العدد 364 - السنة الواحدة والثلاثين العدد 364 -جمادى الأولى 1438هـ – شباط 2017م

مع القرآن الكريم

( سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ
عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ
مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢ وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا
جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ
مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ
هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ
بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٤٣ قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ
ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ
ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ
بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٤٤ وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ
بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ
وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ
بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥)

جاء في كتاب التيسير في أصول التفسير لمؤلفه

عطاء بن خليل أبو الرشته

أمير حزب التحرير حفظه الله في تفسيره لهذه الآيات ما يلي:

يتبين من هذه الآيات البينات ما يلي:

  1. يبدو أن في هذه الآيات تقديمًا وتأخيرًا في النزول، فإن الآية ( سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ ) هي بعد الآية (قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ) فقد ولّى الله رسوله شطر المسجد الحرام، ثم بعد ذلك قال: ( سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ

    عَلَيۡهَاۚ).

ولقد كانت الآيات تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كتبة الوحي أن يكتبوها، ويبين للمسلمين موضعها من حيث ترتيبها مع غيرها من الآيات في سورتها، فيقول صلى الله عليه وسلم: «ضعوا هذه الآية في مكان كذا من سورة كذا»[1] وقد يكون ترتيبها في السورة بحسب ترتيبها في النزول أو مغايرًا له لحكمة يريدها الله سبحانه.

وهذا واضح في بعض الآيات من القرآن الكريم، فإن الآية ( وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم ) البقرة/آية240 هي من حيث النزول قبل الآية ( وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ) البقرة/آية234 والآية الأولى منسوخة بالآية الثانية علمًا بأن ترتيب الثانية في المصحف قبل الأولى أي أن ترتيبها في المصحف عكس ترتيبها في النزول.

وهكذا بالنسبة للآية الكريمة ( سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ
عَلَيۡهَاۚ) ومعنى الآية يقتضي أن يكون هذا القول بعد أن ولاهم الله سبحانه عن قبلتهم التي كانوا عليها أي بعد الآية ( قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ  فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ).

ولأن التقديم والتأخير لا يخلو من غرض حكيم مناسب حسب لغة العرب، فإننا بالتدقيق في ذلك نرجح أن التقديم كان لإبراز واقع أولئك السفهاء الذين يعترضون على حكم الله، فإن المؤمنين الصادقين المخلصين يتلقون أوامر الله بالقبول دون أدنى اعتراض ( وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ) الأحزاب/آية36.

ولذلك فإن الله سبحانه يبين في هذه الآيات مدى السفه الذي يقع فيه أولئك الناس الذين يعترضون على أمر الله في تحويل القبلة من جهةٍ إلى جهةٍ، وأن القضية التي يجب الوقوف عندها ليست هي أنْ ينسخ الله أمرًا أو يأتي بأمرٍ آخرٍ، بل القضية التي يوقف عندها هي الاعتراض على أمر الله سبحانه، أما التحويل من وجهةٍ إلى وجهةٍ فهو واقع في ملكوت الله، والله سبحانه هو المالك للمشرق والمغرب يضع في ملكه ما يشاء، فإذا جعل القبلة إلى هذه الجهة أو تلك فالأمر في كلّ ذلك له سبحانه ( لَا يُسۡ‍َٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡ‍َٔلُونَ ٢٣ ) الأنبياء/آية23.

فأمر الله سبحانه هو الحق وهو الهدى ومن تبعه فقد اهتدى ( يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ). ومن اعترض على أمر الله وتقوّل عليه الأقاويل فهو السفيه الذي خفّ عقله وطار لبه وكان من الهالكين.

( ٱلسُّفَهَآءُ ) جمع سفيه وهو الجهول خفيف العقل المعرض عن التدبر، وأصل (السفه) الخفة من قولهم ثوب سفيه أي خفيف النسج، والسفهاء هنا محلّى بالألف واللام فهو عام في كلّ من قال ذلك القول ( مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ). والقائلون، السفهاء، هنا هم اليهود والمنافقون والمشركون ومن دخل في عدادهم.

( مَا وَلَّىٰهُمۡ  ) أي ما صرفهم؟

( عَن قِبۡلَتِهِمُ ) القبلة فِعْلَة من المقابلة كالوجهة من المواجهة، وقد أصبح لها معنىً شرعي وهو الجهة التي يستقبلها المسلم في الصلاة.

  1. ثم يخبرنا الله سبحانه أن الأمر له من قبل ومن بعد لا رادّ لحكمه وأنه سبحانه صاحـب الفضل والمنة، فكما منّ على المسلمين بأن استجاب لرسوله صلى الله عليه وسلموجعل قبلتهم (البيت الحرام) كذلك فإنه سبحانه تفضل على أمة محمّد صلى الله عليه وسلمبأن جعلها أمةً وسطًا بين الأمم، لتكون شاهدةً على الناس، فجعلها الله سبحانه بهذا الوصف (الأمة الوسط) أي الأمة العدل لتكون مؤهلة للشهادة على الناس حيث أن العدالة هي الشرط الأساس للشهادة.

(الوسط) في كلام العرب الخيار والخيار من الناس عدولهم.

جاء في لسان العرب: إن أوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه ومنه الحديث «خيار الأمور أوسطها»[2].

وجاء فيه كذلك في معنى قوله سبحانه ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا ) أي عدلًا، ويضيف صاحب اللسان قائلًا: فهذا تفسير الوسط وحقيقة معناه.

وعليه يكون معنى الآية أن الأمة الإسلامية ستكون شاهدَ عدلٍ على الأمم الأخرى على أنها بَلَّغَتْهُم الإسلام، والآية وإن جاءت بصيغة الإخبار إلاّ إنها في معنى الطلـب من الله سـبحـانه للأمـة الإسـلامية أن تُبَلِّغَ الإسلام لغيرها من الأمم وإن لم تفعل أثمت فهي حجة على الأمم الأخرى (لِّتَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ) كما أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم حجة على الأمة الإسلامية بسبب تبليغه إياها الإسلام ( وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ  ).

هذا من وجه أن الأمة الإسلامية شاهدُ عدلٍ على الأمم الأخرى بعد الإسلام من حيث تبليغها الإسلام لتلك الأمم. ومن وجه آخر فهي شاهدُ عدلٍ على الأمم الأخرى قبل الإسلام من حيث تبليغ الرسل السابقين رسالات ربهم لأقوامهم كما جاء في الحديث: «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي معه الرجلان وأكثر من ذلك فيُدعَى قومه فيقال لهم هل بلَّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلَّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال له: ومن يشهد لك؟ فيقول: محمّدٌ وأمته. فيُدعى محمّد وأمته فيقـال لهم: هل بلَّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيُقال: وما علمكم؟ فيقـولون: جاءنا نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلَّغوا فذلك قوله تعالى: ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ)».

فالأمة الإسلامية شاهدُ عدلٍ: على الأمم الأخرى بعد الإسلام، وقبل الإسلام، على النحو الذي بيناه.

كذلك يخبرنا الله سـبحـانـه أن الحكمـة مـن فـرض القـبـلة الأولى على المسلمين – وهي التوجه إلى المسجد الأقصى – هي أن يتميز الطائعون لله ورسوله والذين استسلموا لأمره وانقادوا له سبحانه فيتجهوا في قبلتهم حيث أمرهم الله، يتمبز هؤلاء من أولئك الذين يثقل عليهم اتباع أمر الله وأمر رسوله وإنْ خالف عادةً أَلِفوها أو هوىً في أنفسهم صاحبوه. فإنَّ الله سبحانه قد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتوجه في صلاته وهو في مكة إلى المسجد الأقصى فكان هذا ثقيلًا – إلا على الذين هدى الله – أن يتوجهوا إلى الأقصى وينصرفوا عن الكعبة التي بين ظهرانيهم فقد كانوا يُعَظِّمونها ويحجون إليها ويعتبرونها على دين إبراهيم – عليه السلام – وكان التوجه إلى الأقصى في الصلاة بدلًا منها كبيرًا عليهم، ولكن الذين هدى الله وانقادوا لله سبحانه توجهوا إلى الأقصى طائعين مستسلمين لأمر ربهم رضي الله عنهم ورضوا عنه.

ثم إن الله سبحانه، رأفة منه ورحمة بالمؤمنين، قد تقبل منهم صلاتهم إلى الأقصى قبل أن تتحول القبلة إلى مكة، فقد كان المسلمون يخشون أن تكون صلاتهم إلى القبلة الأولى غير مقبولة كصلاتهم إلى قبلتهم الثانية – الكعبة – فأكرمهم الله بقبولها وتفضل عليهم بعدم ضياعها ( إِنَّ ٱللَّهَ
بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ).

( إِلَّا لِنَعۡلَمَ ) إلا لينكشف ما نعلم، أي يظهر ما نعلمه في الغيب إلى الواقع المحسوس لديكم وهذه بقرينة أن الله سبحانه ( عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ )، فلا يتوقف علم الله سبحانه لشيء ما على ظهور هذا الشيء للناس، لأن الله يعلمه قبل وقوعه وظهوره للناس، على نحو قوله سبحانه ( أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٢) آل عمران/آية142 أي حتى ينكشف لكم ما يعلمه الله من حالكم في الجهاد وفي الصبر.

وبالتالي يكون معنى ( لِنَعۡلَمَ ) أي (لنظهر ما نعلم) من باب المجاز (الإضمار) وهي دلالة اقتضاء لصحة وقوع الملفوظ به عقلًا بقرينة علم الله للغيب.

( مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ ) أي يرتد عن الإسلام إلْفًا لِقِبْلَة آبائه و( من ) هذه للفصل، وهي الداخلة على ثاني المتضادين، على نحو قوله تعالى: ( وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ
ٱلۡمُصۡلِحِۚ ) البقرة/آية220، فالمصلح ضد المفسد. وهي هنا كذلك، فالآية ( إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ ) فقد دخلت على (من ينقلب على عقبيه) وهذه ضد (من يتبع الرسول).

( لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ ) أي لا يقبل صلاتكم بالقبلة الأولى قبل نسخها، وهو استدلال مجازي لأنَّ الإيمان سبب في قبول الصلاة فإنَّ لم يوجد إيمان لا تقبل الصلاة حتى لو أديت حركاتها كاملة، فالإيمان يسبق العمل ( إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧ ) البقرة/آية277.

ففي الحديث «أنه لما وجِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة – الكعبة – قالوا: يا رسول الله فكيف بالذين ماتوا وهم يُصَلون إلى بيت المقدس؟ فنزلت ( وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ )»[3]. أي أن صلاتهم تلك مقبولة فضلًا من الله ورحمة.

  1. يبين الله سبحانه أنه استجاب لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأن يوجهه إلى قبلة أخرى غير المسجد الأقصى، فقد كان اليهود يقولون: يخالفنا محمّد ويتبع قبلتنا! فكان يحب صلى الله عليه وسلمأن يوجهه الله إلى الكعبة البيت الذي بناه إبراهيم – عليه السلام – حيث إنه أدعى للعرب للإيمان. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن البراء قال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلمبعد قدومه المدينة ستةَ عشرَ شهرًا نحو بيت المقدس، ثم علم الله هوى نبيه صلى الله عليه وسلم فنزلت ( قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ)»[4] فحوِّلت القبلة إلى البيت الحرام، وبعد نزول هذه الآية ترك المسلمون الصلاة باتجاه بيت المقدس وأصبحت الصلاة باتجاه البيت الحرام. ولقد روى أبو داود عن أنس t: «أنه لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ رجل ببني سلمة فناداهم وهم ركوعٌ في صلاة الفجر نحو بيت المقدس: ألا إن القبلة قد حوِّلت إلى الكعبة فمالوا كلهم ركوعا إلى الكعبة»[5].

يستنبط من ذلك دلالة خبر الواحد في الأحكام الشرعية ولا يقال إن هذا نسخ بخبر الواحد للقبلة الأولى، فإن القبلة الأولى نسخت بالآية الكريمة ( قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ ) وإنما الذي حدث أن تبليغ الحكم الشرعي لأولئك المصـلـين تمّ بخبر الواحد وهو واجب الاتباع على وجهه كما هو مبين في بابه في الأصول.

( شَطۡرَهُۥۗ) أي نحوه كما قال ابن عباس، وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. ولأن المسجد الحرام يشمل الكعبة، وكذلك فهو يطلق على مكة، على نحو قوله سبحانه: سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ) والرسول B أسري به من مكة وليس من داخل المسجد[6]. ويستفاد منه أن البيت الحرام – الكعبة – قبلة لمن يشاهدونها ويعرفون جهة عينها. وجهة المسجد الحرام تكفي قبلةً لساكني منطقة الحرم، الذين لا يشاهدون الكعبة، ولكنهم يعرفون جهة المسجد الحرام، وهكذا لكل من يعرف جهته كالرسول B بالوحي، حتى وإن لم يكن ساكنًا منطقة الحرم. وجهة البلد الحرام – مكة – تكفي قبلةً لباقي الأمصار.

( قَدۡ نَرَىٰ ) أي رأينا فإن «قد» عندما تدخل على المضارع تقلبه ماضيًا ما دام متعلقًا بحدث ماضٍ أو شبه ماضٍ، وبالتالي يفيد التحقيق كما لو جاء بعده فعل ماضٍ على نحو قوله سبحانه ( قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ ) النور/آية64 أي علم، وقوله سبحانه ( وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ
أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ ) الحجر/آية97 أي علمت.

  1. إن الله سبحانه يخبرنا أن أحبار اليهود والنصارى يعلمون أن هذا التحول من القبلة الأولى إلى القبلة الثانية هو الحق وذلك لأنهم متيقنون أن محمدًا صلى الله عليه وسلمهو النبي المذكور في كتبهم وأنه يصلي إلى قبلتين، وبذلك فهم يدركون أن ما يتلوه عن ربه هو الحق الذي لا شكّ فيه.

ثم يختم الله سبحانه الآية بأنه يعلم ما يعملون لا يغفل عنه بل يحصيه عليهم، وأنَّ ما ينكرونه على رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء أكان التحويل إلى القبلة الجديدة أم غيرها سيحاسبهم الله عليه ويعاقبهم العقاب الذي يستحقونه فلا يغفل الله عن شيءٍ من أعمالهم ( وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ).

( ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ) هـم علمـاء أهل الكتاب – الأحبار والرهبان – بقرينة ( لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ ) والذين يعلمون – أي بدون تقليد – هم علماء أهل الكتاب الذين يقرءونه ويعلمون ما فيه.

  1. يبين الله سبحانه في الآية الأخيرة أن الأحبار والرهبان المشار إليهم في الآية السابقة لن يتبعوا قبلة المسلمين مهما كانت الحجة التي تقام عليهم لأنهم لم يخالفوا قبلة المسلمين لشبهةٍ تدفع بحجةٍ أو برهانٍ – فهم يعلمون هذا في كتبهم – ولكنهم لم يتبعوها لمحض العناد والمكابرة، ومثل هؤلاء لا تنفع معهم حجة. وهنا لا يرد السؤال: كيف آمن بعضهم؟ لأن الآية عن علماء أهل الكتاب في زمن الرسول صلى الله عليه وسلمالذين أنكروا عنادًا ومكابرةً ولم يؤمنوا رغم علمهم بأنه الحق، وهي لا تشمل غيرهم من عامة اليهود والنصارى ولم تنفِ عنهم احتمال إيمان بعضهم.

ثم إن الله سبحانه يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه لن يتبع قبلتهم حيث إنه صلى الله عليه وسلم على الحق، والحق الذي أنزل عليه لا يتبع أهواءهم، وفي الوقت نفسه فإن كلا منهم لن يتبع قبلة الآخر ويتمسك كلّ منهم بقبلته دون أدلةٍ واضحةٍ قاطعةٍ على ذلك فهو لن يغيرها مهما جيء له بدليلٍ.

وكذلك فإن الله يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم أنَّه إنْ اتبع أهواءهم باتّباع ملتهم بعد الحق الذي جاءه فإنه صلى الله عليه وسلم سيكون من الظالمين الذين يضعون الحق في غير موضعه.

( وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ) اللام هي الموطئة للقسم.

( مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ ) جواب للقسم السادّ مسدّ جواب الشرط، وذلك لأن القسم (لام القسم) مقدم على الشرط (إن) فيكون الجواب للقسم لا للشرط كما في اللغة وبخاصة وأن (فاء) الجزاء غير موجودة في الجواب.

( وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ  )  ( وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ ) النفي في هاتين أبلغ من النفي في ( مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ ) لأنها فعلية والاسمية أبلغ في النفي، وفي ذلك دلالة إشارة على إسلام نسبة من اليهود والنصارى منذ بعثته صلى الله عليه وسلم أكثر بكثير من ارتداد المسلمين إلى النصرانية واليهودية أو تنصر يهود أو تهود نصارى.

( وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم ) ( إِن) هنا هي إن الفرضية بقرينة انتفاء الاتباع فيما سبق في الآية ( وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ  ) لأن ( أَهۡوَآءَهُم ) هنا ما قالوه للرسول صلى الله عليه وسلم: عد إلى قبلتنا نؤمن بك ونتبعك مخادعة منهم – لعنهم الله تعالى -.

( إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ) فـ(إنَّ) هنا فَرَضِيّة لبيان مدى الظلم الكبير الذي يقع فيه المؤمن إن اتبع قبلة اليهود أو النصارى، فالمعنى: أنك يا محمّد – عليه الصلاة والسلام – ستقع في ظلم عظيم إذا فُرِض واتبعتَ قبلتهم بعد ما جاءكم من العلم، وذلك لبيان شدة الظلم في اتّباع قبلة اليهود والنصارى حيث إنَّ الحق هو في اتّباع القبلة التي بينها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وهي شطر المسجد الحرام.

( وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ) إفراد (القبلة) هنا مع أنها مثناة، فلليهود قبلة وللنصارى قبلة، ومع ذلك ترد (بتابع قبلتيهم) وذلك لأن قبلتيهم اشتركتا في كونهما باطلتين فصارت الاثنتان واحدةً وبخاصةٍ وأنه في هذا حُسْن مقابلة مع إفراد (قبلتك) في قوله سبحانه: ( مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ  ) التي سبقت ( وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ  ).

[1]           الترمذي: 3011، وقال: هذا حديث حسن صحيح، أحمد: 376، 468

[2]           البيهقي: 3/273، القرطبي: 2/154

[3]           البخاري: 40، أبو داوود: 4860، الترمذي: 2964، أحمد: 1/295، 304، تفسير الطبري: 2/12

[4]           البخاري: 384، 6711، مسلم: 821، تفسير الطبري: 2/3

[5]           أبو داوود في ناسخه، أحمد: 1/295، 304، الدر المنثور: 1/346

[6]           قال البيضاوي: وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأنه عليه السلام كان في المدينة والبعيد يكفيه مراعاة الجهة فإن استقبال عينها حرج عليه بخلاف القريب.

شاهد أيضاً

w361

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (361)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (361) صفر الخير 1438هـ – تشرين الثاني/نوفمبر 2016م  

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *