العدد 375 -

السنة الثانية والثلاثون، ربيع الآخر 1439هـ، كانون الثاني 2018م

ملكية عامة وخدمات عامة (4)

ملكية عامة وخدمات عامة (4)

 

هناك بعض الخدمات التي تتولاها دولة الخلافة، أو تشرف عليها وتنظمها وتراقبها، وتحتفظ لنفسها بحق إلغاء التراخيص، أو الامتياز الذي منحه حكام الجَور للشركات الغربية أو للقطاع الخاص؛ فأساؤوا التصرف، وهدروا المال، وأضروا بالرعية. ومن هذه الخدمات: استخراج وتسويق الثروة النفطية، والثروة المعدنية، والمواصلات والطاقة، والنقل والأبحاث العلمية المتعلقة بشؤون الاقتصاد.

أولًا: استخراج الثروة المعدنية وتوزيعها:

قد توجد المعادن في أرض مملوكة ملكًا خاصًا، أو في أرض مملوكة ملكًا عامًا، أو في أرض مملوكة لبيت المال. فإن كانت أرضًا لبيت المال، فالمعادن لبيت المال، وإن كانت أرضًا مملوكة مملوكة ملكًا عامًا فهي لعامة الناس، وإن كانت أرضًا خاصة، فقد ذهب المالكية إلى أن المعادن ملك عام، ولا تتبع ملكيتها ملكية الأرض الخاصة؛ لأنها أشبه بالفيء الذي ينال بلا تعب، ولأن المعادن في باطن الأرض أقدم من ملك المالكين للأرض، ولا يملكونها إذا ملكوا الأرض.

ورجَّح الشيخ محمد أبو زهرة ضرورة الأخذ، في عصرنا هذا، برأي المالكية [محمد أبو زهرة: التكافل الاجتماعي، ص38]، وهذا ما ذهب إليه أيضًا السيد محمد باقر الصدر [محمد باقر الصدر: اقتصادنا، 507-508]، وهو من علماء الاثني عشرية المعاصرين، ولا سيما مع تنامي قدرة الإنسان على الكشف والتنقيب والاستخراج من خلال الآلات الحديثة المتطورة.

إنها من المشتركات العامة بين كل الناس، فلا يعترف الإسلام لأحد بالاختصاص بها، وتملُّكها ملكية خاصة؛ لأنها مندرجة ضمن نطاق الملكية العامة، وخاضعة لهذا المبدأ، وإنما يسمح للأفراد بالحصول على قدر حاجتهم من تلك الثروة المعدنية، دون أن يستأثروا بها، أو يتملكوا مصادرها الطبيعية.

وعلى هذا الأساس يصبح للدولة وحدها، أو للإمام، بوصفه ولي أمر الناس الذين يملكون تلك الثروات الطبيعية ملكية عامة، أن يستثمرها بقدر الإمكانات التي توفرها الشروط المادية للإنتاج والاستخراج، ويضع ثمارها في خدمة الناس [محمد باقر الصدر: اقتصادنا، ص496]. ودولة الخلافة أكثر قدرة من الأفراد على استغلال الثروة المعدنية، وتوفير المال والآلات اللازمة، وإقامة العلاقات مع الدول المستوردة، وعلى الاستكشاف، والاستخراج، والنقل، والتسويق، والتسعير. وتعجز الشركات والأفراد في الأغلب عن هذه المهمات الصعبة. كما أن هدف الاستغلال والربح والجشع يسيطر على منظمات الأعمال. وهذه الثروة هي أمانة في عنق ولي الأمر، ولا يجوز التفريط بها، ولا يجيز له الشرع ذلك، وتحاسبه الأمة على تقصيره.

ثانيًا: الطاقة:

تشمل الطاقة: النفط، والغاز، والكهرباء، والفحم الحجري، والطاقة الذرية، والطاقة الشمسية، وكل ما يكتشفه الإنسان الباحث في هذا العصر عن بدائل أرخص وأوفر. والبحث عن هذه المصادر البديلة يلزمه إجراء بحوث علمية؛ مما يستدعي توفير الأموال اللازمة لتغطية الإنفاق على هذه البحوث التي يحتاج إجراؤها؛ للوصول إلى النتائج المرجوة، إلى علماء متخصصين، وعاملين فنيين، وتقنية عالية، ومراكز أبحاث متطورة. وهذا الإنفاق والحماس للبحث والتطوير لا يتوقع حصوله من قبل الأفراد والشركات؛ لأن الدافع المادي لديهم يغلب الإحساس بالمسؤولية تجاه الناس.

إن خطورة الطاقة في هذا العصر تكمن في كونها تدير كل الآلات والسيارات والبواخر والغواصات والقطارات والطائرات والمصانع ومحطات توليد الكهرباء، وفقدانها يعني توقف شرايين الحياة؛ لذلك تتسابق وتتنازع الدول في امتلاكها، وقد شُنَّت وستُشَنُّ الحروب لأجل تحقيق هذا الهدف.

وقد حاولت الدول الرأسمالية في الغرب علاج أزمة الطاقة بمحاولات لخفض الاستهلاك من النفط قدر الإمكان، وباكتشاف بدائل، مثل: الطاقة الشمسية، والطاقة النووية، ومحاولة التوسع في تخزين النفط، وزيادة المخزون الاستراتيجي منه، مع تأخير استخراج ما في أراضيها من نفط؛ لكي يبقى على شكل احتياطي مخزّن طبيعيًا في باطن الأرض.

وبالتدقيق في دور الدول المعاصرة، ودور الشركات في مسألة النفط على سبيل المثال، يلاحظ أن الدور الأكبر يكون للشركات في أغلب دول العالم، ويلاحظ أيضًا أن الأنظمة الحاكمة في الدول القائمة في العالم الإسلامي لها النصيب الأكبر من إيرادات النفط والغاز، وتتعامل مع هذه الثروة وكأنها ملك خاص لذوي السلطان من حكام الجّوْر.

ثالثًا: النقل:

توسع قطاع النفط خلال النصف الأخير من القرن العشرين الميلادي بسبب التقدم التقني الهائل الذي حصل في العالم، وتنوعت وسائل النقل البري، والبحري، والجوي؛ حتى أصبح يطلق على العدد الكبير من وسائل النقل مصطلح أسطول بحري، أو أسطول جوي، أو أسطول بري. وبسبب الإنتاج بالحجم الكبير أصبح من الضروري توفير النقل بالحجم الكبير. ومع ازدياد عدد سكان العالم أصبح النقل التجاري والصناعي بالحجم الكبير أيضًا.

وقبل انتشار ظاهرة الخصخصة، كانت الدول تتولَّى هذه الخدمة، وتمتلك وتدير خدمات النقل الخارجي، والنقل العام الداخلي. ثم نشأت الحاجة إلى وجود وزارات للنقل والمواصلات، وخُصِّصت لها موازنات في العديد من دول العالم. ومع مرور الزمن، بدأت الدول تضع قوانين تنظم شؤون النقل والمواصلات، داخليًا وخارجيًا. وقد وُقِّعت اتفاقيات ثنائية، وجماعية، وضمن تكتلات سياسية، واقتصادية، محلية ودولية. فهناك على الصعيد المحلي مثلًا اتفاقيات عقدت بين الدول العربية في إطار جامعة الدول العربية، والتي تم إعدادها عام 1977م.

وهناك اتفاقيات ثنائية بين العديد من الدول العربية، واتفاقيات إقليمية ضمن مجلس التعاون الخليجي، والدول المغاربية. وهناك اتفاقيات عالمية، واتفاقيات في إطار المجموعة الأوروبية؛ وذلك لتسهيل مرور مركبات النقل على الطرق، والتأمين الدولي على المركبات، ورسوم المرور الدولي، وأنظمة المرور على الطرق الدولية التي وُقِّعت عام 1950م، والتي وضعت أسس التعاون الدولي والتنسيق لأنظمة وتعليمات أعمال النقل في أوروبا؛ وذلك في إطار معاهدة جنيف للمرور على الطرق، والتي دخلت حيِّز التنفيذ عام 1968م [د.عبد القادر فتحي لاشين: المعوقات والمشاكل الإجرائية في المنافذ، ص305 وما بعدها]، والتزمت بها معظم دول العالم. وقد استبدلت هذه الاتفاقية عام 1968م، باتفاقيتي فيينا للمرور على الطرق، ولعلامات وإشارات المرور على الطرق.

وعلى صعيد النقل الجوي، وقعت بعض دول العالم اتفاقية وارسو عام 1929م، والتي ميّزت بين النقل الجوي الداخلي والنقل الجوي الدولي؛ ذلك النوع من النقل الذي وضعت له الاتفاقية ضوابط وقوانين تنظمه، ثم خضعت هذه الاتفاقية للتعديل عام 1955م في (لاهاي)، وللتجديد عام 1961م في اتفاقية (جوادا لاخارا) في المكسيك [د.محمد فريد العريني: القانون الجوي، ص20-58].

وهناك قوانين دولية وضعت لتنظيم النقل البحري، وتحديد مسؤولية الشاحن، والمشحون إليه، والشركة الناقلة، وللتأمين البحري على السفن، والبضاعة المشحونة، وتحديد المستندات التي يجب على السفينة أن تمتلكها خلال رحلاتها، هذا إضافة إلى تسجيل السفينة، وتحديد هويتها، بحسب المكان الذي سجلت فيه. وحددت القوانين أهمية سند الشحن في الإثبات، وحددت مواعيد الشحن، والتفريغ، وتحديد كيفية التصرف في حالة هلاك البضاعة، ومن يتحمل تبعة الهلاك [د. مصطفى كمال طه: القانون البحري، ص 181-215—227].

وفيما يتعلق بالنقل في عصور الخلافة الأولى، فإن وسائله كانت بدائية، وتتم بواسطة الخيول، والبغال، والجمال، والفيلة، والبقر، والعربات التي تجرها الخيول في مراحل لاحقة، والقوارب، والسفن. وكانت الخيول أكثرها استخدامًا في السفر في الأماكن غير الصحراوية. وفي الصحراء كانت تستعمل الإبل [د.أحمد مطلوب: الملامح الاقتصادية في رحلة ابن بطوطة، ص 60-61].

أما في الواقع المعاصر، فإن ما يستخدم من وسائل برية، وبحرية، وجوية، كله يتم استخدامه من قبل الدولة، ومن قبل الأفراد. ومن واجب دولة الخلافة وضع قوانين محلية تنظم هذه الخدمة. وإن امتنع الأفراد والشركات عن تأمين هذه الخدمة للناس؛ فإن الواجب الشرعي يوجب على دولة الخلافة توفير هذه الخدمة لهم.

رابعًا: الأبحاث العلمية الاقتصادية:

إن علم الاقتصاد هو علم اجتماعي، وهو يعني دراسة العلاقات السلوكية؛ ومن هنا يلزم لتطوير هذا العلم ممارسة التطبيق والتجربة، وليس الاعتماد على وضع النظريات فقط، تلك هي الطريقة التي تطورت بها النظرية الاقتصادية الوضعية.

لقد أصبح علم الاقتصاد موضوعًا متخصصًا إلى حد كبير، ويتطلب الكثير من الأبحاث العلمية الواسعة. ومن جهة أخرى، فإن تطبيق النظام الاقتصادي في الإسلام يتطلب تعمقًا قويًا في الفكر الإسلامي ومنهجيته، واطِّلاعًا على المراجع الأصلية الإسلامية. وباستثناء قلة، فإن الاقتصاديين المعاصرين الضالعين في علم الاقتصاد، وفلسفته، وأدواته، ليست لديهم معرفة سوية بالعلوم الإسلامية. أما أولئك المتمكنين من العلوم الإسلامية فيفتقرون في أغلبهم إلى المعرفة في علم الاقتصاد، ومنهجيته وأدواته في التحليل؛ ومن هنا كانت الفجوة في التفاهم، وتبادل المعلومات بين الفقه الإسلامي، وعلم الاقتصاد.

إن علم الاقتصاد الغربي ليس عديم الجدوى نهائيًا في بحث الاقتصاد الإسلامي، ولديه من أدوات التحليل وأساليبه ما يمكن أن يساعد في فهم العلاقات الاقتصادية والسلوك الاقتصادي لمجتمعات متفاوتة الثقافة والعقيدة. إلا أن النظرية الاقتصادية الغربية قد قصرت في كثير من الأحيان عن تشخيص بعض المشاكل الاقتصادية، مثل الركود التضخمي STAGFATION ومشاكل السوق وغيرها.

إن اعتماد مبدأ الأبحاث العلمية في الاقتصاد بعامة، وفي الاقتصاد الإسلامي بخاصة، لم يتمتع باهتمام كافٍ في العالم الإسلامي؛ لذا ليس هناك مفر من قيام دولة الخلافة بما تملكه من شعور بالمسؤولية تجاه الرعية، وبما تملكه من مال لازم، بالإنفاق على البحوث العلمية في مجال الاقتصاد، وأن تنشئ مراكز للبحث العلمي، وأن ترعى الخبراء وتنفق عليهم وعلى أبحاثهم، وتثير المنافسة والتسابق في حقول العلم والمعرفة؛ وذلك من أجل تطوير العلم، وحسن تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي.

بعض بنود الإنفاق العام

تتولَّى الدول العلمانية المعاصرة الإنفاق على العديد من الخدمات، وتتحمل تكاليفها بسبب موقعها الرعائي من المجتمع. ومن هذه الأمور: فوائد الدين العام، والإعانات الحكومية، والنفقات المالية التي تتم لصالح الهيئات الرسمية. وفيما يلي تفصيل ذلك:

أولًا: فوائد الدين العام:

تلجأ الدولة للاقتراض بالربا لأسباب عديدة، مالية واقتصادية، وقد يكون ذلك لسد عجز مؤقت ناتج عن عدم تطابق الإيرادات والنفقات على مدار السنة، أو لمجابهة عجز حقيقي يرجع إلى عدم كفاية حصيلة الضرائب لتغطية النفقات العامة. فالقرض أداة لتوزيع الأعباء العامة مثل الضريبة، وقد خفَّت حدة التفرقة بينهما كمصدر لإيرادات الدولة.

كذلك تقوم الدولة العلمانية بالاقتراض لتنفيذ سياستيها الاقتصادية والاجتماعية. فالقرض أداة مهمة لتحقيق أهداف الدولة العلمانية في زيادة الدخل، واستقراره، وحسن توزيعه؛ فهو يستخدم كأداة لدرء الأزمات؛ إذ تستعين به الدولة العلمانية لتغطية نفقاتها المتزايدة في فترات الكساد، وتمتص بواسطته الأموال المكتنزة العاطلة، وتقوم بسداده في فترات الرخاء.

ويستخدم القرض أيضًا كأداة لتحسين توزيع الدخل، والتخفيف من حدة التفاوت بين الفئات، فتطرح الدولة العلمانية  اكتتابًا لاستجلاب القروض مقابل نسبة من الربا، فتكتتب فيه الفئة الغنية، وتنفق الدولة العلمانية حصيلة الاكتتاب على مصالح الفئات الفقيرة؛ فترفع بذلك مستوى معيشة هذه الفئات من ناحية، وتقلل من القوة الاقتصادية لفئة المكتتبين من ناحية أخرى، خاصة إذا سددت القروض بنقود قوتها الشرائية متدهورة [د. عبد المنعم فوزي وززميلاه: المالية العامة، ص 373].

ويحقق القرض العام أيضًا أهدافًا تتعلق بالسياسة النقدية. فبواسطة الاقتراض من البنوك تزيد الدولة العلمانية من القوة الشرائية المتداولة؛ مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج في حالة توجيه قروض الدولة العلمانية إلى نواحٍ استثمارية. كذلك يستخدم القرض كوسيلة لامتصاص الفائض من القوة الشرائية المتداولة، ومحاربة التضخم، وتحقيق التوازن الاقتصادي.

وتتوقف الآثار الاقتصادية للقروض على عوامل عديدة منها:

  • مصدر القرض: القرض قد يكون داخليًا أو خارجيًا. وفي الحالة الأولى قد يكون مصدره المدخرات الموجودة لدى أفراد الناس أو قد يتم الالتجاء إلى المصارب المحلية للاقتراض منها. [د. عبد المنعم فوزي وززميلاه: المالية العامة، ص 373].

  • طريقة استخدام القرض: إن القرض إما أن يوجه إلى نفقات استهلاكية لتمويل الحروب، وإما إلى نفقات استثمارية.

  • آثار القرض: تتوقف آثار القرض على مصدر وطبيعة الأموال اللازمة لاستهلاكه. [د. عبد المنعم فوزي: المالية العامة، ص 374].

هذا في الدول العلمانية، أو الدول الرأسمالية. أما دولة الخلافة فلا تقترض بفائدة ربوية، لا من الداخل، ولا من الخارج؛ بسبب تحريم الإسلام للربا، والفوائد الربوية؛ لذلك لا يعد هذا البند من البنود التي تتحمل كلفتها، أو تقلق بشأن تأمين سداد الفوائد المتراكمة عليها.

ثانيًا: الإعانات الحكومية:

تقوم بعض الدول بتقديم إعانات للهيئات المحلية؛ لكي تحدَّ من المغالاة في فرض الضرائب المحلية؛ لأن فرضها يؤدي إلى إنقاص حجم الرفاهية الاقتصادية التي يتمتع بها الناس. وتفيد هذه الإعانات أيضًا في حثِّ وتشجيع الهيئات المحلية على القيام بأداء خدمات معينة، غالبًا ما تشوبها صبغة إقليمية لا محلية بحتة، كما تهدف إلى تحقيق نوع من المساواة في المقدرة المالية للهيئات المحلية على المضيِّ في نشاط عام معين. وكثيرًا ما تتفاوت هذه الإعانات الحكومية في مقدارها، تبعًا لأوجه الدورة الاقتصادية المختلفة، فتزيد في أوقات الكساد، أو الهبوط في مستوى النشاط الاقتصادي العام، وتقل في فترات الرواج أو الرخاء، ولا تؤديها الدولة بالضرورة من حصيلة إيرادات ضرائبها العامة. ويعاب على الإعانات الحكومية أنها قد توهن من الوعي المالي المحلي، كما أنها قد تشجع على الإسراف من جانب الهيئات المحلية؛ إلا أن شيئًا من هذا لا يخشى حدوثه لو اشترطت الدولة مثلًا ضرورة قيام هذه الهيئات بالمساهمة المالية في بعض تكاليف المشروعات المحلية المعانة، بالإضافة إلى ما للدولة من وسائل للرقابة على كيفية إنفاق الهيئات المحلية لهذه الأموال [د. عبد المنعم فوزي ود. عبد الكريم بركات: مالية الدولة والهيئات المحلية، ص638].

أما في دولة الخلافة، فإن الإعانات لا يفرضها وجود الضرائب، أو غيابها، بل يفرضها الواجب الشرعي، وإذا كان في بيت المال ما يكفي لتأمين هذه الخدمات، فإن الدولة تقوم بالإنفاق من بيت المال عليها. وإذا لم يتوفر المال في بيت المال، تقوم الدولة بفرض قدر من المال على الأغنياء فقط، ولتغطية الحاجة الآنية، وينتهي فرض المال على الأغنياء بانتهاء الحاجة الملحة، فالحاجة للخدمة هي التي تملي على الدولة واجبها، وليس أي أمر آخر.

ثالثًا: النفقات المالية التي تتم لصالح الهيئات الرسمية:

إن المقصود بالهيئات الرسمية هي: الوزارات، وإدارات الدولة الرسمية والبلديات، وباقي مؤسسات الدولة، التي تؤدي خدمات عامة النفع للمجتمع. وقد أدخل خبراء الأمم المتحدة تكاليف هذه الخدماتضمن التكاليف التي تتحملها الدولة. وهذا النوع من الإنفاق لا يمكن أن يقوم به الأفراد، أو الشركات، أو الجمعيات الخيرية؛ لذلك تبقى هذه الخدمات معطلة إذا لم تبادر الدولة إلى تحمل أعبائها؛ لأن الإنفاق عليهالا ينتج عنه مردود مالي (ربح)، فهي لا تغري المؤسسات الخاصة للقيام بها؛ لذلك ترصد لها الدولة المعاصرة مالًا ضمن الموازنة العامة. ولا تختلف دولة الخلافة في هذا المجال عن الدول المعاصرة؛ حيث تغطي النفقات من بيت المال، أو تفرض على الأغنياء ما يسمى “التوظيف” إذا لم يكن في بيت المال ما يكفي للإنفاق على هذه الخدمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *