العدد 372 - السنة الثانية والثلاثون، محرم 1439هـ، الموافق تشرين الأول 2017م

اللغة العربية وأثرها في فهم العقيدة الإسلامية (2)

اللغة العربية وأثرها في فهم العقيدة الإسلامية (2)

 

طرح الكاتب تساؤلات أراد أن تكون عناوين لبحثه الذي يدور حول تفضيل لغة العرب لذاتها ورفعها على غيرها، وقد تناولنا ستةً منها من قبل، على أن نكملها في هذا المقال. 

7) ونحن في بحثنا هذا لا نريد تعصبًا للغة العرب لأنها لغتنا وحسب من باب العنصرية لعرقنا العربي، بل نريد من وراء ذلك الحفاظ عليها لغةً نقيّة طاهرة أولًا، ونريد ممارسة عقيدتنا ممارسة صحيحة خاليةً من الشوائب التي لو تراكمت لأودت باللغة، ولأدى ذلك لأن تودي بالعقيدة، وذلك لما أسلفنا من القول أنّ إقام الصلاة لا يتم ولا يصح بغير قراءة القرآن، وقراءة القرآن لا تكون إلّا بلغة العرب.

فهل بعد ذلك من سبب أو من أسباب للتمسك باللغة العربية وللمحافظة عليها؟! وهل بعد ذلك من قيمة للغتنا التي لا تكمل العبادة إلا بها؟!

فمن حاد عن ذلك قلنا له: إما أن تكون مسلمًا مصليًا متقنًا لقراءة القرآن بلغته التي أُنزل بها أو لا تكون مصليًا متقنًا للغة العرب، فدع اللغة للمسلمين إذًا. وهنا يطيب لي أن أورد بعض تعليقات وتوضيحات الإمام الشافعي رحمه الله في هذا المجال من كتاب الرسالة، ومعها تعليقاتي المتواضعة فيما أراه من رأي يوافق الإمام الشافعي في رأيه العظيم، وأنا مقتنع به، فزادني الإمام تثبُتًا برأيي.

  • يقول الإمام الشافعي: ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه.

  • وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها: لا يذهب منه شيء عليها، ولا يطلب عند غيرها، ولا يعلمه إلا من قبله عنها، ولا يشركها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها.

  • فإن قال قائل: ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب لا يخلطه فيه غيره؟ فالحجة فيه كتاب الله. قال الله تعالى: ] وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ [ فإن قال قائل: فإن الرسل قبل محمد كانوا يرسلون إلى أقوامهم خاصة، وإن محمدًا بعث إلى الناس كافة، فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه أو ما أطاقوا منه، ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم؛ فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم.

وفي هذا القول للإمام الشافعي ما يجعلني أتمسّك، بل ويؤكد ما ذهبت إليه في قولي السابق في هذا البحث من أن مبعث الرسول إلى الناس كافة، وليس إلى قومه فقط، ما يؤكد أن اللغة العربية التي نزل بها هذا القرآن هو ما يجب بعد اعتناق الإسلام أن تكون لغة كل مسلم، وأن تكون لغة الكافة التي تتبع الرسول وليس للخاصة من العرب الذين هم عشيرة الرسول دون كافة الخلق، وليست الخاصة هم قومه أو عشيرته بالمفهوم العنصري عربًا بحتًا، وإنّما قومه بالمفهوم المطلق والعام لكل من اعتنق الإسلام فهو من قومه؛ لأن الرسول جاء برسالة الإسلام فكل مسلم من قومه. فهي لغة الكل عندما يصبح هذا الكل مسلمًا. وإن ما طالعنا من علوم الإسلام على أيدي نوابغ المسلمين لم يكن من العرب وحسب، وإنما كان من الأمم التي دخلت الإسلام، وبلغة العرب الراقية الخالية من اللحن والخطأ والضعف – ونحن لم يصلنا أبدًا لا عن رسول الله ولا عن خلفائه أن اللغة العربية كانت يومًا مشكلةً للشعوب الداخلة في الإسلام.

  • فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض؛ فلا بد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع.

  • وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي، ولا يجوز – والله أعلم- أن يكون أهل لسانه أتباعًا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع لسانه، وكل أهل دين قبله عليهم اتباع دينه، وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه، قال الله تعالى: [١٩١ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥] [الشعراء].

وقال تعالى: [ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ ]وقال تعالى: [وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا ] [الشورى: 7] وقال تعالى: [ حمٓ ١ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢ إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٣] [الزخرف] وقال تعالى: [ قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨] [الزمر].

  • قال الشافعي: فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها، ثم أورد ذلك بأن نفى عنه جلّ ثناؤه كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه وهما، قال تعالى: [ وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣] وقال تعالى: [ وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ]

وإني لأرى من خلال هذه الآيات الكريمات التالي: لو لم تكن اللغة العربية مقصودة لذاتها ومعنيةً بالتعلم لكل مسلم دخل الإسلام حتى يصل الأمر إلى الإلزام الضمني بتعلمها لما كان هذا التركيز الإلهي في هذه الآيات الكريمات على التاكيد بعربية القرآن الكريم متبوعًا بالنفي عن كونه أعجميًا، وأنه لو نزل أعجميًا لوجدت عليه اعتراضات وطلبت تفصيلات من قوم الرسول الأقربين أولًا؛ فيكون ذلك عائقًا لنشره، ولو نزل أعجميًا لاعترضت عليه أمم الأعاجم لِمَ لم يكن بلسان هذه دون تلك؛ فيكون ذلك أيضًا عائقًا دون نشره وانتشاره.

  • قال الشافعي رحمه الله: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك. وَإنني لأميل إلى هذا الرأي ميلًا شديدًا – وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرًا له، كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت وما أمر بإتيانه ويتوجه لما وجه إليه ويكون تبعًا فيما افترض عليه وندب إليه لا متبوعًا.

وإنني لأظن أن الشافعي رحمه الله إنما أراد بقوله (تابعًا لا متبوعًا) إرجاع كل مسلم إلى أصل واحد وهو العقيدة الصحيحة حتى لا تحدث التفرقة في هذا الدين، ولكي يلم الشمل تحت مظلة واحدة ليجعل من الأمم الإسلامية أمة واحدة. فالعودة بهم جميعًا إلى الأصل الذي نزل به القرآن بالتأكيد يعد أسهل وأهون وأقل صراعًا واصطراعًا فيما لو تحول المسلمون إلى لغات شتى من لغات تلك الأمم التي لا تقبل إحداها بغير لغتها، بينما العودة بهم جميعًا إلى لغة العرب ولغة القرآن لا يجدون فيها ضيرًا أو حرجًا لأنها عودة إلى أصل كما أوضحنا ذلك، فلذلك كان رأي الشافعي رحمه الله: أن يكون المسلم تابعًا لأصل أفضل من أن يكون متبوعًا لفرع، وانظروا كم هو الفرق بين الحالتين وما يتمخض عن ذلك من إرهاصات ومماحكات لا تصب أبدًا في خدمة هذا الدين المحفوظ بحفظ الله إن شاء الله فيما لو تحوّل المسلمون العرب إلى غير لغة العرب، وانظر إلى المفارقة العجيبة التي تؤكد ما نقوله وهي: أن العرب كانوا فقط في شبه جزيرة العرب؛ فأصبح العرب اليوم في سوريا العربية بدلًا من بلاد الروم يعني بلاد الشام، وفي مصر والسودان والمغرب العربي بجيمع دوله حتى الصومال وجزر القمر وموريتانيا وكلها أصبحت دولًا عربية تنتظمها جامعة الدول العربية، وهي دول في الأصل ليست عربية كما قلنا ثم أصبحت إسلامية، وبإتقانها للغة الإسلام وهي اللغة العربية أصبحت دولًا عربية وهذا ما يهدف الإسلام إليه من وحدة وتضامن وتعاون وإزالة الفروق بين أبناء الأمة الإسلامية. وهكذا وحدت اللغة هذه الدول عن طريق لغة القرآن الكريم. فما أسماها لغة وأقدسها بهذا القرآن الكريم.

  • وهنا قد يقول قائل: ما دام الأمر كذلك، فلتكن اللغة التي توحد هذه الأمة لغة فارس أو الروم أو لغة الأرد أو اللغة الإنكيزية أو الفرنسية أو غيرها من اللغات، فلماذا يختص هذا الفضل بلغة العرب دون غيرها وسواها يا تُرى؟!

الجواب يعود إلى شقين:

  • الشق الأول: أن النبي عربي، وأن القرآن عربي نزل بلغة العرب على قلب المصطفى محمد حسب ما أوردنا من آيات سابقات.

  • الشق الثاني: كما أسلفنا سابقًا، وهو قصر التعبد بعد ذلك على قراءة القرآن والتشهد ومناسك الحج وتعريفاتها وأداء الصلاة بلغة القرآن، ولا لغة غيرها مطلقًا، حتى وإن رفض المكابرون ذلك فلا حاجة لنا بهم وإليهم وإلى إسلامهم. فلا إسلام بغير صلاة، ورفض الترجمة للقرآن الكريم بالإجماع كأنه إجماع على تعلم لغة القرآن، وهي العربية لكل مسلم ما أطاقه كما أورد الإمام الشافعي؛ ولذلك فقد انحصرت اللغة في الهدف الأعم والأعظم والأسلم بتوحيد الأمة الإسلامية باجتماعها على لغة واحدة. ولما كانت لغة العرب هي لغة القرآن كان لا بد من اجتماعها عليه؛ لتكون بعدها الباكستان عربية؛ وكذلك إيران وأفغانستان وبنغلادش وإندونيسيا وماليزيا… كمصر والسودان وسوريا ولبنان… ضمن الدّولة الإسلامية الواحدة؛ علمًا أن هناك دولًا مثل الصومال ولبنان وسوريا والعراق لم تكن بالأصل تتكلم اللغة العربية.

  • ولعلّ هناك من يقول: إنّ هذه اللّغة عاجزة عن أن تواكب العصر الحاضر بآلاته وأسمائها ومنجزاتها، وإنها دون مستوى الكم الهائل من المخترعات بمسمّياتها ودقائقها، فنقول له:

إنّ كلّ مخترع وجد في العصر الحاضر أن اللغة أولدت له لفظًا مشابهًا أو مرادفًا وأدق توضيحًا لأدائه الوظيفي والآلي؛ وذلك مثل (أشكمون) أسمته العادم، و(الفراميل) أسمتها المكابح، و(الدركسيون) أسمته المقود، و(الدولاب) أسمته الإطار، وغير ذلك الكثير الكثير مما لن أستطيع حصره وإحصاءه.

ونحن نعلم أنّ اللغة العربية لغة ولود عن طريقين:

  • الاشتقاقات ب- التعريب

فإذا لم تستطع هذه اللغة أن تلد لفظًا عربيًا لمخترَع جديد، عرّبت ذلك اللفظ بأن تخضعه للتركيب العربي في الأحرف العربية والشّكل العربي مثل: (أباجور) للشباك فقال عنه (أبجور) تعريبًا و(غبّاش) اشتقاقًا. وكذلك (استيشن) عرّبت وأخضعت للتركيب العربي، ثمّ وضعوا لها لفظ محطة عمومًا، أو محطة وقود خصوصًا. وكذلك (بتروليوم) فقد وضع له لفظ بترول تعريبًا، ثمّ وضع له لفظ (نفط) اشتقاقًا.

وكذلك (الچير) فوضعوا له تعريبًا (الجير) ثمّ وضعوا له (محوّل السرعة) اشتقاقًا.

ولو اضطررنا لتأليف كتب في هذا المجال فالشّواهد أكثر من أن تعد أو أن تحصى.

وإنني والله في هذا البحث، ما أردت ولا كان هدفي التعصّب للغة العرب لأنّها لغتي، ولأنني أشرف بأنني تخرّجت من كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر الشريف، ولا لدواعٍ عنصرية وأهداف شعبوية؛ فالإسلام ما ترك لنا بذلك حاجة. وإنما للبلوغ بوتيرة هذا الدين إلى أهدافها المنشودة والمؤكدة حسب رأيي من أن بعثة نبينا محمد إلى الناس كافة، وهذه الكافة تفترض علينا أن نكون موحدين متماسكين متفاهمين فيما بيننا بلغة واحدة تأتلف القلوب حولها بعد أن يعمرها الإسلام والإيمان. ولتكون اللغة هي القاسم المشترك بين جميع المسلمين، فلا خيار لنا أن تكون غير لغة العرب هي لغة القرآن الكريم.

وإنني لأعجب كل العجب ممن يرفض مثل هذا الأمر، وكأنما يساق إلى الموت سوقًا، أن تكون لغة العرب يعني لغة القرآن هي لغة كل مسلم، فما الحرج في ذلك؟

الجواب الصريح والواضح هو أن الناس قد رفعوا قومياتهم وأعراقهم وجنسياتهم وأجناسهم فوق هذا الدين، كما جعلوا فخرهم بذلك أعظم بكثير من فخرهم بالإسلام. والدعوات الصارخة في هذا المجال أصبحت مكشوفة للعيان ومجاهَرًا بها دون مواربة أو خجل أو استحياء. فمنهم من يدعو للفرعونية في مصر وكأنهم يريدون الانسلاخ من الإسلام بالكلية، ومنهم من يدعو إلى العامية في النطق باللغة العربية كأول مسمار في نعشها، ومنهم من يدعو إلى اللغة الأمازيغية ضنًا بنفسه أن ينطق لغة العرب، وكأن ذلك عارًا عليه.

يا سبحان الله: ألست أنا كاتب هذا البحث ولدت لبنانيًا، وفي الأصل كان اللبنانيون فينيقيين ثمّ أسلموا ثمّ تعربّوا حتى عُدُّوا بعد ذلك عربًا.

وألم يكن سكان مصر المسلمين اليوم فرعونيين؟! وكذلك الحال في سوريا وفي المغرب وفي الشمال الأفريقي كله.

فلمَ هذا الهروب من لغة القرآن العربية يا ترى؟!

الجواب إذا كان هذا الهروب مقصودًا به ومنه تدمير الإسلام بتدمير لغته التي شرفها القرآن بنزوله فيها، وبعد ذلك محو الإسلام من الوجود –  وهذا من أهم أهدافهم –  فإننا نقول لهم: لا حاجة لنا بكم، ولا داع لأن تحسبوا علينا مسلمين ليكون تدميركم للإسلام من الداخل، والتدمير من الداخل أسرع وأشد وطأة ومضاضة وأسهل تدميرًا لهذا الدين. ونقول لهم أيضًا: خير لكم أن ترجعوا إلى رشدكم، وأن تحفظوا لهذه اللغة فضلها وقداستها، فإن شئتم أو أبيتم فهي محفوظة بحفظ الله لكتاب الله في صدور عباد الله المخلِصين والمخلَصين، واعلموا أنكم لن تحصدوا سوى الخيبة والذلة والمسكنة إن استمررتم في عنادكم للغة القرآن الكريم.

أما إذا كان هذا الهروب هو التعصّب للقوميات والعرقيات والأجناس والجنسيات فكل الخلق لآدم وآدم من تراب، وهذا الإسلام لكل الناس وكافتهم، أفضلكم أتقاكم، وأقربكم من رسول الله أحسنكم أخلاقًا، وأعظمكم عند الله أخلصكم لدين الله، ولا داع لهذه العصبيات الذميمة والعنصريات المقيتة والعرقيات المتحجرة في عصرنا الذهبي. فالإسلام وحَّد بين المسلمين؛ فرفع الأرقاء فوق سادتهم، والفرس ألحقهم بنسب الرسول في قصة سلمان الفارسي. وبلال الحبشي إذ صار مؤذن رسول الله للصلاة، ولما طلب يد هند بنت النعمان للزواج وشاورها أبوها فيه فقالت: يا أبتِ أين أنا من رجل هو من أهل الجنة؟ فالاعتبار في الإسلام للصلاح والتقى، وكل ما عداه زائل ولا قيمة له بجانب الإسلام والإيمان. فهل نتسمّر متحجرين عند موضوع اللغة كأنّها وصمة عار علينا مع أنّها لغة القرآن الكريم.

تذييل

جاء هذا الإسلام رسالةً كونيةً، رسالةَ عدلٍ وإخاء ومحبة وتسامح وتوحيد للخلق، تحت راية واحدة: راية لا إله إلا الله  محمد رسول الله، وبعد ذلك الخلق كلهم عيال الله، أحبهم إليه أنفعهم لعياله، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى».

وقال تعالى: [ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١]. وقال تعالى: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣]

فبالله عليكم، كيف ستكون التقوى يا ترى؟ لا شك أن أكبر مساعد للتقوى أن تكون اللغة العربية التي هي لغة القرآن هي اللغة التي نقرأ بها القرآن الكريم؛ فنقرأ بها آيات التقوى وآيات الحج وآيات الصلاة والزكاة والصيام…

وبما أن الإسلام جامع للشعوب وليس مفرّقًا لها، ونابذٌ للعنصرية وليس حاضًا عليها، وجُعلنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، فهل سنتعارف بغير القرآن؟! وهل هذه اللغة إذا ما انتشرت وعمت ستبقى لغة العرب فقط أم لغة الإسلام والمسلمين الذين يتقاضَون ويتحاكمون ويتقون ربهم بها، ويصلون ويحجّون بها، وبعد ذلك تمحى عنها صفة العروبة لتحل محلها صفة الإسلام، وهذا أعظم ما يراد من دلالة على الوحدة الكونية المنشودة من هذا الدين. ونحن نعلم أن المتشدقين والمتمنطقين بعبارة الوحدة الكونية هم أبعد الناس عنها قولًا وعملًا وتدميرًا وسفك دماء لكل عنصر غير عنصرهم وجنسيتهم، إنهم يسرقون أهدافنا، ولكنهم يبغونها عوجًا.

وأخيرًا. أنا من خلال هذا البحث لا أطالب أبدًا – وعلى الإطلاقَ – بترك أمم الأرض للغاتها، بل على العكس فهذه اللغات تحمل حضارات وتراثًا وآدابًا وشعرًا وفنونًا متعددة تثري بالنهاية التراث الإنساني، وإنما أدعوهم لحذق لغة العرب إلى جانب لغاتهم ليحسنوا العبادة لله، وليرزقوا الفهم في كتاب الله وتفسيره، ويحسنوا ممارسة شعائرهم الدينية الإسلامية طاهرة نقية غير ملتبسة بشوائب من هنا وهناك، وليجد بالنهاية المسلمون قاسمًا مشتركًا بينهم يتحلقون حوله جميعهم لمصلحتهم جميعًا، وهي لغة العرب .

خاتمة:

قال تعالى: [ لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦]

إذًا، فإن الإسلام يرفض إكراه أي إنسان على الدخول فيه، ولكن متى أصبح الإنسان مسلمًا أصبح ملزمًا بالخضوع لكل تعاليم الإسلام وقوانينه عبادةً ونهجًا، وملزمًا بتعلم ما يطيق من لغة القرآن لأداء أهم عبادة وهي الصلاة، وإن استزاد فذلك خير له وللمسلمين جميعًا.

وهذا الرأي ليس إكراهًا للمسلم الداخل في الإسلام وإنما هو ترجمة الإيمان والإسلام إلى حالة من التطبيق تقرب معتنقيه من بعضهم بالتزام أسلوب معين ومحدّد في الحياة.

وبالجملة فأنا لا أريد أن يكون تعلم اللغة العربية للراغبين في الدخول في الإسلام عائقًا لهم عن دخولهم فيه، وإنما أردت أن أقرر حقيقة لامراء فيها وهي: لا بد من تعلم لغة العرب لتكتمل صورة وحقيقة المسلم.

وأعظم حل لهذه المسألة هي: تجويز ترجمة معاني القرآن الكريم إلى أي لغة كانت بعد اتقان ما تؤدى به الصلاة من لغة العرب، والزيادة خير في كل ما يراد به وجه الله سبحانه وتعالى إن صحت النيات وصدقت القلوب. وهنا تحضرني مقولة لبعض الفقهاء مفادها:

“إنه إذا كان هناك من  يتقن الفصحى اتقانًا ممتازًا؛ فلا مانع من أن يجتهد في الإسلام ولو كان غير مسلم”.

يا سبحان الله! أليست هذه المقولة من أعظم سمات السماحة والتسامح في الإسلام ونبذ العنصرية؟!

اللهم إن كنت قد أخطأت فإنني أطلب السماح أو التوبة، وإن كنت قد أصبت فبفضلك ومنِّك وكرمك، والحمد لله على كل حال.

شاهد أيضاً

waie370

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (370)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (370) ذو القعدة 1438هـ – آب 2017م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *