العدد 375 - السنة الثانية والثلاثون، ربيع الآخر 1439هـ، كانون الثاني 2018م

مدلول الشهادتين (4): دور العلماء والجماعات الإسلامية في تحقيق شمول العبادة

مدلول الشهادتين (4):

دور العلماء والجماعات الإسلامية في تحقيق شمول العبادة

 

إذا رجعنا إلى النصوص الشرعية؛ فإننا سنجد أنها جعلت للعلماء منزلة كبرى، ورتبت عليهم كذلك مسؤولية كبرى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتِهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَكُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي جَوْفِ الْمَاءِ. إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلا دِرْهَمًا، وَأَوْرَثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».

من هنا كان للعلماء منزلتهم عند المسلمين؛ وذلك لمنزلة الدين في نفوسهم، فالناس يحبون العلماء، وعنهم يأخذون الدين ويفهمونه، وهم يعيشون بين الناس، ويغشَون المساجد، ويؤمونهم في الصلاة، ويخطبونهم في الجمعات، ويلقون عليهم الدروس، ويفتونهم في مختلف مسائلهم من صلاة وزكاة وصيام وحج وعمرة وزواج وطلاق… وغيرها من المسائل التي يلتزم بها المسلمون؛ فكانوا بهذا قادة رأي ومراجع لهم في الدين.

بيد أن الإسلام، في مقابل هذه المنزلة، رتَّب على العلماء مسؤولية كبرى، وأخذ عليهم ميثاق قول الحق ونشره والعمل به وعدم كتمانه، والوقوف في أول الصفوف في إحقاق الحق وإبطال الباطل. قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠) [البقرة]

ثم إنه من المعلوم من الدين بالضرورة، أن هؤلاء العلماء عندما يجتهدون أو يفتون المسلمين في مختلف قضاياهم أو مشاكلهم فإنما يعطونهم حكم الله فيها وليست أحكامهم ولا آراءهم الشخصية. فهم مثلًا عندما يقولون لهم إنه يجوز الصلح مع يهود فهذا يعني عندهم وعند المسلمين أن هذ هو حكم الله في الصلح، وعندما يجيزون لهم التعامل بالربا فإنه يعني عندهم أن هذا هو حكم الله فيه، وعندما تجيز أي جماعة إسلامية المشاركة في الحكم في الأنظمة الطاغوتية فهذا يعني أن الله حكم بهذا… وهكذا. فالعلماء  ومسؤولو الجماعات الإسلامية وكل المسلمين يجب أن يعلموا ذلك، وأن لا يغيب عن أذهانهم؛ على اعتبار أن الحاكم عند الجميع هو الله وحده، وأن الله سبحانه لا يشرك في حكمه أحدًا.

كذلك، فإن العالِم مطالب، كأي فرد من أفراد الأمة، مثله مثل غيره، بالإيمان والالتزام، فحكم الله في حق أي مسلم يشمله، فهو مثلهم مطالب بالطاعة في الصلاة والصيام والحج والزكاة وسائر أحكام الإسلام كسائر المسلمين.

ولكن غالبية علماء اليوم قد اختلفوا عن علماء الأمس، ولم يعودوا كما كانوا في السابق، إلا من رحم الله. فقد أصيب علماء اليوم بالنقص في فهم الدين، وغابت عنهم شموليته، وعلَّموا الناس وعوَّدوهم أن لا يسألوهم إلا عن المسائل الفردية التي تخصهم؛ فأصبحنا نرى المسلم الصالح هو من التزم بالصلاة والصيام والحج والزكاة وبر الوالدين… أما قضايا الأمة المصيرية ومسائل الشرع الكبرى فإنهم يكتفون بالدعاء لها، وبجمع المساعدات المالية وأحيانًا العينية لمستحقيها من إخوتهم المسلمين، فهم عندما يسمعون بمجازر الروهينغا، أو احتلال فلسطين أو قتل المسلمين فيها، أو في العراق، أو في سوريا أو في اليمن… أو عندما تحتل دول الكفر بلادهم وترتكب المجازر… فإنهم يكتفون بدفع المسلمين لجمع التبرعات، ويطلبون منهم أن يدعوا الله أن يكشف عن إخوتهم ما هم فيه… ونرى خطبهم ودروسهم (إن وجدت) تخلو من أي حكم شرعي فيه معالجة لمثل هذه القضايا الكبيرة. والسؤال الذي يُطرح هنا: هل يكفي الدعاء لرد الأعداء، وهل هذا هو التصرف الشرعي المطلوب فحسب؟. ألا توجد أحكام شرعية أخرى مطلوب من المسلمين ومن علمائهم ومن جماعاتهم القيام بها سوى ذلك؟ ألا يكشف ذلك التقصير عن وجود نقص في فهم الدين؟ نعم، إنه يكشف!.

أما هذا الفهم المنقوص للدين، فهو لا شك آتٍ من مناهج التعليم التي فرضها الغرب على المسلمين، والتي أراد من ورائها أن يجعلنا نفهم ديننا على طريقته، أي نأخذ من الدين فقط ما يسمح في مبدئه القائم على (فصل الدين عن الحياة) أن نأخذه، أي نأخذ ما يتعلق بفرديتنا، بأحوالنا الشخصية، دون الأخذ منه ما يتعلق بمسائل الحياة العامة المتعلقة بحياة المسلمين عامة، كشؤون السياسة والاقتصاد والحكم…

والغرب الذي يسيطر بفكره وبطريقة حياته على بلاد المسلمين، فرض هذا الفهم المنقوص للدين عن طريق إيجاد معاهد شرعية تقوم مناهجها التعليمية بناءً على هذه النظرة، وأوجد وزارات للشؤون الدينية ودوائر للأوقاف، وجعلها تشرف على حسن التزام المعاهد الشرعية بمناهجه التعليمية التي وضعها، وأعطى المتخرجين ألقاب العالـِمية، وقرَّب من كان أكثر ولاء لفكره وخضوعًا لسياسته التعليمية؛ فعيَّنهم في مناصب الإفتاء، وأعطى بعضهم ألقابًا منتفشة كمجتهد العصر، أو عيَّنهم أعضاء في هيئة كبار العلماء، أو عينهم في مراكز الإفتاء… وفي هذا كله جعل الغرب للحكام عملية الإشراف على هذه الدوائر والوزارات، وربط توظيف هؤلاء العلماء الذين يتخرجون من هذه المعاهد ومعاشاتهم بدوائر الأوقاف… وحرص على أن يتقيدوا بما علموه ولا يتعدونه… وللأسف صار العلماء يعتمدون في معيشتهم على هذه الوظيفة، واعتبروها مصدر التكسب والرزق، وهذا ما جعلهم مأسورين منقادين أكثر، لا يخرجون عما تعلَّموه، إلا من رحم الله، وقليل ما هم… بل ذهب بعضهم مذهبًا بعيدًا في تأكيد هذا النهج حين جعل من نفسه تابعًا لجهة سياسية علمانية معينة، على اعتبار أنه لا يناقض طريقته في فهم الدين. وصار بعضهم لا يجد غضاضة في الاشتراك في الانتخابات النيابية، بحسب قوانين البلد الوضعية وليس بحسب الأحكام الشرعية، واختيار من لا يتبنى الإسلام في شيء ووصل الأمر ببعضهم أن تراهم تابعين حتى لجهات سياسية غير إسلامية…

إن العلماء إذا ابتعدوا عن فهم الدين بشكله الصحيح، فإنهم ينقلون إلى المسلمين فهمهم الخاطئ، وبالتالي سيفهم المسلمون دينهم تمامًا كما يفهمه هؤلاء العلماء وينقلونه إليهم. وسيأخذون دينهم على نفس طريقتهم. وهنا يمكن القول أن ما عند الناس من فهم منقوص للدين، ومن فهم للإسلام على الطريقة الغربية مرده إلى ما عند العلماء، إلا من رحم الله، وللأسف، انعكس هذا على المسلمين بالتبع.

ولكننا بتنا نرى اليوم أن هذا الأمر بدأ يتغير لدى المسلمين، فأصبحوا لا يرون في علمائهم ما كانوا يرونه بالأمس، وهذا مرده إلى أنهم انكشفوا أمامهم نتيجة تقصيرهم وعدم وقوفهم مواقف الحق تجاه مختلف القضايا العامة الراهنة التي تواجه المسلمين، بل يمكن القول إن الأمة في مثل هذه الأوضاع الضاغطة، تفتقد إلى من يهديها السبيل، وهي تفتش عنهم، وهنا يجب أن يتقدم العلماء المخلصون الواعون ليقودوا الأمة القيادة التي تخلصها وتخرجها مما هي فيه من عنت، وتكون زاوية الدعوة المركزية عندها هي شمول الدعوة، وأن تقوم الدعوة عندهم على التقيد الصحيح بالإسلام؛ وذلك بأن يجري فهمه على طريقة الإسلام الصحيحة الثابتة والتي لا طريقة غيرها في فهم الإسلام، وأن ينزعوا عنهم أي تأثر بالغرب في الفهم المنقوص للدين.

نعم، إنه نتيجة لانكشاف فهم العلماء المنقوص للدين صار المسلمون لا يرون فيهم بغيتهم، ونزل قدرهم، حتى وأصبحوا متهمين عندهم، وهي تفتش عن علماء غيرهم مخلصين وواعين، وهنا يأتي فعلًا وقت بروز علماء يأخذون دور (الرائد الذي لا يكذب أهله)، ويقومون بوراثة النبوة بحق، ودور العلماء الذين يقودون، لا كما حصل في الثورات حيث كانوا يقادون. ولكن هذا الكلام الذي نقوله بكل وضوح، ليس من السهل تنفيذه؛ لأن الغرب ومعه حكام المسلمين العملاء له والخائنين لدينهم وللمسلمين، سيمارسون على العلماء ضغوطهم القوية ليزدادوا بعدًا عن فهم الدين الصحيح الذي ندعو إليه، وليزدادوا ارتماء في أحضانهم، وللأسف، نرى مزيدًا من التخاذل من بعضهم. وهنا يظهر الامتحان والابتلاء والتمحيص، ولكننا نقول في هذا المجال بكل اطمئنان إن الأمة مليئة بالأكارم الفضلاء من أهل العلم، وما عليهم إلا أن يتقدموا الصفوف فالأمة تنتظرهم، وإن من لا يستحقون الهداية من هؤلاء؛ فإنهم سيزدادون ارتكاسًا.

أما الحركات الإسلامية، فإن العلماء إذا كانوا يؤثرون على المسلمين كأفراد، فإن الحركات والجماعات الإسلامية تؤثر على المسلمين بمجموعهم، وعملها متعلق بالدرجة الأولى بالعمل الجماعي، وتهتم بقضايا المسلمين العامة، وهذه الحركات كان من الطبيعي أن تضع برامج لنفسها وتدعو المسلمين إليها، وأن تعتبر نفسها هي المعبِّر الحقيقي عن تشكيل الرأي العام لدى المسلمين، وتتكلم بقضاياهم،

إلا أن الجماعات الإسلامية التي قامت لم تختلف دعوتها عن دعوة العلماء في علمهم المنقوص، وطريقة أخذهم للدين، فبرامج عملها كجماعات قامت على (فصل الدين عن الحياة) وبالتالي عن الدولة… وإن كان بشكل مُقنَّع.

فقد قامت حركات وجماعات سياسية تعمل في مختلف بلاد المسلمين، من غير أن يكون لديها أي عمل لتغيير الأنظمة الحاكمة فيها مع أنها تحكم بأنظمة علمانية كافرة، حلَّت بديلًا عن أنظمة الإسلام. بل أكثر من ذلك، فقد تدنَّت هذه الجماعات في طرحها إلى درجة أنها، بدل العمل على تغييرها، أجازت لنفسها المطالبة بمشاركة الأنظمة التي قامت فيها في الحكم بالكفر، ثم لو جئت إلى برامج عملها فإنك تجد المسوغات التي يدَّعون أنها شرعية، والتي تسوِّغ للمسلمين أن يأخذوا بأحكام الكفر إذا وجدوا أنها تحقق مصلحتهم؛ بدعوى (الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها كان أحق الناس بها) و(حيثما تكن المصلحة، فثمَّ شرع الله) و(لا ينكر تغير الأحكام بتغير المكان أو الزمان)… كذلك كان من أقوال بعض هذه الجماعات أن 90% من الأحكام الشرعية هي عفو، مسكوت عنها في الشرع، ويمكن أخذها من خارجه. ونحن لو تمعنا بهذا لوجدنا أن ما يقوله هؤلاء إن هو إلا شكل من أشكال فصل الدين عن الحياة وعن الدولة. فالإسلام لا يتناول عندهم على سبيل الإلزام إلا 10% من أحكام الحياة، وبالتدقيق نرى أن هذه الـ 10%  تتناول أحكام الأحوال الشخصية التي يسمح الغرب لشعوبه بتركها خارج أنظمة الحياة العامة. ولو أخذنا، مثلًا، السلفيين في السعودية؛ فإننا نجد تواطؤًا بين مشايخها وحكامها على أن السياسة للحكام، والدين والفتوى بأحكام الدين للعلماء، وقد أعطوا الزعامة في ذلك لآل الشيخ. وهذه الدعوى واضح فيها، ومن غير تلبيس، أن السياسة غير الدين، وهما مجالان مختلفان غير متداخلين، ولكل منهما أهله. والعلماء، في تلك القسمة الضيزى، ينظرون إلى حكام السعودية على أنهم أولياء أمور المسلمين، تجب طاعتهم ولا يجوز الخروج عليهم… وهكذا نرى تأثرًا خفيًا وانزلاقًا لدى هؤلاء العلماء لأخذ الدين على طريقة (فصل الدين عن الحياة) وبالتالي عن الدولة… وكذلك وجدنا من هذه الجماعات من يدعو إلى فضائل الأعمال والأخلاق دون أن يتطرق أدنى تطرق إلى سائر أحكام الإسلام التي تنظم سائر أعمال المسلم الفردية والجماعية وتلك المتعلقة بالدولة الإسلامية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه الجماعات لم تأخذ ذلك اعتقادًا، وإلا كان كفرًا والعياذ بالله، بل أخذته ممارسة وبقيت في قرارة نفسها تؤمن أن الدين يشمل كل أمور الحياة، فكان تأويلها هو الخاطئ وليست قناعاتها. فمن قال منهم أن 90% من الدين عفو، فهو ينطلق من منطلق أن الدين هو الذي سمح بذلك. ومن قال إن الحكم هو لأولياء الأمور من حكام السعودية فإنما اعتبر أن هؤلاء الحكام يحكمون بالإسلام، بينما هم لا يحكمون منه بشيء. ومن قام على الدعوة إلى الاقتصار على فضائل الأعمال فإنما كان يبرر أن هذه الدعوة إذا نجحت فإنها ستؤدي إلى تطبيق الدين كاملًا، وأنها ستؤدي إلى إقامة الإسلام… من هنا قلنا أن هناك تأثرًا خفيًا… ومع هذا يبقى وجود مثل هذه الدعوات خطرًا للغاية على الأمة، وعلى نهضتها. وعلى هذه الأمة أن تعلم أنه لا يصلح أمرها إلا بما صلح به من قبل.

وهكذا وجدنا أن الغرب تمكن من إقصاء الإسلام عن الحكم، واستطاع أن يبعده عن أذهان المسلمين، وعلى سبيل المثال، عندما احتل يهود فلسطين، قامت حركات وجماعات مسلحة وأخرى سياسية لمواجهة حالة الانهزام التي أصيبت بها الأمة؛ ؛ ولم يكن في برامج واحدة منها تحرير فلسطين وفي الوقت نفسه إقامة حكم الله فيها، بل لم تتعمق هذه الحركات بالتفكير، وتصل إلى نتيجة مؤداها أنه لن يحرر فلسطين إلا الإسلام، نظرًا إلى عمالة الحكام واشتراكهم بطريقة من الطرق في جريمة الاحتلال، وقيامهم بمهمة تصفية أو استيعاب أي عمل إسلامي مخلص واعٍ. وبهذا نرى كيف أن أمثال هؤلاء العلماء، إلا من رحم الله، والحركات الإسلامية إلا من رحم الله، كانت أكبر معوان للغرب في مسعاه هذا.

إن الدعوة الحقة يجب أن تقوم أول ما تقوم على الدعوة إلى العبودية لله وحده، وعلى أن هذه العبودية هي شاملة لكل أعمال المسلم في هذه الحياة، ويجب أن تقوم على الدعوة إلى إقامة الدولة الإسلامية من أجل تحقيق هذه  العبودية، سواء داخل الدولة بتطبيق الإسلام كله، أم خارجه وذلك بالدعوة والجهاد؛ لأنه لا تحقق للعبودية الشاملة إلا من خلال دولة إسلامية

ومن أجل الوصول إلى إقامة الدولة الإسلامية، لا بد من اتباع طريقة الرسول في إقامة الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، كونها هي التي تحقق العبودية بالشكل المطلوب شرعًا. ولما كانت طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم تقوم على دعوة المسلمين لإيجاد كتلة تؤسس نفسها على إقامة الدين بإقامة دولة الخلافة التي تحكم بما أنزل الله، فيجب على هذه الكتلة أن تؤسس دعوتها على أن الدولة الإسلامية التي تسعى إليها إنما هي من أجل تحقيق هذه العبودية… ولما كانت طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم تقوم على إيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام والمطالب بالدولة الإسلامية فإنما يجب أن تتم الدعوة إلى ذلك من زاوية تحقيق العبودية لله وحده في كل شؤون الحياة.

وأن تهتم الدعوة كثيرًا بطبقة العلماء حتى تنجح في تحقيق كل ذلك. فهؤلاء العلماء كانوا من حيث لا يدرون حجر عثرة في طريق إقامة الدولة الإسلامية؛ بينما هم من يجب أن يكونوا أكبر عامل لإقامتها. وحيث إنهم عندما يسألون عن وجوب إقامتها فإن جوابهم يكون سلبيًا؛ بينما عليهم أن يكونوا في مقدمة الصفوف في الدعوة لإقامتها… وهم لو أخذوا دورهم الشرعي الصحيح لقادوها من ضمن الجماعات التي تعمل على إقامة حكم الله في الأرض وتحكيم شريعته؛ وعليه، لا بد من أن تطلق الدعوة إلى إقامة الدولة الإسلامية من زاوية تحقيق العبودية الشاملة لله وحده، ويجب أن تطلق الدعوة بين العلماء لتنبيههم على خطورة اقتصارهم في الدعوة إلى العبودية الناقصة؛ وذلك بالدعوة إلى بعض الإسلام، وليس كله. وكذلك يجب تنبيه الجماعات الإسلامية على خطورة اقتصار دعوتهم على بعض الإسلام، وعلى قبولهم المشاركة في أنظمة الحكم الطاغوتية، أو قبولهم التعامل مع هذه الأنظمة واعتبار حكامها أولياء أمور… إن مثل هذه الأفهام تميِّع الدين، وتعرقل الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله، كما هو حاصل اليوم. بل إن دعوة الجماعات الإسلامية يجب أن تنطلق من شمول العبادة، ومن أن هذا الشمول لا يتحقق إلا بإقامة دولة إسلامية.

إن إطلاق هذه الدعوة في العلماء والجماعات الإسلامية يجب أن تكون برفق، لأن الأصل في هؤلاء العلماء أنهم من أهل الإسلام، ومن الغيورين على دينهم، ويتوقع أن يستجيب الكثير الكثير منهم؛ فهؤلاء هم قادة رأي، ولا بد من أن يكونوا مع الدعوة الحقة، وهؤلاء يمكن أن يكونوا من صلب الكتلة، ومن المؤثرين في إيجاد الرأي العام المطلوب.

أما إطلاق الدعوة في الجماعات الإسلامية التي يؤثر عملها على جموع المسلمين، فهذا يجب أن يوجه إلى القائمين على هذه الجماعات، وإلى أعضائها؛ لأنه في حال لم يستجب المسؤولين، فلا بد أن يكون هناك من يستجيب من الأعضاء.

 وعلى الله قصد السبيل.

شاهد أيضاً

waie372

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (372)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (372) محرم الحرام 1439هـ – تشرين الأول/أكتوبر 2017م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *