العدد 370 -

السنة الثانية والثلاثون، ذو القعدة 1438هـ، الموافق آب 2017م

مناسك الحج: ذكرى وتذكرة

مناسك الحج: ذكرى وتذكرة

 

حمد طبيب – بيت المقدس

الحمد لله رب العالمين القائل: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ 96 فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ 97 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) آل عمران98. والصلاة والسلام على المبعوث هداية ورحمة للناس أجمعين، القائل: “من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه” رواه البخاري. كم هي عظيمة شعيرة الحج هذه عند الله حتى جعل أجرها هذا الأجر، والصلاة الواحدة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف صلاة في غيره…

إن حجاج بيت الله الحرام غالبًا ما يسألون عن المناسك المكانية وأحكامها العملية؛ من إحرام، وطواف، وسعي، ووقوف بعرفة ومزدلفة ومِنى، وغير ذلك… ولكن قليلًا من الحجاج من يتذكر أو يسأل عن المناسك من الناحية التربوية؛ أي من ناحية الدروس والعبر المستفادة من أداء هذه المناسك العظيمة. وفي هذا الموضوع، سنحاول الوقوف عند بعض المناسك؛ من هذه الناحية لنستخلص منها الدروس؛ لأن الله عز وجل أراد لنا أن نؤدي هذه الطاعة على أكمل وجه؛ ومن ذلك فهم معانيها ومراميها والدروس المستفادة منها.

وقبل أن نذكر الدروس والعبر المستفادة من هذا النسك العظيم نقول: إن الله عز وجل قد فرض العبادة لتقوية الصلة به سبحانه وتعالى، ولتحصيل التقوى في نفوس المسلمين، وبالتالي تقوية التزامهم بأوامر الله ونواهيه. قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج 32، أي إن من يؤدي المناسك تعظيمًا وإجلالًا لله عز وجل؛ فإنه سبحانه ينير قلبه بالإيمان والتقوى… وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة 183، أي إن الحكمة من الصيام هو تحصيل التقوى في نفسية الصائم، وليس لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، فمن أدَّى الصيام بحقه وحقيقته؛ بأن كان دافعًا له لعمل الصالحات وزاجرًا عن ارتكاب الموبقات فقد آتى هذا الصيام ثمرته في تحصيل التقوى؛ وإلا كان امتناعًا عن الطعام والشراب، ليس لله فيه حاجة. وقال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت 45. والمعنى أن الصلاة الصحيحة الصادقة مع الله تنهى صاحبها عن الموبقات والمعاصي، وتأمره بفعل المعروف والخير، وإذا لم تكن كذلك فلا خير فيها. قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: “رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب”. رواه الإمام النسائي في سننه. وجاء في حديث له عليه الصلاة والسلام في وصف من يخرجون عن تعاليم الدين الصحيحة: “يأتي في آخر الزمان قوم  يقرؤون القرآن، لا يتجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّة… “ إلى آخر الحديث، والإمام مالك رحمه الله يقول: “رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه؛ ألا ترى أنه يقرأ ألا لعنة الله على الظالمين وهو منهم، ألا لعنة الله على الكافرين وهو منهم“.

فالله سبحانه ليس بحاجة إلى عبادة العباد؛ فهو ليس بحاجة إلى صلاتهم ولا صيامهم ولا حجهم ولا صدقتهم؛ لأن الله عز وجل غني عن العالمين. فالعبادة هي ابتداءً للمسلم كي تقوي صلته بخالقه جل جلاله، قال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لقمان12، وقال جل من قائل: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) الحج 97، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسيّ: “ يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا” رواه مسلم .

والحج هو من العبادات البدنية، وقد تشترك معها الناحية المالية. وهي قربى وصلة، وتحصيل للتقوى، وتقوية للالتزام بأحكام هذا الدين… ولا يكون ذلك إلا بفهم معانيها، وإدراك العبر المستفادة منها، وإخلاص النية لله سبحانه دون سواه…

ومن هذه الدروس والعبر والمعاني الروحية السامية في هذه الشعيرة السامية العظيمة:

1- إن العزم والقصد لفريضة الحج لطاعة الله عزَّ وجلَّ بالنفس والمال، يُعلِّم المسلم معنى التضحية بالمال والنفس في سبيل الله عز وجل؛ وذلك عندما يترك أهله وماله ووطنه وأقرباءه، ويتفرغ لعبادة الله عز وجل طيلة فترة الحج..

2- القصد إلى فريضة الحج (بالمال والنفس)، يعلِّم المسلم الإقلاع عن المعصية إلى غير رجعة، ويذكر النفس بمعاني التوبة النصوح، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وفي الوقت نفسه بأن هذه الرحلة عهد مع الله على عدم العودة إلى معصيتة أبدًا بعد اليوم…

3- الإحرام يذكر المسلم بالاستعداد للموت في أية لحظة حين يلبس ملابس الموت (الكفن). فما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت؛ لذلك يجب أن يكون المسلم مستعدًا استعداد من يلبس ملابس الإحرام تشبهًا بمن يلبس ملابس الموت…

4- ملابس الإحرام تذكر المسلم بالتجرد من كل زينة الدنيا عند لقاء الله عز وجل، وتذكره كذلك بالتساوي مع جميع الناس في هذا الأمر؛ فلا فرق بين ملك ولا وزير ولا فقير…

5- دخول مكة المكرمة يذكر المسلم ابتداء بهذا البلد العظيم الذي منه بدأت الدعوة، ومنه بدأ الوحي، وفيه تحملَ صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أشد أنواع الأذى في سبيل هذا الدين حتى وصلنا وصرنا مسلمين والحمد لله… فيتذكر المسلم الحاج أنه يحمل هذا الدين كما حمله الصحابة الأولون وللغاية نفسها، وهي إقامة الدين في الأرض، أي أن يكون الإسلام هو الحاكم في الأرض…

6- عند رؤية البيت الحرام تجول في خاطر المسلم عدة معانٍ منها: البيت المعمور في السماء، وتشبه العباد في الأرض بالعباد في السماء (الملائكة) وهي تطوف لا تكل ولا تمل، تصل الليل بالنهار؛ فيتذكر المسلم أنه عبد لله على الدوام تشبهًا بملائكة البيت المعمور، ويتذكر المسلم أن الملائكة لا تعصي لله أمرًا ولا نهيًا، وهو يتشبه بعبادتها؛ فيعزم في نفسه على عدم العودة إلى معصية الله، ويتذكر هذا طوال حياته بعد هذا النسك… ويتذكر وهو يطوف أن كل أمر يبدأ وينتهي، وهكذا رحلة الحياة لا بد وأن تنتهي كما بدأت، وكما بدأ شوط الطواف من الحجر الأسود وانتهى إليه…

7- ما يقوله المسلم من كلمات التلبية وأدعية الاستغفار؛ فيها معانٍ عظيمة وكبيرة؛ حيث يسترجع المسلم في معاني التلبية أمر رب العزة لإبراهيم عليه السلام: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ 27 لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ 28 ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الحج 29. فقال إبراهيم عليه السلام: من يسمعني يا رب؟!، فقال رب العزة: يسمعك كل من على الأرض، ويسمعك الأجنة في الأرحام، ويسمعك كل البشر في أصلاب الرجال إلى يوم القيامة؛ فأذَّن إبراهيم عليه السلام، فسمعه كل البشر، وما زالوا يرددون دعوته وأذانه… والتكبير أيضًا تذكير بعظمة الخالق وسلطانه العظيم فوق العالمين، وأنه قاهر فوق عباده جميعًا؛ فيتذكر المسلم أنه مرتبط برب عظيم، ويسند ظهره إلى قوة عظيمة قادرة على كل شيء… والاستغفار والحمد والشكر كلها تذكر المسلم بمعاني التوبة والطاعة، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي، وتذكر المسلم كذلك بحاجته إلى عطف الله ورحمته على الدوام…

8-  الحجر الأسود في الكعبة يذكر المسلم بقصة الحجر الأسود من عدة معانٍ، منها: الصفات العظيمة التي تحلى بها رسول هذه الأمة بين أهل مكة عندما حكّموه بوضع الحجر في مكانه… ويتذكر المسلم كيف أن الذنوب تسوِّد القلب تمامًا كما سوَّدت الحجر الأسعد؛ حيث كان يسمى بالأسعد قبل أن تسوِّده ذنوب العباد. فهذا الحجر كان أبيض مثل الثلج عندما نزل من الجنة… ويتذكر المسلم عند استلام الحجر وتقبيله مقولة الإمام عمر رضي الله عنه: “إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع. ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك” وفي هذا درس في مطلق الطاعة لله عز وجل ولرسوله عليه الصلاة والسلام…

9- يتذكر المسلم عدد السبعة في الطواف أن أعمار أمة محمد هي بين الستين والسبعين، وقليل من يزيد كما ورد في الحديث (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك) رواه الحاكم في المستدرك… فكل شوط من هذه الأشواط يذكره ببداية ونهاية لهذه السبعة من العقود، ثم ينتهي مطاف الإنسان بالدنيا كما ينتهي طوافه بالبيت…

10- يتذكر المسلم وهو عند البيت أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، قد رفعا بيتًا بنته الملائكة؛ فرفعوا بذلك دعوة التوحيد لله عز وجل… وأن هذه الدعوة هي أساس كل الرسالات، وخُتمت برسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم… وأن إبراهيم أبو الأنبياء جميعًا قد بشر؛ بأن رسول الله هو خاتم الأنبياء، وأن رسالته هي رسالة لليهود والنصارى ولجميع الخلق؛ فيتذكر المسلم أن هذه الرسالة هي التي يجب أن تسود وجه الأرض على كل الأديان والمبادئ، وهذا لا يكون إلا بحكم الإسلام ودولة الإسلام التي تحمل هذا الدين رسالة خير وهدى إلى كل الشعوب…

11- السعي بين الصفا والمروة يذكّر المسلم بعلاقة الوالد بولده وخاصة الأم، وبالتالي علاقة الولد بأمه وأبيه… كيف إن هاجرَ عليها السلام كانت تجري بين الصفا والمرة، حتى منّ الله عليها بالفرج بتفجر ماء زمزم… وفي هذا معانٍ عظيمة منها: إن الله سبحانه هو الذي يفرج الكربات في أعسر الظروف وأشدها على المسلم، ويذكر المسلم كم هو حرص الأم على ولدها وخوفها من أن يناله مكروه؛ وفي هذا تذكرةٌ ببرّ الوالدين… ويعلمنا أيضًا أن مع الرجاء والدعاء بالفرج يجب أن يكون هناك سعي، وأن السعي مع إرادة الله وقدرته يولد الفرج، وليس القعود والدعاء… فهاجرُ عليها السلام كانت تسعى وتدعو الله عز وجل بالفرج…

12- ماء زمزم والشرب منه فيه تذكرة بمعنى النعمة، وأن هذه النعمة هي منةٌ من الله، وليس باجتهاد الإنسان؛ وإن كان اجتهاده مطلوبًا بل فرض؛ لكن الفرج والنعمة والمنّة هي من الله، وليست باجتهاد الناس ولا قدرتهم ولا قوتهم المادية، وأن هذا الفرج يأتي عندما تنقطع كل أسباب الأرض، ويرفع الإنسان بصره إلى السماء. فهاجرُ عليها السلام قد انقطع رجاؤها من الأرض؛ ولكنه لم ينقطع من السماء… وكذلك يأتي الفرج والنصر من الله بعد اليأس من أسباب الأرض وشدة الكرب وشدة الأذى لحملة الإسلام وتكالب الظالمين عليهم في كل الأرض، كما هو حالهم اليوم في (الحرب على الإرهاب)، أي الحرب على الإسلام الحق المخلص الصادق. قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) إبراهيم  110

13- الوقوف بعرفة فيه أكثر من معنى عظيم، وأبرز هذه المعاني: تذكر المحشر والمنشر، وعرصات الموقف والحشر في صعيد واحد، ينتظر فيه البشر المصير… أيضًا هذا الموقف العظيم يذكر المسلم بوحدة هذه الأمة العظيمة (أمة الإسلام) يذكرها بقوله تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) المؤمنون 52، وبقول رسوله عليه الصلاة والسلام في موادعة المدينة: “هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم...إنهم أمة واحدة من دون الناس” سيرة ابن هشام. فقد اجتمعت هذه الأمة في عرفة، رغم اختلاف بلادها وألوانها وأعراقها وألسنتها، في صعيد واحد، يرددون كلامًا واحدًا ويتوجهون لإله واحد (هو الله لا اله إلا هو وحده لا شريك له) وفي هذا تذكير بأن هذه الأمة يجب أن تكون واحدة؛ تحت راية واحدة، في ظل دولة واحدة يحكمها حاكم واحد، هو الخليفة، وأن ألوان الفرقة هذه الموجودة في الحدود والسدود، وتعدد الدول إنما هي صنيعة الاستعمار، ولم تكن أبدًا من شريعة هذه الأمة ولا من صفاتها؛ فيتذكر المسلم وهو في عرفة أن عليه واجبًا عظيمًا، هو العمل لوحدة هذه الأمة بالعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الإسلام…

14- بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، يذهب المسلم إلى رمي جمرة العقبة الكبرى، وفي هذا تذكرة للمسلم أنه عدو لشياطين الإنس والجن، وأن شياطين الإنس والجن أعداء له، لا يلتقيان في طريق، وأن الواجب هو إعلان الحرب على الشر والمنكر في كل وقت، تمامًا كما أعلن إبراهيم عليه السلام الحرب على الشيطان عندما وسوس له وراوده بعدم ذبح ولده، وكان عليه السلام يقابله في كل مرة بالرجم وإعلان الحرب عليه… وهكذا يجب أن يكون المسلم دائمًا في أي موقف فيه وسوسة من الشيطان، ومراودة عن فعل أمر الله عز وجل…

أسفل النموذج

فيتذكر معنى الاتباع لدين الله وإعلان الحرب على من سواه، إعلان الحرب على كل الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وعدم طاعتهم في منكراتهم… يتذكر أنه يعلن الحرب على الشيطان وعلى أوليائه من الإنس، ويعلن الولاء لله ولأولياء الله؛ وذلك مصداقًا لقوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 31 قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ 32 إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ 33 ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 34) آل عمران، ويتذكر قوله عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين” رواه مسلم. فيجب على المسلم أن ينابذ كل شر، وكل انحراف حتى وإن اضطر أحيانًا إلى استخدام القوة؛ إذا أجاز الشرع استخدامها في مواطن معينة…

15-  في قصة الفداء، يتذكر المسلم رحمة الله ومنته على عباده، وكيف لو بقيت سنة الذبح بين الناس؛ فالله سبحانه رحيم بخلقه وعباده، قال تعالى: (… إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) الحج 65، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم :“أترون هذه طارحة ولدها في النار؟” قلنا : لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: “لله أرحم بعباده من هذه بولدها”. وفي هذا تذكير بالرحمة العظيمة التي غمرنا بها سبحانه وتعالى…

16-  الذبح في يوم العيد فيه تذكرة بأن الصدقة تطفئ الخطيئة، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: “الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ” رواه الإمام الترمذي في سننه، وتسد خلل التقصير والقصور الحاصل بين العباد… وفيه تذكير كذلك بأن الإسلام يعلِّم العطاء ورعاية الفقراء والإطعام والصدقة… ويعلِّم نسك الحج كيف يمارس المسلم الإطعام والصدقة عمليًا، قال تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) الحج 28.

17- عندما يحلق المسلم بالتحلل يتذكر معنى الذل والانكسار أمام الخالق جل جلاله، وأن الطاعة في كل شيء حتى في حلق الرأس وتقليم الأظافر وغير ذلك من الفطرة…

18- المبيت بمنى تصميم ومرابطة على محاربة الشر، والمبيت انتظارًا لهذا الأمر، وهو إعلان الحرب على الشيطان لثلاثة أيام على التوالي؛ ففي هذا تذكير لمعنى المرابطة والتصميم ومواصلة الحرب على كل أنواع الفساد والشر والظلم بما في ذلك مظالم الحكام وشرورهم، وتعليم للمسلم كذلك في المواظبة والمصابرة على الحق في حمل الإسلام والدعوة إليه لتطبيق شرع الله في الأرض…

19- طواف الوداع فيه تذكير بأن آخر عهد المسلم بهذه الرحلة هو طاعة، وأن آخر عهده بالدنيا كذلك طاعة، ويحرص كل الحرص على أن تكون خاتمته في الدنيا طاعة لله، تمامًا كما كانت خاتمته بالبيت طاعة لله عز وجل…

20- يتذكر المسلم  بعد كل المناسك والفراغ من الحج قوله تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ) البقرة 200، فيتذكر دائمًا أن الله ورسوله هو أحب إليه من كل شيء، ويتذكر الطاعة كما يتذكر والده وولده، بل أشد ذكرًا .. ويتذكر أنه دائمًا بحاجة إلى القربة والحسنات فيقبل على الله دائمًا بالطاعات والقربات… 

في رحلة المدينة: رحلة المدينة، وإن لم تكن من المناسك، فإن المسلم يتذكر فيها أمورًا عظيمة منها: المؤاخاة التي حصلت في هذا المكان العظيم بين الأوس والخزرج، واجتماعهم على هدف سام عظيم هو إقامة صرح الإسلام العظيم (دولة الإسلام)… ويتذكر المسلم أيضًا أن أول دولة في الأرض قد قامت في هذا المكان، وانتشر منها النور والضياء إلى كل أنحاء الأرض… يتذكر المسلم عند زيارة المسجد النبوي أمورًا عظامًا منها: قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنهما قادة المسيرة نحو الخير بهذا الدين العظيم، وهما أول من أسس هذا البنيان العظيم… ويتذكر الروضة الشريفة وتزاحم المسلمين للصلاة فيها، ما يشير إلى تزاحمهم على الجنة نفسها… ويتذكر إكرام الله لرسوله بجعل الصلاة في المسجد النبوي كألف صلاة من صلواته العادية… ويتذكر كذلك المسجد الأقصى المبارك قرين المسجدين، وما حل به وواجب أمة الإسلام تجاهه… ويتذكر أهل الأقصى وما أصابهم وما حل بهم بسبب شرور يهود… ويتذكر كذلك المسلم المعارك الفاصلة والتضحيات العظيمة في معركة بدر وأحد والخندق وغيرها…

وفي الختام نقول: إن هذه الأمة ستعود كما كانت، وكما أراد لها ربها عز وجل أمة واحدة من دون الناس. وإن هذه القوى الشريرة لن تمنع وحدتها ولا نهضتها… فكما اجتمعت في المناسك أمة واحدة ستجتمع في دولة الإسلام (أمة واحدة) تحت راية واحدة، في ظل دولة واحدة، يحكمها خليفة واحد… أما الحرب عليها لثنيها، فإن الله عز وجل كفيل بإبطالها وهزيمتها؛ تمامًا كما هزم الأحزاب من قبل، وكما هزم فارس والروم وكما هزم الصليبيين… وسيرفع علم الإسلام قريبًا فوق الفاتيكان، كما بشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال عندما سئل: (أي المدينتين تفتح أولاً، قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولاً، يعني قسطنطينية) رواه الإمام أحمد في مسنده

وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار كما بشر بذلك أيضًا؛ حيث قال: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر” رواه الحاكم وصححه، وسيظهر هذا الدين على الدين كله، كما وعد بذلك رب العزة جل جلاله مصداقًا لقول الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ 32 هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ33) التوبة 33.

نسأله تعالى أن يتقبل من الحجاج جميعًا طاعاتهم، وأن يكون حجهم حجًا مبرورًا، وسعيهم سعيًا مشكورًا وتجارتهم لن تبور بإذنه تعالى، كما نسأله تعالى أن يمنَّ على الأمة جميعًا بوحدة قريبة في ظل دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؛ ترفع راية الجهاد، وتعيد للأمة عزتها ومكانتها وكرامتها.آمين يا رب العالمين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *