر بأنه كان قد شرع فيه، وهذا يجب بالاتفاق.

قال العلامة الشوكاني: «وهذا وإن كان فيه بعد، لكنه يجب المصير إليه جمعاً بين الأدلة، ولا سيما بعد تصريحه صلى الله عليه وسلم بما تقدم في حديث جابر من عدم الوجوب، وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها».

أقول: لعل هذا الرأي يكون أرجح والله تعالى أعلم.

الحكم الثاني: هل الاحصار يشمل المرض والعَدُوّ؟

اختلف العلماء في السبب الذي يكون به الاحصار، والذي يبيح للمحرم التحلل من الإحرام.

فذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الاحصار لا يكون إلا بالعدو، لأن الآية نزلت في إحصار النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، عندما منع من دخول مكة هو وأصحابه وكانوا محرمين بالعمرة.

وقال ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو.

وذهب أبو حنيفة: إلى أن الاحصار يكون من كل حابس الحاج عن البيت، من عدو، أو مرض، أو خوف، أو ذهاب نفقه، أو ضلال راحلة، أو موت محرم الزوجة في الطريق، وغير ذلك من الأعذار المانعة.

وحجته: ظاهر الآية ]فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ[ فإن الاحصار ـ كما يقول أهل اللغة ـ يكون بالمرض، وأما الحصر (المنع والحبس) فيكون بالعدو، فلما قال تعالى: ]أُحْصِرْتُمْ[ ولم يقل (حصرتم) دلّ على أنه أراد ما يعم المرض والعدو.

واستدل بما روي عن ابن مسعود أنه أفتى رجلاً لدغ بأنه محصر وأمره أن يحل.

وحجة الجمهور: أن الله تعالى ذكر في الآية قوله ]فَإِذَا أَمِنتُمْ[ وهو يدل على أنه حصر العدو لا حصر المرض، ولو كان من المرض لقال: (فإذا برأتم) ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، فقيّد إطلاق الآية وهو أعلم بالتنزيل.

الترجيح: ولعلّ ما ذهب إليه الحنفية يكون أرجح، فهو الموافق لظاهر الآية الكريمة، والموافق ليسر الإسلام وسماحته، وقد اعتضد بأقوال أهل اللغة، فإنهم جميعاً متفقون على أن (الاحصار) يكون بالمرض، و(الحصر) يكون بالعدو، والآية بظاهرها تميل إلى التيسير، فإن المريض الذي يشتد مرضه كيف يمكنه إتمام المناسك! والشخص الذي تضل راحلته، أو تضيع نقوده كيف يستطيع متابعة السفر، مع أنه لم يعد يملك نفقة ولا زاداً؟! وهل يكلفه الإسلام أن يستجدي من الناس؟!

وهذا الذي رجحناه هو الذي اختاره شيخ المفسرين (ابن جرير الطبري) رحمه الله حيث قال ما نصه:

«وأولى التأويلين بالصواب في قوله: ]فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ[ تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدو، أو مرض، أو علة من الوصول إلى البيت، أي صيّركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم. ولو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: ]فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ[ فإن حبسكم حابسٌ من العدو عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حصرتم».

أقول: ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حُجّي واشترطي أن مَحِلّي حيث حبستني» فقد دل على أن المرض من الأسباب المبيحة للتحلل، وهذا ما يتفق مع سماحة الإسلام ويسر أحكامه.

الحكم الثالث: ماذا يجب على المحصر، وأين موضع ذبح الهدي؟

الآية الكريمة صريحة في أن على (المحصر) أن يذبح الهدي لقوله تعالى: ]فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ[ وأقله شاة، والأفضل بقرة أو بدنه، وإنما تجزئ الشاة لقوله تعالى: ]فَمَا اسْتَيْسَرَ[ وهذا رأي جمهور الفقهاء، وروي عن ابن عمر أنه قال: بدنه أو بقرة ولا تجزئ الشاة، والصحيح رأي الجمهور.

وأما المكان: الذي يذبح فيه هدي الاحصار فقد اختلف العلماء فيه على أقوال:

فقال الجمهور (الشافعي ومالك وأحمد): هو موضع الحصر، سواءً كان حِلاً أو حرماً.

وقال أبو حنيفة: لا ينحره إلا في الحرم لقوله تعالى: ]ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ[.

وقال ابن عباس: إذا كان يستطيع البعث به إلى الحرم وجب عليه، وإلاّ ينحره في محل إحصاره.

قال الإمام الفخر: «ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية، فقال الشافعي: المحلّ في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل، وقال أبو حنيفة: إنه اسم للمكان».

الترجيح: والراجح رأي الجمهور اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أحصر بالحديبية ونحر بها وهي ليست من الحرم، فدلّ على أن المحصر ينحر حيث يحل في حرمٍ أو حل، وأما قوله تعالى: ]هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ[ وقوله: ]ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ[ فذلك ـ كما يقول الشوكاني ـ في الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت والله تعالى أعلم.

الحكم الرابع: ما هو حكم المتمتع الذي لا يجد الهدي؟

دل قوله تعالى: ]فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ[ على وجوب دم الهدي على المتمتع فإذا لم يجد الدم ـ إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان ـ صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله.

وقد اختلف الفقهاء في هذا الصيام في قوله تعالى: ]فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ[ الآية.

فقال أبو حنيفة: المراد في أشهر الحج وهو ما بين الاحرامين (إحرام العمرة) و(إحرام الحج)فإذا انتهى من عمرته حلّ له الصيام وإن يحرم بعد بالحج، والأفضل أن يصوم يوم التروية، ويوم عرفة، ويوماً قبلهما يعني (السابع، والثامن، والتاسع) من ذي الحجة.

وقال الشافعي: لا يصح صومه إلا بعد الإحرام في الحج لقوله تعالى: ]فِي الْحَجِّ[، وهي من عند شروعه إلى في الإحرام إلى يوم النحر، والأصح أنها لا تجوز يوم النحر، ولا أيام التشريق، والمستحب أن تكون في العشر من ذي الحجة قبل يوم عرفة.

ويرى بعض العلماء أن من لم يصم هذه الأيام قبل العيد، فله أن يصومها في أيام التشريق، لقول عائشة وابن عمر رضي الله عنهما: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لا يجد الهدي».

ومنشأ الخلاف بين (المنفية) و(الشافعية) هو اختلافهم في تفسير قوله تعالى: ]ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ[ فالحنفية قالوا في أشهر الحج، والشافعية قالوا: في إحرام الحج، وبكلٍ قال بعض الصحابة والتابعين.

وأما السبعة أيام فقد اختلف الفقهاء إلى الأهل والوطن لقوله تعالى: ]وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ[.

فقال الشافعية: وقت صيامها الرجوع إلى الأهل والوطن لقوله تعالى: ]وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ[.

وقال أحمد بن حنبل: يجزيه أن يصوم في الطريق ولا يشترط أن يصل إلى أهل ووطنه.

وقال أبو حنيفة: المراد من الرجوع الفراغ من أعمال الحج وهو مذهب مالك رحمه الله.

قال الشوكاني: والأول أرجح فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «فمن لم يحد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله».

وثبت أيضاً في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ: «وسبعةٍ إذا رجعتم إلى أمصاركم».

الحكم الخامس: ما هي شروط وجوب دم التمتع؟

قال العلماء: يشترط لوجوب دم التمتع خمسة شروط:

الأول: تقديم العمرة على الحج، فلو حج ثم اعتمر لا يكون متمتعاً.

الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.

الثالث: أن يحج في تلك السنة لقوله تعالى: ]فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ[.

الرابع: ألا يكون من أهل مكان لقوله تعالى: ]ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[.

الخامس: أن يحرم بالحج من مكة، فإن عاد إلى الميقات فأحرم بالحج لا يلزمه دم التمتع.

وقال المالكية: شروطها ثمانية وهي كالتالي: (1- أن يجمع بين الحج والعمرة. 2- في سفر واحد. 3- في عام واحد. 4- في أشهر الحج. 5- وأن تقدم العمرة على الحج. 6- وأن يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة. 7- وأن تكون العمرة والحج عن شخص واحد. 8- وألا يكون من أهل مكة).

الحكم السادس: من هم حاضروا المسجد الحرام؟

دل قوله تعالى: ]ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[ على أنّ أهل الحرم لا متعة لهم، وهذا مذهب ابن عباس وأبي حنيفة، وقال (مالك، والشافي، وأحمد) إن للمكي أن يتمتع بدون كراهة وليس عليه هدي ولا صيام، واستدلوا بأن الاشارة تعود إلى أقرب المذكور، وأقرب المذكور هنا وجوب الهدي أو الصيام على المتمع، أو أبو حنيفة فقد أعاد الاشارة إلى التمتع والتقدير: ذلك التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. وقد اختلفوا في المراد من قوله تعالى: ]حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[.

فقال مالك: هم أهل مكة بعينها، واختاره الطحاوي ورجحه.

وقال ابن عباس: هم أهل الحرم، قال الحافظ: وهو الظاهر.

وقال الشافعي: من كان أهله على أقل مسافة تقصر فيها الصلاة، واختاره ابن جرير.

وقال أبو حنيفة: هم أهل المواقيت ومن وارءها من كل ناحية.

أقول: لعل ما ذهب إليه المالكية هو الأرجح والله تعالى أعلم.

الحكم السابع: ما هي أشهر الحج؟

اختلف العلماء في المراد من قوله تعالى: ]الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ[ ما هي هذه الأشهر؟

فذهب مالك: إلى أن أشهر الحج (شوال، ذو القعدة، وذي الحجة كلّه) وهو قول (ابن عمر) و(ابن مسعود) و(عطاء) و(مجاهد).

وذهب الجمهور (أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد): إلى أن أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وعشرة من ذي الحجة) وهو قول ابن عباس، والسدي، والشعبي، والنخعي. وأما وقت العمرة فجميع السنة.

قال الشوكاني: «وتظهر فائدة الخلافة فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال: إنّ ذا الحجة كله من الوقت لم يُلزْمه دم التأخير، ومن قال: ليس إلا العشر منه قال: يلزم دم التأخير».

الحكم الثامن: هل يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج؟

اختلف الفقهاء فيمن أحرم بالحج قبل شهر الحج هل يصح إحرامه؟ على أقوال.

الأول: روي عن ابن عباس أنه قال: من سُنّة الحج أن يحرم به في أشهر الحج.

الثاني: فذهب الشافعي أن من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يُجْزِهِ ذلك ويكون عمرة، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة.

الثالث: مذهب أحمد بن حنبل أنه مكروه فقط ويجوز الاحرام قبل دخول أشهر الحج.

الرابع: مذهب أبي حنيفة جواز الاحرام في الحج في جميع السنة كلها وهو مشهور مذهب مالك، واستدلوا بقوله تعالى: ]يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ[ وقالوا: كما يصح الاحرام بالعمرة عن جميع السنة، كذلك يجوز للحج.

قال العلامة القرطبي: «وما ذهب إليه الشافعي أصح لأن هذه عامة، وتلك الآية خاصة والخاص يقدم على العام» وقد مال إلى هذا المذهب الشوكاني ورجحه لأنه موافق لظاهر النص الكريم.

الحكم التاسع: ما هي محرمات الإحرام؟

حظر الشارع على المحرم أشياء كثيرة، منها ما يثب بالكتاب، ومنها ما ثبت بالسنة، ونحن نذكرها بالإجمال فيما يلي:

أولاً: الجماعة ودواعيه، كالتقبيل، واللمس بشهوة، والافحاش بالكلام، والحديث مع المرأة الذي يتعلق بالوطء أو مقدمامه.

 ثانياً: اكتساب السيئات، واقتراف المعاصي، التي تخرج الانسان عن طاعة الله عز وجل.

ثالثاً: المخاصمة والمجادلة مع الرفقاء والخدم وغيرهم.

والأصل في تحريم هذه الأشياء قوله تعالى: ]فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ[ وهذه كلها بنص الآية الكريمة.

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حجَّ فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

وقد ثبت بالسنة بعض المحرمات كالتطيب، وليس المخيط، وتقليم الأظافر، وقص الشعر أو حلقه، وانتقاب المرأة، ولبسها القفازين.. إلى آخر ما هنالك من محرمات وهذه تعرف من كتب الفروع.

الحكم العاشر: ما هو حكم الوقوف بعرفة، ومتى يبتدئ وقته؟

أجمع العلماء على أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة، من جاء ليلة جميع قبل طلوع الفجر فقد أدرك».

ويرى جمهور العلماء أن وقت الوقوف يبتدئ من زوال اليوم التاسع، إلى طلوع فجر اليوم العاشر، وأنه يكفي الوقوف في أي جزء من هذا الوقت ليلاً أو نهاراً، إلا أنه إذا وقف بالنهار وجب عليه مد الوقوف إلى ما بعد الغروب، أما إذا وقف بالليل فلا يجب عليه شيء.

وقد روي عن الإمام (مالك) رحمه الله أنه إذا أفاض قبل غروب الشمس لم يصح حجه وعليه حج قابل.

قال القرطبي: واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه؟

فقال (الشافعي وأحمد وأبو حنيفة) عليه دم، وقال (مالك) عليه حج قابل، والهدي ينحره في حج قابل وهو كمن فاته الحج.

الحكم الحادي عشر: حكم الجاني في الحرم؟

اتفق الفقهاء على أنّ من جنى في الحرم فإنه يقتص منه، سواءً كانت الجناية في النفس أم فيما دونها كالأطراف، وعللوا ذلك بأنّ الجاني انتهك حرمة الحرام فلم يعد يعصمه الحرم من القصاص، لأنه هو الذي أحدث فيه فيقتص منه. كما استدلوا بقوله تعالى: ]وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ[، واختلفوا فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقتص منه في الحرم؟ على مذهبين:

1- مذهب الحنفية والحنابلة: ذهب الإمام (أبو حنيفة) والإمام (أحمد) رحمهما الله إلى أنّ من اقترف ذنباً واستوجب به حداً ثم لجأ إلى الحرم عصمه لقوله تعالى: ]وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[ فأوجب الله سبحانه الأمن لمن دخله.. والآية الكريمة على تقديره (خبرٌ يقصد به الأمر) ويكون المعنى: من دخله فأمّنوه، فهو مثل قوله تعالى: ]فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ[ أي لا يرفثْ ولا يفسقْ ولا يجادل.

وهذا الرأي منقول عن حَبْر هذه الأمة (عبد الله بن عباس) فقد قال ابن عباس: إن جنى في الحِلّ ثم لجأ إلى الحَرَم لا يُقْتَصّ منه لكنه لا يُجالس لا يُبايع ولا يُكلّم حتى يخرج من الحرم فيقتص منه.. وهذا هو نفس مذهب الأحناف فإنهم قالوا إذا جنى ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يؤوي ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج فيقتص منه.

وقالوا: إن الحرم له حرمه خاصة فمن لجأ إليه احتمى كما قال تعالى: ]وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[ وكما قال تعالى: ]أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا[.

ب- مذهب المالكية والشافعية وذهب (الشافعية والمالكية) إلى أنّ من جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإنه يقتص منه، سواءً كانت الجناية في النفس أو غيرها. واستدلوا ببضعة أدلة منها: «ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل بعض المشركين في الحرم، وقال عن (ابن خطل) اقتلوه ولو رأيتموه متعلقاً بأستار الكعبة». ومنها ما ورد «إنّ الحرم لا يجير عاصياً، ولا فاراً بخربة ولا فاراً بدم» وأجابوا عن قوله تعالى: ]وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[ قالوا هذا كان في الجاهلية لو أنّ إنساناً ارتكب كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرض له حتى يخرج من الحرم، وهذا من منن الله عزّ وجل على أهل تلك البلاد فقد جعل لهم الحرم مركز أمن واستقرار.. أما الإسلام فلم يزده إلا شدةً فمن لجأ إليه جانياً أقيم عليه الحد، كيف لا والإسلام دين القوة والحزم؟!

الترجيح: ولعل الرأي الثاني هو الأوجه والأرجح لأننا لو أخذنا بالرأي الأول ـ على ما فيه من وجاهة ـ لأصبح الحرم مركزاً لاجتماع الجُناة المجرمين، ولاختل الأمن، لأن القاتل يقتل ثم يفر من وطنه ويأتي الحرم لأنه يعلم أنه يحميه، وبذلك تنتشر الجرائم وتكثر المفاسد والله تعالى أعلم.

الحكم الثاني عشر: حكم حج الفقير والعبد.

الفقير لا يجل عليه الحج لعدم الاستطاعة، ولكنه إذا أدى الحج سقط عنه الفرض بالإجماع، وأما العبد فإنه إذا حج هل تسقط عنه الفريضة؟

قال (أبو حنيفة): يقع حجة نفلاً ويجب عليه أن يحج متى عتق، لأنه يشبه الطفل دون البلوغ فإنه إذا حج ثم بلغ سن الرشد يجب عليه حجة الفريضة، كذلك العبد إذا حج ثم عتق يجب عليه حجة الفريضة.

وقال (الشافعي): يجزيه الحج قياساً على الفقير، واستدل بأنّ الجمعة لا تجب على العبد فإذا صلاها سقط عنه الظهر، فكذلك الحج إذا أداه تسقط عنه حجة الفريضة. وهذا الرأي ضعيف فقد نقل عن النووي وهو من أئمة المذهب الشافعي ما يخالف ذلك حيث قال: إن مذهب الشافعية أن العبد إذا أحرم بالحج ثم عتق قبل الوقوف بعرفة أجزاه ذلك عن حجة الإسلام خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وأمّا إذا كان العتق بعد فوات الحج فإنه لا يجزئه، ولعل هذا هو الرأي الصحيح عند الشافعية فيكون الخلاف بين المذهبين (شكلياً) لا (جوهرياً) لأنهما متفقان على أن العتق إذا كان بعد أداء ركن الحج وهو الوقوف بعرفة فإنه لا يجزئه ويجب عليه الحج مرة أخرى لأن الأول يقع نافلة.

الحكم الثالث عشر: هل المحرم بالنسبة للمرأة شرط لوجوب الحج؟

ذهب بعض الفقهاء إلى أن وجود المَحْرم شرط من شروط وجوب الحج وهذا هو مذهب الحنفية، ودليليهم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث إلا مع ذي رحم محرَم أو زوج» وهذا عام يشمل كل سفر سواء كان للحج أو غيره.. واستدلوا أيضاً بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم، فقال رجل يا رسول الله إني قد اكتتبت في غزوة كذا، وقدّ أرادت امرأتي أن تحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احجج مع امرأتك» وهذا الحديث يدل على أن المرأة إذا أرادت الحج فليس لها أن تحج إلا مع زوجٍ أو ذي رحم محرم، فقد أمره عليه الصلاة والسلام أن يترك الجهاد وهو فرض وأن يحج مع امرأته، ولولا أن وجود المحرم واجب لما أمره بترك الجهاد والسفر مع زوجه.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ حج الفرض لا يجب فيه المحرم بشرط أمن المرأة على نفسها بأن يكون معها عدة من النسوة.. وأما حج النافلة فيجب فيه المحرم، وهو محجوجون بالأدلة التي ذكرناها مما يشير إلى أن الحج لا يجب على المرأة إلا إذا وجدت محرماً، لأن وجود المحرم من شرائط الوجوب، وهذا هو الأرجح.

تنبيه هام: أقول إذا كان الإسلام لم يسمح للمرأة أن تسافر لأداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم ـ والحج أحد أركان الإسلام كما نعمل وهو فريضة على الرجل والمرأة ـ فيكف يسمح الناس لبناتهم بالسفر إلى بلاد بعيدة، أو إلى بلدان أجنبية بحجة الدراسة وطلب العلم، وليس معهن مَحْرمٌ أو من يرافقهن من أقاربهن؟! إن هذا ـ بلا شك ـ يلد على بعد الناس عن التمسك بآداب الإسلام وتعاليمه الرشيدة، بل يدل على فقدان الرجولة والشهامة حتى أضحى أمر سفر النساء وتبرجهن واختلاطهن بالرجال أمراً طبيعياً معتاداً وإنّا لله وإنا إليه راجعون!!

الحكم الرابع عشر: ما هي شروط وجوب الحج؟

شروط وجوب الحج خمسة ويه: (1- الإسلام. 2- العقل. 3- البلوغ. 4- الاستطاعة. 5- وجود محرم مع المرأة) وزاد بعضهم أمن الطريق وهو من شروط الأداء لا من شرط الوجوب. أما الشروط الثلاثة الأولى (الإسلام العقل، البلوغ) فهي ليست خاصة بالحج بل هي شروط لجميع التكاليف الشرعية كالصلاة والصيام.. إلخ وأما الشرط الرابع وهو (الاستطاعة) فقد بينته الآية الكريمة بقوله تعالىك ]مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً[ كما بينت السنة النبوية الاستطاعة بأنها ملك (الزاد والراحلة) فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ملك زاداً وراحلة تبلّغه بيت الله ولم يحجّ فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً» وذلك أن الله يقول في كتابه: ]وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً[ وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله عز وجل: ]وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً[ فقال: «السبيلُ الزادُ والراحلة».

قال (الجصاص): (وليست الاستطاعة مقصورة على وجود الزاد والراحلة لأنّ المريض الخائف، والشيخ الذي لا يثبت على الراحلة، والزَّمِنُ ولك من تعذّر عليه الوصول إليه فهو غير مستطيع السبيل إلى الحج وإن كان واجداً للزاد والراحلة، فدلّ ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بقوله: «الاستطاعةُ (الزاد والراحلة) أن ذلك جميع شرائط الاستطاعة، وإنما أفاد ذلك بطلان قول من يقول إن أمكنه المشي ولم يجد زاداً وراحلة فعليه الحج، فبيّن صلى الله عليه وسلم أن لزوم فرض الحج مخصوص بالركوب دون المشي).

أما الشرط الخامس وهو (وجود المحرم للمرأة) فقد استوفينا شرحه فيما سبق والله أعلم.

الحكم الخامس عشر: هل يجب الحج أكثر من مرة؟

ظاهر الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ]وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ[ أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمرة وهو رأي الجمهور إذ ليس في الآية ما يوجب التكرار وقد أكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا.. فقال رجل: كلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».

شاهد أيضاً

w387

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387) ربيع الآخر 1440هـ – كانون الأول/ديسمبر 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *