العدد 18 - السنة الثانية – العدد السادس – ربيع الأول 1409هـ، الموافق تشرين الأول 1988م

سؤال وجواب؟

سؤال وجواب؟

سؤال 1:

تترد عبارة (الشرق الأدنى) وعبارة (الشرق الأوسط) ويختلط المعنى بين العبارتين، فهل من تحديد واضح؟

جواب 1:

جواب 1: هذه التسمية أطلقها الأوروبيون. وقد قسَّموا الشرق في قربه أو بعده عن أوروبا إلى ثلاثة أقسام: الشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى. أي أنهم اعتبروا أوروبا أساساً وسموا ما كان قريباً منها بالأدنى وما كان بعيداً بالأقصى وما كان بينهما بالأوسط. وهذه التسمية تعود إلى القرن التاسع عشر الميلادي. أما في العصور الوسيطة فقد كان الجزء الواقع على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية يعرف ببلاد الشرق.

جاء في كتاب (الصراع الدولي في الشرق الأوسط) لزين نور الدين زين تحت عنوان: (الشرق الأدنى: موقعه الجغرافي وخطورته الاستراتيجية) ما يلي:

(في القرن التاسع عشر كانت الولايات العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية في آسيا تقع ضمن مستطيل غير متوازي الضلعين قاعدته خط يمتد من خليج العقبة إلى رأس الخليج الفارسي الشرقي، وأما رأس المستطيل فخط يمتد من خليج الإسكندرية إلى نقطة لا تبعد كثيراً عن الشاطئ الشرقي لبحيرة أورميا. وأما ضلعا المستطيل الجانبيان فالغربي منهما هو البحر الأبيض المتوسط والشرقي منهما هو بلاد إيران. ومساحة هذه الرقعة الجغرافية تقرب من 271 ألف ميل مربع) ويضيف: (أما مصر والعربية السعودية، على الرغم من أنهما كانتا من ضمن الممتلكات العثمانية، فإنهما لم تعتبرا من الممتلكات الآسيوية… وأما الجزيرة العربية فقد كانت في نظر العثمانيين «مصطلحاً جغرافياً») ثم يضيف: (أن الدول العربية في هذه المنطقة التي حددناها آنفاً… تشكل جزءاً من منطقة جغرافية تعرف بمنطقة الشرق الأدنى، والتي أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية جزءاً من منطقة أوسع غير محددة تعرف بمنطقة الشرق الأوسط).

وقد جاء في القاموس السياسي لأحمد عطية الله ما يلي: (الشرق الأوسط: الدول الآسيوية والأفريقية المتجاورة القريبة من أوروبا، ويطل أكثرها على البحر الأبيض المتوسط وتشمل إيران والعراق والجزيرة العربية ثم تركيا وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر وليبيا. وجميع هذه الدول عربية أو إسلامية، وكان أكثرها إلى عهد قريب ضمن مناطق النفوذ البريطاني والفرنسي).

وجاء فيه ما يلي: (الشرق الأقصى: الأقاليم التي تقع في الشرق وفي الجنوب الشرقي لقارة آسيا، وتشمل اليابان والصين ومجموعة دول الهند الصينية والملايو وأندونيسيا والفلبين).

ولم يورد القاموس السياسي عبارة (الشرق الأدنى).

ومن ذلك نستخلص أن عبارة (الشرق الأدنى) لم تعد مستعملة هذه الأيام. وقد قل استعمالها بعد الحرب العالمية الثانية وحلت مكانها عبارة (الشرق الأوسط).

والفرق بين الاصطلاحين أن عبارة (الشرق الأدنى) لم تكن تطلق إلا على البلاد العربية الواقعة شرق أوروبا. ولم تكن تشمل تركيا وإيران.

وأما عبارة (الشرق الأوسط) فإنها تضم جميع بلدان الشرق الأدنى وتضم بالإضافة إليها تركيا وإيران وتضم مصر والجزيرة العربية وليبيا. وعبارة (الشرق الأوسط) غير محددة حتى الآن تحديداً دقيقاً، كما ذكر زين نور الدين زين.

وقد وردت في القرآن الكريم عبارتا الأقصى والأدنى. قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) وقال تعالى: (آلم @ غُلِبَتْ الرُّومُ @ فِي أَدْنَى الأَرْضِ) وكلمة الأقصى جاءت بمعنى الأبعد. وقد اعتبر القرآن الكريم مكة المكرمة هي المركز فكان مسجد بيت المقدس هو الأبعد، لأن مسجد مكة (المسجد الحرام) هو الأقرب. وقد قال بعض المفسرين بأن المقصود بأدنى الأرض أي أقربها إلى الجزيرة العربية التي تعتبر مكة مركزها.

وحين انتقلت القيادة الفكرية والتوجيهية إلى أوروبا صارت هي المركز التي تنسب الأمور إليه. وهذه لفتة تحضنا على جعل بلدنا (مكة المكرمة) وجعل أمتنا (الأمة الإسلامية) مركزاً للقيادة ومركزاً للفكر والتوجيه.

سؤال 2:

متى أنشئ المسجد الأقصى، وهل هو نفسه الهيكل الذي شاده سليمان عليه السلام؟

جواب 2:

وردت في بعض التفاسير روايات تقول بأن المسجد الأقصى والمسجد الحرام بنتهما الملائكة قبل أن يخلق الله آدم. ووردت روايات تنسب بناءهما إلى آدم وأخرى تنسب إلى سام بن نوح عليه السلام، ولم يصح من هذه الروايات شيء.

أما الرواية التي صحت والتي أوردها البخاري ومسلم والإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركتك الصلاة فصلّ فكلها مسجد».

ولا شك أن أول بيت بني في الأرض لعبادة الله هو المسجد الحرام في مكة لقوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا) والواضح أن إبراهيم وإسماعيل رفعا قواعد البيت الحرام كما قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) وهذه القواعد (الأسس) كانت موجودة وكانت تسمى البيت المحرم قبل أن يذهب إبراهيم عليه السلام إلى مكة وقبل أن يصبح إسماعيل عليه السلام كبيراً، يفهم ذلك من قوله تعالى على لسان إبراهيم: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) فإذا اعتبرنا أن مجرد وضع القواعد (جمع قاعدة وهي الأساس) هو إنشاء للمسجد الحرام فيكون المسجد الحرام أسس قبل إبراهيم الخليل، فيكون المسجد الأقصى أسس قبل إبراهيم الخليل لأنه أسس بعد المسجد الحرام بأربعين سنة.

وإذا اعتبرنا أن رفع القواعد هو إنشاء المسجد الحرام يكون إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام هما اللذان أنشآه، فيكون المسجد الأقصى من إنشاء إبراهيم عليه السلام.

فالمسجد الأقصى إما أن يكون من أيام إبراهيم الخليل عليه السلام أو قبله.

وكل بيت أو مكان يخصص لعبادة الله يسمى مسجداً. وليست كلمة مسجد خاصة بمعابد المسلمين (اتباع محمد عليه وآله الصلاة والسلام) كما هو الحال اليوم.

وأما الهيكل الذي بناه سليمان عليه السلام فإنه عبارة عن تجديد لبناء المسجد الأقصى. وسليما كان نبياً فإذا بنى بيتاً لعبادة الله فإنه يصح أن تسميه مسجداً ولو سماه غيرك هيكلاً. ومن الطبيعي أن يتهدم البناء من أيام إبراهيم إلى أيام سليمان عليهما السلام، سواء بفعل الحروب أو بفعل العوامل الطبيعية. وإذا كانت التوراة تعتبر أن سليما هو المؤسس الأول للهيكل فإنا لا نقيم وزناً كبيراً لكلام التوراة حينما يخالف النصوص الصحيحة عندنا، لأنه ثبت قطعاً أن اليهود تلاعبوا بالتوراة وحرفوها.

وبذلك يكون الهيكل الذي بناه سليمان عليه السلام هو تجديد وتنميق للمسجد الأقصى. وإذا أردنا أن نعرض الحالات التي مر بها المسجد الأقصى فإنا نجد أن أول حالة واضحة وموصوفة بشكل محدد هي الشكل الذي بناه سليمان عليه السلام، ولذلك سموه تاريخياً أنه الهيكل الأول. وقد استمر في بنائه سبع سنوات وكان ذلك حوالي سنة 1007 ق.م. وبقيت القدس تحت حكم اليهود ما يزيد عن أربعة قرون.

وفي سنة 586 ق.م غزا البابليون القدس في أيام نبوخذ نصر وسبى أهلا إلى بابل وهدم المدينة تهديماً يكاد يكون كاملاً وهدم الهيكل.

وفي سنة 538 ق.م. انتصر الفرس بقيادة قورش على البابليين وأرجعا اليهود من السبي إلى القدس وبدأ قورش (الذي كان قد تزوج من يهودية) في إعادة بناء الهيكل وتم البناء في عهد خليفته داريوس، وسمي تاريخياً بالهيكل الثاني. وبني في نفس المكان ونفس المساحة والنمط مثل الهيكل الأول، وكان ذلك حوالي سنة 515 ق.م.

وفي حوالي سنة 169 ق.م. كانت القدس تحت حكم السلوقيين اليونانيين فذبحوا كثيراً من الأهالي وهدموا كثيراً من المباني وسرقوا الأواني المقدسة من المعبد.

وفي حوالي سنة 18 ق.م. كانت القدس تحت حكم الرومان وكان هيرودس هو الحاكم فيها. فرمم الهيكل وسمي الهيكل الثالث.

وفي سنة 70 م. قام اليهود بالثورة الكبرى ضد الرومان. فحاصر القائد الروماني تيطس مدينة القدس 17 يوماً، ثم دخلتها جيوشه فأضرمت النار في المعبد وفي المدينة كلها وذبحوا آلافاً من المدنيين الكهنة والنساء والأطفال، وخيم الدمار على مدينة القدس.

وقد ذهب أكثر المفسرين في تفسير قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا @ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) إلى قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)، ذهب المفسرون إلى أن المرة الأولى هي ما حل اليهود سنة 586 ق.م. من التدمير والقتل والسبي إلى بابل على يد نبوخذ نصر، وأن المرة الثانية هي ما حل باليهود سنة 70 م. على يد تيطس الروماني.

وبعد تدمير تيطس للمدينة وقتل اليهود وتشريدهم منها أخذوا يعودون إليها، وفي سنة 132 م. قاموا بثورة لتحرير القدس من الرومان ونجحوا واستقلوا في المدينة لمدة ثلاث سنوات. وفي سنة 135م. قام الإمبراطور هدريان باسترجاع المدينة منهم وقتل من اليهود 580 ألفاً بحد السيف غير الذين ماتوا حرقاً وجوعاً ومرضاً، وطرد الباقين، وأمر بتدمير المدينة وإزالة الهيكل. وأنشأ مكانها مدينة جديدة اسماها (ايليا كابيتولينا) وتشتت اليهود منذ ئد تحت كل كوكب. وهذا يفسر قوله تعالى: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا). ومن ذلك التاريخ لم تقم لليهود قائمة إلا سنة 1948 م. حينما أعلنت منظمة الأمم المتحدة الاعتراف بإسرائيل كدولة. وها نحن نرى أن فسادهم وطغيانهم قد زاد وفاق كل حد، وقد توعدهم الله بقوله: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) وبما أنهم قد عادوا فإن الله عائد عليهم بالهلاك والتدمير.

وفي سنة 313 م. جعل الإمبراطور قسطنطين البيزنطي النصرانية ديانة رسمية وكانت أمة هيلانة مهتمة بالديانة النصرانية فأنشأوا في القدس كنيسة القيامة سنة 325 م. وقد جعلت هيلانة مكان الهيكل المهدم الذي كان على الصخرة، جعلته مطرحاً لقمامات البلد عناداً لليهود.

وفي حوالي سنة 553 م. بنى الإمبراطور جوستنيان في موضع الهيكل (أي في موضع المسجد الأقصى الحالي) كنيسة باسم العذراء.

وفي 614 م. احتل كسرى ملك الفرس مدينة القدس وذبح من سكانها تسعين ألف مسيحي، وهدم كنيسة القيامة كنيسة العذراء المقامة على أنقاض الهيكل كما هدموا معظم الكنائس والأديار وأخذوا الصليب. وذكر بعض المفسرين أن الآية الكريمة: (آلم @ غُلِبَتْ الرُّومُ @ فِي أَدْنَى الأَرْض) تشير إلى هذه الموقعة.

ولم يلبث الروم أن انتصروا على الفرس بقيادة هرقل سنة 627 م. وارجع هرقل خشبه الصليب إلى القدس في 14 أيلول 629 م.

وفي 15 هـ (636م) دخل المسلمون مدينة القدس صلحاً بعد أن استسلمت للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وزار عمر مكان الهيكل، وكان في حالة خراب، تجمعت فيه الأقذار فأصبح عبارة عن مزبلة. فنظفوا المكان وبرزت الصخرة، وأمر عمر أن يبني هناك مسجد، فبني سنة 16 هـ (637م) وكان من خشب.

وفي زمن عبد الملك بن مروان سنة 72 هـ 690 م. وابنه الوليد بني المسجدان: الصخرة والأقصى في المكان نفسه الذي كان فيه هيكل سليمان.

والجدير بالذكر أن عبارة (المسجد الأقصى) تشمل ما يتعارف عليه بالمسجد الأقصى وقبة الصخرة وجميع المنطقة المحاطة بالسور الحالي الذي فيه ثلاثة عشر باباً.

شاهد أيضاً

w387

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387) ربيع الآخر 1440هـ – كانون الأول/ديسمبر 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *