العدد 371 - السنة الثانية والثلاثون، ذو الحجة 1438هـ،، الموافق آب/أيلول 2017م

الملكية العامة في الإسلام: طبيعتها، ومسؤوليات الدولة عنها

الملكية العامة في الإسلام: طبيعتها، ومسؤوليات الدولة عنها

د.عايد فضل الشعراوي (رحمه الله)

الملكية العامة:

هي إذن الشرع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالأعيان التي نص الشرع على أنها مشتركة بينهم، وأن الأفراد، والدولة ممنوعون من حيازتها فرديًا. فهي ملكية لمجموع الناس، وموقوفة عليهم، وينتفع بها مَن كان على قيد الحياة، ومَن يأتي بعدهم، إلى يوم الدين.

وإذا لم تتوفر مرافق الجماعة، يتفرق الناس في طلبها؛ وذلك مثل الماء والطاقة، وهي تشمل المعادن التي لا تنقطع، وتشمل الأشياء التي تكون طبيعة تكوينها تمنع أفراد الناس من حيازتها، سواء أكانت تلك المعادن ظاهرة يمكن الانتفاع بها دون تكلفة كبيرة، مثل: الملح، أم غير ظاهرة مثل الذهب والفضة والحديد والنحاس. وسواء أكانت جامدة كالبلور، أم سائلة كالنفط.

طبيعة الملكية العامة:

تقسَّم الملكية في الإسلام إلى ثلاثة أنواع: الملكية الخاصة، والملكية العامة، وملكية الدولة. ومن دواعي التطرق للملكية العامة كونها لها علاقة بالسياسة المالية؛ من حيث الإنفاق عليها، وتحصيل إيرادات من خلال استغلال الدولة لها لصالح الأمة. وتتصف الملكية العامة بالصفات التالية:

أولًا: إنها من مرافق الجماعة:

إن الملكية العامة هي من المرافق التي يحتاج إليها جميع الناس. وإذا انعدمت أو شحَّت تفرَّق الناس في البلاد بحثًا عنها من أجل الحصول عليها، قال رسول الله: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار». [سنن ابي داود].

وذكر هذه الأشياء الثلاثة في الحديث ليس على سبيل الحصر، وإنما على سبيل التمثيل. فهذه الأشياء الثلاثة، حكمها حكم الأشياء التي تستعمل في تسهيل الحصول عليها، كما أن العديد من الموجودات تأخذ حكم الماء، والكلأ، والنار، مثل: النفط، والغاز، والمعادن، والملح، والكبريت، والقار، والأنهار، والبحار، والبحيرات، والحجارة، والأشجار في الغابات، والحطب، والفحم الحجري، والأسماك في البحار، والطيور البرية، والمراعي، والطاقة الشمسية [الخولي، البهي: الثروة في ظل الإسلام، ص91-92/د. رفيق يونس: أصول الاقتصاد الإسلامي، ص117-118/د. محمد رواس: مباحث في الاقتصاد الإسلامي، ص104].

ثانيَا: بعضها من إيجاد الله تعالى، وبعضها من ترتيب البشر وإنجازهم:

إن من أمثلة الملكية العامة التي أوجدها الله تعالى الأمثلة الواردة في البند (أولًا). أما من أمثلة الملكية العامة التي أوجدها البشر، فهي معالجات للاستفادة من الملكية التي أوجدها الله تعالى، مثل: الآلات التي يتم بواسطتها ضخُّ الماء، وآلات التحلية، وأنابيب الجر، وآلات توليد الكهرباء، وأعمدتها، وكابلاتها، وآلات استخراج النفط، وأنابيب جرِّه، وموانئ تعبئته، وتفريغه، ومصافي تكريره، ومناجم الفحم، وآلات استخراجه، والمحاجر أو المقالع، والطاقة النووية، والأفران الذرية، ومنشآت استغلال الطاقة الشمسية، والسدود،

 والجسور، والأنفاق، والقنوات الاصطناعية، والبحيرات الاصطناعية، والشوارع، والطرق الدولية، والساحات العامة، والحدائق، والملاعب، والمدارس، والمساجد، والمستشفيات، وسكك الحديد، والموانئ البحرية، والمطارات، والملاجئ… وهذه من ترتيبات البشر، فهم أحق الناس بملكيتها بوصفها ملكية عامة.

ثالثًا: تميُّزها بالوفر:

يعدُّ الماء، والكلأ، والنار، من الأشياء غير النادرة، وتتميَّز بالوفر، وتصلح لأن ينتفع بها كل الناس، كما أنها من ضروريات الحياة؛ ولهذا ينبغي تولِّي الدولة تنظيم انتفاع الأفراد بها؛ حتى لا يظلم أحد خلال ممارسة هذا الانتفاع، ولكي لا يهيمن الأقوياء على الضعفاء في الاستحواذ عليها.

رابعًا: عدم جواز تملك الأفراد لأعيانها غير محدودة المقدار:

إن مرافق الجماعة الواردة في الحديث الشريف: “المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار”. لا يجوز أن تملَّك للأفراد، ودليل ذلك ما رواه الترمذي: “عن أبيض بن حمال، أنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقطعه الملح، فقطعه له، فلما أن ولَّى، قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العِدَّ، أي: جبل ملح، أي الثروة الكبيرة التي لا تنقطع. قال: فانتزعَه منه”. وقد شبَّه الملح بالماء العد لعدم انقطاعه، ولما علم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه معدن لا ينقطع، بمعنى كثير، أي جبل ملح، أرجعه، ومنع ملكية الفرد له؛ لأنه ملكية جماعية، وهذا ينطبق على المعادن كلها، ولا يقتصر على الملح فقط.

ومن المعادن التي لا تنقطع، يمكن استعراض بعض الأمثلة التي اكتشفها الإنسان في هذا العصر؛ وذلك مثل: النفط، والغاز، والذهب، والفضة، والنحاس، والملح، والحديد، والقصدير، والفحم الحجري، والرصاص واليورانيوم، والألمنيوم… إلخ. فهذه المعادن وأمثالها هي من المواد الاستراتيجية التي يحق لكل أفراد الرعية الانتفاع بها؛ لأنها من الثروات التي خلقها الله سبحانه، وكنزها للبشر في باطن الأرض، كما أن هذه المواد تكمل قدرة الدولة على ممارسة سيادتها على الموارد الحساسة التي تنعكس على المال، والنقد، والصناعة المدنية، والصناعة العسكرية، وغزو الفضاء، وعلى تراكم الثروة.

لذا أحاط الإسلام هذه الموارد بتشريعات تحدد الجهة الصالحة لاستثمارها، وتمكين جميع أفراد الرعية من الاستفادة منها بالانتفاع بكافة صور الانتفاع التي تحددها الدولة للجماعة. وهذا الأمر من الأمور التي استفاضت في بحثها كتب الفقه.

خامسًا: عدم جواز تملك الأفراد لبعض أعيانها المحدودة المقدار:

هناك معادن محدودة المقدار يمكن أن تملَّك فرديًا، وتعامَل معاملة الرِّكاز (الكنز المدفون في الأرض الذي لا يعرف به مالك، معدنًا كان أو نقدًا)، وفيه الخُمس، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: «ما كان في طريق مأتيٍّ، أو في قرية عامرة، فعرِّفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فلك، وما لم يكن في طريق مأتيٍّ، ولا في قرية عامرة، ففيه وفي الركاز الخُمس» [سنن النسائي وسنن ابن ماجة].

ويجوز للفرد أن يمتلك عين ماء، إلا إذا كانت الجماعة لا تستغني عنها؛ ولكنه لا يجوز له تملك الطريق، أو الرصيف، أو شاطئ البحر، أو ما شابه ذلك من مرافق الجماعة، أو ما يتعلق به نفع عام، إلا أنه يجوز له الانتفاع بهذه المرافق دون أن يحوزها حيازة ملكية؛ وذلك كالجلوس في الطريق، أو المسجد، أ الصيد في البحر، أو النهر، أو الجلوس في الحديقة… وحالما يغادر هذه الأمكنة لا تعود له أفضلية في الانتفاع بها ولا يجوز له احتجاز المكان الذي استعمله، ويحق لأي فرد آخر أن ينتفع بهذه الأمكنة، وقد ينظم وليُّ الأمر الانتفاع.

مسؤولية الدولة عن الملكية العامة

دولة الخلافة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن رعاية الناس، ومن ضمن رعايتهم المحافظة على المال الخاص، وعلى المال العام. ومن ضمن المحافظة على هذا المال عدم السماح بالاعتداء على الملكيات العامة. ومن ضمن الرعاية، وضع ضوابط قانونية مستنبطة من الشريعة الإسلامية تنظم الانتفاع بالملكية العامة، وتحميها لصالح الجماعة. وفي ما يلي تبيانٌ لمواطن مسؤولية دولة خلافة عن أموال الملكية العامة:

أولًا: مسؤولية منع التعدي وإيقاع الضرر:

لا تسمح الدولة بحصول اعتداء على أملاك الملكية العامة من أية جهة كان هذا الاعتداء. فهي المكلفة شرعًا بحماية هذه الملكية، ومنع الطامعين، أو العابثين، من تخريب أي مال، أو مرفق، أو آلة، أو طريق، أو ساحة، أو شاطئ، أو ما شابه ذلك من ممتلكات الجماعة. ولا يجوز لوليِّ الأمر امتلاك بعض أجزاء الملكية العامة، ولا أن يمنحها لذويه، ويحاسبه على ذلك مجلس الأمة، ومحكمة المظالم، وجمهور الأمة. وعلى الأمة صياغة نظام لمحاسبة ولاة الأمر.

وفي هذا المجال، يقول الماوردي: “والذي يختص بنظر المظالم يشتمل على عشرة أقسام: فالقسم الأول: النظر في تعدِّي الولاة على الرعية… والقسم الخامس: رد الغُصوب (أخذ مال متقوَّم محترَم بلا إذن مالكه دون خفية)، وهي ضربان: أحدهما: غصوب سلطانية، قد تغلب عليها ولاة الجور، كالأملاك المقبوضة عن أربابها، إما لرغبة فيها، وإما لتعدٍّ على أهلها. فهذا إن علم به والي المظالم عند تصفح الأمور أمر برده قبل التظلُّم إليه، وإن لم يعلم به فهو موقوف على تظلُّم أربابه” [الأحكام السلطانية، ص101-103]

ثانيًا: التدخل لتنظيم الانتفاع بالمرافق:

وذلك مثل تحديد أمكنة في الشوارع، أو الساحات؛ لوقوف السيارات، أو لعبور المشاة، أو مقاعد في السوق، أو تعيين أماكن محددة للصيد البحري، أو للسباحة، أو لاستخراج الملح من الملَّاحات… ويُعدُّ ذلك تدخُّلًا لضمان نصيب مناسب لكل فرد من أفراد المجتمع في حدود حاجته، وحتى لا يطغى القوي على الضعيف في استغلال هذه المرافق، ولمنع المشاحنات، أو النزاعات، خلال ذلك الاستغلال.

ثالثًا: الإصلاح بين المتنازعين على الانتفاع بالملكية العامة:

من طبيعة البشر التنافس في طلب المتاع الدنيوي، والتسابق على الانتفاع بالمال العام لأنه مشاع، وليس مفروزًا على شكل حصص معروف مالكها؛ وهذا يؤدي إلى النزاع، واختلاف في الجماعة؛ فتتدخل الدولة لإحقاق الحق، وفضِّ الخلاف، وهذا من حقها، وواجب عليها. قال الإمام أحمد عن الذي يجلس في ملكية عامة: “وإن قعد وأطال منع من ذلك لأنه يصير كالممتلك… وإن استبق إليه اثنان احتمل أن يقرع بينهما، واحتمل أن يقدم الإمام من يرى منهما. وإن كان الجالس يضيق على المارة؛ لم يحلَّ له الجلوس فيه، ولا يحل للإمام تمكينه بعِوَض، ولا غيره”. [ذكره ابن قدامة في المغني، 6/63].

رابعًا: حماية الحمى العام:

يحق للخليفة، أي الدولة، أن تحمي جزءًا من الملكية العامة لبعض الأغراض العامة ومن أملاك الناس الخاصة أيضًا كما يجري الآن.عن ابن عباس، عن الصعب بن جَثَّامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حمى إلا لله ولرسوله» [فتح الباري شرح صحيح البخاري]. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: “في الحديث الذي يحدثه الصعب بن جَثَّامة عن النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى أن للإمام أن يحمي ما كان لله، مثل حِمى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومثل ما حمى عمر، يقول هذا كله داخل في الحِمى” [الأموال، ص299 – الماوردي: الأحكام السلطانية، ص233-234]. ويرى أبو عبيد القاسم بن سلام أن الحِمى لله ورسوله يكون في وجهين، الأول: أن تحمى الأرض للخيل الغازية في سبيل الله، وقد قام بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: أن تحمى الأرض لِنَعَم الصدقة، وقد عمل بذلك سيدنا عمر رضي الله عنه [أبو عبيد: الأموال ص297 – الماوردي: الأحكام السلطانية، ص233-234]. وفي ذلك إشارة إلى ما رواه البخاري وأبو داود عن قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بحِمى النقيع [الماوردي: الأحكام السلطانية، ص233].

والحِمى: تخصيص أرض مباحة لمصلحة عامة، وهو استثناء من المرافق العامة؛ لكن ذلك لا يجعل الحِمى ملكية خاصة، ولا ملكية دولة، بل يبقى ملكًا عامًا. فالملكية العامة تشمل المباحات العامة، وكل ما هو موقوف للصالح العام. [د. رفيق يونس: أصول الاقتصاد الإسلامي، ص44-45].

ففي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، كان الحِمى لرعي خيل الجهاد، وإبل الصدقة. أما الآن، فيمكن أن يكون لأغراض مشابهة، مثل مرافق الجيش الذي يعد للجهاد، وثكناته، ومعسكرات التدريب، والرماية، أو ما شابه ذلك.

خامسًا: تنظيم استصلاح الأراضي (إحياء الموات):

شجع الإسلام على إحياء موات الأرض، وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» [فتح الباري شرح صحيح البخاري، 5/23]، وقال أيضًا في رواية أخرى: «من أعمر أرضًا ليست لأحد، فهو أحق بها» [البيهقي: السنن الكبرى، 6/146].

والموات عند الشافعي هو: “كل ما لم يكن عامرًا (معمورًا)، ولا حريمًا لعامر (ما أضيف إليها وكان من مرافقها؛ وسمي به لأنه يحرم منع صاحبه منه]، فهو موات وإن كان متصلًا بعامر. وقال أبو حنيفة: الموات ما بعُد من العامر،ولم يبلغه الماء. وقال أبو يوسف: الموات كل أرض إذا وقف على العامر منادٍ بأعلى صوته، لم يسمع أقرب الناس إليها في العامر”[الماوردي: الأحكام السلطانية، ص223]. ويرى الماوردي أن الجيران والأباعد يستويان في إحياء الموات. أما الإمام مالك فيرى أن جيران الموات من أهل الأرض العامرة أحق بالإحياء من الأباعد [الماوردي: الأحكام السلطانية، ص223].

والإحياء يطلق عليه في هذه الأيام استصلاح الأراضي، وتتولَّى الدول القيام بعبئه الأكبر، وقد تقوم هذه الدول بتشجيع الإحياء من خلال سنِّ القوانين التي تشجع أفراد الناس للقيام بالاستصلاح عبر الإعفاء من الضرائب والرسوم، وتقديم الدعم بإنشاء البنى الهيكلية، والكهرباء المخفَّضة القيمة.

ويجوز للخليفة أن يُقطع من هذه الأرض الموات، وفي هذا يقول أبو يوسف موجهًا كلامه لأمير المؤمنين هارون الرشيد: “وسألتَ يا أمير المؤمنين عن الأرضين التي افتتحت عنوة، أو صولح عليها أهلها… وليست بملك لأحد، ولا في يد أحد، فهي موات، فمن أحياها، أو أحيا منها شيئًا، فهي له. ولك أن تقطع ذلك من أحببت ورأيت، وتؤاجره، وتعمل فيه بما ترى أنه صلاح. وكل من أحيا أرضًا مواتًا فهي له. وقد كان أبو حنيفة رحمه الله يقول: من أحيا أرضًا مواتًا فهي له إذا أجازه الإمام. ومن أحيا أرضًا مواتًا بغير إذن الإمام فليست له، وللإمام أن يخرجها من يده، ويصنع فيها ما رأى من الإجارة والإقطاع وغير ذلك” [أبو يوسف: الخراج، ص63-64].

وسوَّغ أبو يوسف اشتراط إذن الإمام من قبل أبي حنيفة بكون الإمام يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه من الخصومات، أو إضرار بعضهم ببعض. ويبدو أن رأي الإمام أبي حنيفة أكثر مواءمة أو قبولًا؛ لكون الناس تتحكم بهم الأطماع، والأهواء، والأنانية. وفي ظل النمو المـُطَّرد، وضيق المساحات الميتة بعد ازدياد حركة البناء والعمران، فإن احتمال حصول النزاع أشد وقوعًا في ظل ما يسمَّى بالانفجار السكاني؛ ولهذا لا مفر من تدخل الدولة لتنظيم الإحياء وضبطه حتى لا تعمَّ الفوضى.

ومن يحيي أرضًا ثم يعطلها لمدة تتجاوز الثلاث سنوات، فإن الدولة هي الجهة القادرة على نزع هذه الأرض منه وإعطائها لغيره، ودليل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لمحتجر  حق بعد ثلاث سنين» [الزيلعي: نصب الراية، 4/290]. وورد في مسند الإمام الشافعي: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ليس لأحد إلا ما أحاطت عليه جدرانه، إن إحياء الموات ما يكون زرعًا، أو حفرًا، أو يحاط بالجدران، وهو مثل إبطاله التحجير، يعني ما يعمر به مثل ما يحجر” [مسند الشافعي، ص382]. وهنا تبرز أهمية قيام الدولة  بعملية الرقابة وضبط الأمور، ومعرفة من يزرع الأرض،ومن يعطلها، فتتخذ في حقه الإجراء المناسب.

وعن عبد الله بن أبي بكر، قال: جاء بلال بن الحارث المزني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه أرضًا، فقطعها له طويلة عريضة، فلما وُلِّي عمر قال له: “يا بلال، إنك استقطعت رسول الله أرضًا طويلة عريضة قطعها لك، وإن رسول الله لم يكن ليمنع شيئًا يُسأله، وإنك لا تطيق ما في يدك. فقال: أجل. قال فانظر ما قويتَ عليه منها فأمسكه، وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين. فقال: لا أفعل والله شيئًا أقطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: واللهِ لتفعلنَّ. فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين” [البيهقي: السنن الكبرى، 6/246]. هذا التدخل من سيدنا عمر هو تدخل لكونه خليفة أو رأس الدولة، وقام بهذا التصرف لأنه كان يعتبر أن هذا من حقه بوصفه ولي الأمر، وليس تعديًا على أملاك الغير.

أما في ما يتعلق بإمكانية استملاك الدولة لأراض جديدة، فيجوز لها ذلك إذا كانت لمصلحة الجماعة من جهة، ثم دفعت تعويضًا ماليًا لمالكها إذا كانت من الملكية الفردية من جهة أخرى.

كما أن من واجب دولة الخلافة القيام باستصلاح الأراضي بنفسها، وتشجيع الأفراد أيضًا على الاستصلاح؛ حيث يمكنها إعطاء بعض الناس أراضي معينة لاستصلاحها، وامتلاك الانتفاع بها، بعد أن تقوم هي بجر المياه عن طريق القنوات والأنابيب، وتأمين الكهرباء، والمستشفيات، وطرق المواصلات إلى هذه المناطق الخاضعة للاستصلاح؛ مما يسرع العمل في تلك المناطق المتصحرة، وقد يساعد ذلك على تقليص التصحُّر، تلك المشكلة التي باتت تقلق الاقتصاديين.

سادسًا: الإشراف على الأوقاف وضبطها:

الوقف لغة: الحبس، ووقف الدار حبسها. ولا يقال إلا من شاذِّ اللغة. ويقال: حبستُ وأحبستُ، وبه جاء الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر؛ حيث قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ فقال: «إن شئتَ حبستَ أصلَها وتصدقتَ بها، غير أن لا يُباع أصلُها، ولا يُبتاع، ولا يُوهَب، ولا يُورَّث». قال: فتصدَّق بها عمر في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقًا بالمعروف غير متأثِّل فيه أو متموِّل. [البيهقي: السنن الكبرى، 6/263 – سنن النسائي، كتاب الأحباس، ص 612]

الوقف اصطلاحًا: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، ويسمى الشخص الذي حبس العين: واقفًا، ويسمى المال المحبوس: العين المحبوسة، ويتم وقف المال تحت أنواع مختلفة، منها: الوقف الذُّري (الأهلي) والوقف الخيري، ووقف السبيل. والواقف هو الحابس لعينه، إما على ملكه أو على مِلك الله تعالى.

وجاء في (المغني) لابن قدامة: «وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف. قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف» [ابن قدامة: المغني، 6/185].

وإذا وقف المسلم شيئًا للمسلمين (أي وقفًا مطلقًا) يجوز له الانتفاع به؛ لأنه يدخل في جملة المسلمين، مثل أن يقف مسجدًا فله أن يصلي فيه، أو بئرًا فله أن يستقي منها، وهذا يدخل في الملكية العامة. أما إذا وقف على قوم معينين مثل أولاده، أو ذريته، فيبقى الوقف محصورًا في هؤلاء.

أما عن الجهة التي تنظر في الوقف، فهي الواقف ابتداءً، أو من يعيِّنه الواقف، إذا كان الوقف غير مطلق، أي للأبناء، والأقارب، أو الذرية. وتحدد الجهة التي تنظر في الوقف إمكانية انتقال الملك بعد الوفاة «إلى الموقوف عليه، أو إلى الله تعالى، فإن قلنا للموقوف عليه، فالنظر فيه إليه لأنه ملَّكه عينه ونفعه. وإن قلنا هو لله، فالحاكم ينوب فيه، ويصرفه إلى مصارفه؛ لأنه مال الله؛ فكان النظر فيه إلى حاكم المسلمين، كالوقف على المساكين. وأما الوقف على المساكين، والمساجد، ونحوها،  أو على من لا يمكن حصرهم واستيعابهم، فالنظر فيه إلى الحاكم؛ لأنه ليس له مالك متعين ينظر فيه، وله أن يستنيب فيه؛ لأن الحاكم لا يمكنه تولي النظر بعينه» [ابن قدامة: المغني، 6/243].

ومن هذا يتبين أن ابن قدامة يرى أن الحاكم (الخليفة) هو صاحب النظر في الوقف على المساكين، والمساجد، ومن لا يمكن حصرهم واستيعابهم من الناس؛ لأنه ليس له مالك متعين ينظر فيه. فالدولة مسؤولة عن الحق العام، والمال العام. والملكية العامة تقع ضمن هذا الإطار. روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تبارك وتعالى جعلني له خازنًا وقاسمًا» [ابن الجوزي: تاريخ عمر بن الخطاب، ص87].

فدولة الخلافة نائبة عن الجماعة، أو ممثلة لهم، مقامها مقام الخازن، والمنفق، والراعي. وهي أيضًا حامية للملكيات بأنواعها المختلفة من أن تطغى إحدى هذه الملكيات على الملكيات الأخرى، فلا تسمح الدولة أن يتملك الفرد ما كان للجماعة، أو أن تتملك الدولة ما كان للأفراد إلا ضمن شروط، وبعد دفع ثمن المثل، وذلك مثل ضرورة شق طريق، أو إنشاء مرفق عام للجماعة. أي أن احترام الملكيات الفردية والعامة، وملكية الدولة واجب على دولة الخلافة، إلا في حالات استثنائية أجازها الشرع بعد دفع تعويض مالي في حالة نقل ملكية إلى أخرى.

وتقيم الدولة من المال العام بعض المشروعات الضخمة التي يعجز عنها الأفراد، أو يحجمون عنها. فمن الطبيعي أن يحجم الأفراد عن بعض المشروعات التي تتطلب رؤوس أموال ضخمة، وفي هذه الحالة لا مفر لدولة الخلافة من إقامة هذه المشروعات، أو الانفاق عليها، وإدارتها لكونها مسؤولة عن رعاية الناس رعاية شاملة، وتأمين المرافق الحيوية لهم. فدولة الخلافة تقود التنمية، وتصحح المسار للنشاط الاقتصادي، وتسهِّل الانتفاع بالمرافق العامة بجعلها أكثر يسرًا للانتفاع، وأكثر مطابقة للشروط الصحية، مثل: تنقية الماء، وتحلية مياه البحر، ومراقبة تلوُّث البيئة، وما شابه ذلك.

ومن أبرز الأعمال التي يحجم عنها الأفراد: الصناعات الثقيلة، وسكك الحديد، وشق الطرق، وبناء المطارات، وإقامة الجسور، والأنفاق الضخمة… ويأتي دور دولة الخلافة هنا لملء فراغ، وتحمل مسؤولية، وهي الأجدر بهذا.

 

شاهد أيضاً

w1_368

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (368)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (368)  رمضان 1438هـ – حزيران 2017م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *