هل يُعدّ الانقلاب العسكريّ من أساليب أخذ الحكم في الإسلام؟ (1)
ساعتين مضت
المقالات
34 زيارة
بسّام فرحات – تونس
مِن تتبّع سيرة الرّسول ﷺ في مكّة والمراحل التي قطعها حتّى أقام دولته والأعمال البارزة التي كان يقوم بها في كلّ مرحلة، استنبط حزب التّحرير طريقته في السّير ـ مراحل وأعمالا ـ تأسّيا بما قام به سيّد المرسلين في المرحلة المكّية، بوصفها أحكاما شرعيّة واجبة الاتّباع كسائر الأحكام الثابتة بالسنّة المشرّفة.
وبناء على ذلك حدّد الحزب طريقة سيره بثلاث مراحل، أولاها: مرحلة التثقيف لإيجاد أشخاص مؤمنين بفكرته وطريقته ومشروعه يكونون نواة للكتلة الحزبيّة. ثانيتها: مرحلة التفاعل مع الأمّة لتحميلها الإسلام حتّى تتّخذه قضيّة لها وتعمل على إيجاده في الواقع. ثالثتها: مرحلة تسلّم الحكم وتطبيق الإسلام تطبيقا عامّا شاملا وحمله رسالة إلى العالمين.
بين الطّريقة والأسلوب
وباستنطاق أحداث السّيرة النبويّة اتّضح للحزب أنّ الرّسول ﷺ عندما مرّ بمثل تلك الوضعيّة العدميّة من الاضطهاد الوحشيّ في مكّة أخذ يضمّ إلى حمل الدّعوة عملا جديدا يتمثّل في طلب النّصرة من أهل القوّة والمنعة، وأنّه واظب عليه رغم ما لاقاه من عنت وصدّ إلى أن استجاب له الأنصار، بما يرقى بهذا العمل أصوليّا إلى مرتبة الكيفيّة الدائميّة للقيام بالفعل:
فباستقراء أدلّة إقامة الدولة يتّضح بجلاء أنّها أقيمت مرّة واحدة بطريقة طلب النّصرة في نهاية مرحلة التفاعل. لكن رغم أنّ الرّسول ﷺ طلب النّصرة تحديدا من أهل القوّة والمنعة والشّوكة واشترط عليهم أن يحموه ممّا يحمون منه أشرافهم ونساءهم وذراريهم ولو كلّفهم ذلك القتال، ورغم أنّ الأنصار استعدّوا للحرب وشكّلوا كتيبة من 500 فارس، فإنّهم سلّموه الحكم سلميّا دون الالتجاء لإراقة الدّماء.
وبذلك يتّضح أنّ العمل المسلّح أسلوب يُتّخذ عند الحاجة وليس طريقة ملزمة وإلاّ لكان الرّسول ﷺ رفض تسلّم الحكم إلّا بعد المنابذة بالسّيف: فيجب أن نفرّق بين الاستناد إلى أهل القوّة والمنعة والشّوكة والانتصار بهم، أي طلب النّصرة منهم بوصفه طريقة لإقامة الدّولة، وبين استعمال أهل القوّة والمنعة لشوكتهم والتجائهم للعمل العسكريّ بوصفه أسلوبا لأخذ الحكم وولادة الدّولة. فقد لا نحتاج لاستعمال الشّوكة، وقد لا يتجاوز استعمالنا لها مجرّد التّهديد والاستعراض لإحباط نيّة المقاومة والتنطّع. وعليه فقد اهتدى الحزب إلى التّمييز بين أخذ الحكم بوصفه أسلوبا وبين إقامة الدّولة بوصفها طريقة. ولئن كانت أساليب أخذ الحكم قائمة مفتوحة مشرعة على المتاح من الخيارات المتأثّرة بنوع العمل وظرفيّته وسياقه، فإنّ طريقة إقامة الدّولة فذّة مقتصرة على طلب النّصرة، فهي حكم شرعيّ محدّد لا يجوز لنا أن نتعدّاه، ولا نملك معه الخِيَرَةَ من أمرنا. وبناء عليه، انخرط حزب التّحرير منذ سنة 1961 في طلب النّصرة بكافّة أجزاء مجاله وذلك بالتّوازي مع أعماله في الأمّة من إيجاد الوعي العامّ بالإسلام والرأي العامّ له. وقد طلبها من الحاكم الفعليّ وممّن يستطيع السّيطرة على الحكم، كما طلبها ممّن يمكنه جلب الحاكم الفعليّ وجلب من يستطيع السيطرة على الحكم، وسار على ذلك بكلّ قواه إلى سنة 1965: ففي أوائل هذه السّنة لمس حصول التجاوب بين حملة الدّعوة والمجتمع وأنّ الدولة تكوّنت في أحشاء الأمّة ولم يبق على استكمال بنائها إلّا أخذ الحكم، وأنّ الذي يحول دون ذلك هو السند الخارجيّ غير الطبيعيّ الذي مكّن للعملاء وعسّر ولادة الدّولة.
في العمليّة القيصريّة
وبما أنّ الانتظار لا يزيد الولادة إلّا عسرا ويهدّد بإجهاض الجنين الثّمين، فقد قرّر الحزب أن يقوم بما أسماه (عمليّة قيصريّة) لأخذ الحكم انتزاعا، وأصبح يستهدف في طلب النصرة من يمكنهم القيام بتلك العمليّة القيصريّة بما تحتمله من عمل ماديّ وشوكة عسكريّة وصبغة قتاليّة.
وبذلك وكلّما تقدّمنا في قطع المسافات وتلبّسنا ميدانيّا بالناحية العمليّة ضاقت دائرة أساليب أخذ الحكم نشدانا للأسلوب المتجانس مع نوع العمل المتاح: فقد أُقصيت منها الخيارات المدنيّة الشعبيّة (العصيان المدنيّ والإضراب العامّ والمظاهرات) – وإن لم تفقد أهميّتها في الضّغط والمساندة – وتمحّضت تحديدا لاستهداف أهل الشّوكة والقوّة العسكريّة القادرين على القيام بالعمليّة القيصريّة: فهامش الأساليب رغم اتّساعه وارتهانه نظريّا لنوع العمل فإن أسلوب أخذ الحكم تحديدا يجب أن يكون من جنس مناط نقطة الارتكاز من حيث ارتباطاتها الإقليمية والدوليّة وواقع الأمان فيها؛ هل هو بأمان المسلمين أم بغيرهم، وواقع السّلطان؛ هل هو ذاتيّ أم وظيفة بالوكالة عن الاستعمار، وواقع المؤسّسة العسكريّة من حيث قوّتها وتسليحها ومصالحها وولاؤها وعقيدتها العسكريّة وعلاقتها بالسّلطة وتجاوبها مع الشّعب. ففي ظلّ العمالة والتبعيّة وانعدام السّلطان والارتهان للأجنبيّ والصّراع الدوليّ الشّرس على البلاد ومقدّراتها، ومع ارتباط المؤسّسة العسكريّة بالسّلطة ـ مصالح وامتيازات وولاء، واستنادها إلى القوى العظمى، تسليحا وتدريبا وعقيدة ـ يتّضح أنّ الحكم يُنتزع قبل أن يُتَسَلّم، ويتأكّد الالتجاء إلى العمليّة القيصريّة لأخذ الحكم، وبالتّالي يتعيّن وجوبا أن تُطلب النّصرة من أهل القوّة المادّية والشوكة العسكريّة القادرين على القيام بتلك العمليّة.
وبما أنّ أبرز ممثّل لهؤلاء في عصرنا الحالي هو المؤسّسة العسكريّة، فإنّ أخذ الحكم من طريقها قد يلتبس بالانقلاب العسكريّ: فهل المقصود بالعمليّة القيصريّة هو الانقلاب العسكريّ تحديدا؟ أم الانقلاب ما هو إلاّ متاح واحتمال وأسلوب من أساليب العمليّة القيصريّة؟ أم هما مناطان مختلفان متناقضان؟ وإنّ أولى خطواتنا في الإجابة عن هذا التّساؤل المركزيّ يجب أن تنطلق منهجيّا من تحديد المعنى الاصطلاحيّ للانقلاب العسكريّ واستخراج مقوّماته ثمّ تمييزه من سائر المصطلحات المتقاربة معه والملتبسة به في الشحنة المعنويّة، تمهيدا لتنزيله على واقع النّصرة والعمليّة القيصريّة. فمن المفيد للبحث أن نحدّد المصطلحات بدقّة وأن نحقّق مناطات المفاهيم لتبيان الفروق الجوهريّة بينها.
ما الانقلاب العسكريّ؟
إنّ من أوكد مقتضيات التّواصل والإبلاغ أن نلتزم كليّا بالمعنى الذي تواضع عليه واضعو المصطلح ابتداء، بصرف النّظر عن موقفنا ومعتقدنا ـ فلا مشاحة في الاصطلاح. ثمّ أن نحرص على استعماله بدقّة للدّلالة على معناه المخصوص درءا لسوء الفهم وحرصا على نقاء الفكرة، مع الوعي على الفروقات المعنويّة ـ قبل الفروق بين المصطلحات المتقاربة – لاسيّما في هذا الميدان الحسّاس الذي تتقاطع فيه السّياسة بالشّرع. ففيما يتعلّق بالانقلاب العسكريّ فقد عُرّف عدّة تعريفات أكاديميّة واجتماعيّة وسياسيّة، نحاول فيما يلي أن نستعرض أهمّها وأن نلخّص النّقاط الجامعة بينها:
فحسب قاموس أكسفورد الموجز لعلم الاجتماع، الانقلاب العسكريّ هو (استيلاء عنيف وفوريّ على سلطة الدّولة بواسطة القوّات المسلّحة وبشكل غير ديمقراطيّ ولا دستوريّ). وحسب الموسوعة البريطانيّة فإنّه يتمثّل في (إطاحة فجائيّة بحكومة قائمة من جانب فرد أو مجموعة صغيرة بواسطة عنف محدود من المؤسّسة العسكريّة أو جزء منها). أمّا موسوعة (ويكيبيديا) فتعرّفه بأنّه (إزاحة مفاجئة للحكومة تنفّذها مجموعة ضيّقة من داخل أجهزة الدّولة ـ العسكريّة غالبا ـ لتغيير رأس الهرم السياسيّ). هذا على المستوى الأكاديميّ. وعُرّف الانقلاب العسكريّ تعريفات سياسيّة ذات طابع وصفيّ متقاربة في فحواها:
فقد عُرّف بأنّه (إطاحة بحكومة قائمة بشكل غير شرعيّ باستخدام العنف العسكريّ أو التّهديد باستخدامه). وعُرّف بكونه (تمرّدا تقوده المؤسّسة العسكريّة أو الجزء القويّ منها يفضي إلى الإطاحة بالنّظام القائم). وعُرّف أيضا بأنّه (تغيير لنظام الحكم بالقوّة العسكريّة غصبا عن الحكومة القائمة وتنصيب حكومة بديلة). ويتّضح واقع المناط أكثر بالاستعانة ببعض العينات الحيّة المعاصرة: فباستقرائنا لتجارب حزام الانقلابات غرب إفريقية جنوب الصّحراء نلمس أنّها تشترك في جملة من المحفّزات والنواميس التي تميّز الظّاهرة الانقلابيّة العسكرية، ما يوسّع نظرتنا إليها ويساعدنا على تعريفها بشكل جامع مانع بوصفها (عملا سياسيّا غير دستوريّ ولا قانونيّ بأداة عسكريّة يستهدف الحكم ورجاله ويتميّز بكونه تحرّكا فئويّا وسرّيا ومطلبيّا وفجائيّا وفوريّا. ويتمثّل عمليّا في تمرّد المؤسّسة العسكريّة أو جزء منها على السّلطة القائمة باستعمال العنف المسلّح أو التّهديد به، بما يفضي إلى عزل الحكومة السّابقة وتنصيب أخرى، سواء أكانت مدنيّة أم عسكريّة، مؤقّتة أم دائميّة).
هذا إجمال. وسنتولّى فيما يلي تفكيك مقوّمات الانقلاب العسكريّ وبيان مدلولها ومقصودها بدقّة، ثمّ مقارنتها بمقوّمات العمليّة القيصريّة وتوضيح ما بين مناطيهما من فروق جوهريّة: فهل يُعدّ أخذ الحكم بواسطة العمليّة القيصريّة انقلابا عسكريّا؟ بمعنى هل يُعتبر العمل العسكريّ الذي قد يُؤخذ به الحكم وقد تولد به الدّولة الإسلاميّة انقلابا عسكريّا؟
المقوّم الأوّل: عمل غير دستوريّ ولا ديمقراطيّ
أولى مقوّمات الانقلاب العسكريّ أنّه غير قانونيّ وغير دستوريّ ولا ديمقراطيّ، وهذا بدهيّ: فدستوريّا لا يوجد أيّ دستور ينصّ في بنوده وما انبثق منها من قوانين على صلاحيّة تدخّل الجيش في سير الحكم وإمكان تسخيره القوّة العسكريّة لخلع الحكّام وإقالة الحكومات وتنصيب آخرين: فالمبدأ العالميّ يؤكّد خضوع المؤسّسة العسكريّة للسّلطة المدنيّة المنتخبة، ولئن كانت الدّساتير العصريّة تنصّ على أنّ الجيش مؤسّسة وطنيّة تحمي الدّولة والدّستور فإنّ تدخّله يكون في إطار القانون وتحت إدارة السّلطة المدنيّة لا فوقها. وبالتّالي فإنّ أيّ نصّ يخوّل الجيش صلاحيّة إقالة الحكومة بالقوّة يُعدّ استثناء شاذّا أو دليلا على وجود نظام حكم عسكريّ مباشر وليس هو قاعدة دستوريّة مستقرّة.
أمّا ما يحدث في العالم من تدخّلات عسكريّة لإقالة حكومات فهي في الغالب انقلابات عسكريّة خارج إطار الشرعيّة الدستوريّة، لا بناء على مادّة دستوريّة صريحة تجيز (استعمال القوّة العسكريّة) ضدّ الحكومة المدنيّة.
أمّا ديمقراطيّا فإنّ الديمقراطيّة تؤكّد على قدسيّة التداول السّلميّ للسّلطة، وتعدّل رأي الأغلبيّة، وتبوّئ الانتخابات مرتبة الطّريقة في الوصول إلى الحكم، وتجعل من كلّ ذلك خطّا أحمر لا يجوز تجاوزه. ولذلك لا غرابة أن وُصف هذا الفعل بالانقلاب واحتاج إلى القوّة الماديّة العسكريّة لوقوعه، وهذا يجعل الانقلابيّين بإزاء استحقاقات المجتمع الدوليّ وتحديّات الأعراف والقوانين الدوليّة. لذلك ترى المنقلبين لا يقرّون بأنّه انقلاب – أي عمل غير دستوريّ ولا قانونيّ – ويحاولون تبريره بشعارات ديمقراطيّة تجيزه وتشرّعه وتمنحه صفة الدستورية، كما يندفعون نحو الانخراط في تحالفات وارتباطات ومناورات من أجل تفكيك عزلتهم السياسيّة ورفع الحصار الاقتصاديّ المضروب عليهم، ما قد يكلّفهم في الغالب تنازلات انتحاريّة تمسّ السيادة والسّلطان والثّروات وحتّى الانتماء والهويّة، ودونكم الحراك الحالي في منطقة السّاحل والصّحراء.
مبحث نقليّ فقهيّ لا عقليّ ديمقراطيّ
أمّا العمليّة القيصريّة فهي أسلوب يُمليه مناط الواقع ويُتّخذ عند الحاجة من باب “ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب”: فإلى جانب كونها عملًا سياسيًا بأداة عسكريّة فإنّ العمليّة القيصريّة أسلوب من جنس واقع نقطة الارتكاز ـ قوّة وسلطانًا وأمانًا وانسجامًا وولاءات وارتباطات ـ لأنّها هي الأسلوب الذي يقرّره نوع العمل المتاح أمام طلب النّصرة.
فباستقرائنا لواقع المنطقة العربيّة والإسلاميّة ودراستنا لأوضاعها السياسيّة نتبيّن دون عناء أنّها واقعة بالكلّية تحت النفوذ الغربيّ وأنّ السلطة والحكم فيها ليس سلطانا ذاتيّا مستندا إلى قوّة الشّعب، بل وظيفة بالوكالة عن الكافر المستعمر وأنّ الأمان فيها ليس بأمان أهلها المسلمين. كما أنّ المؤسّسة العسكريّة فيها موالية للسّلطة ولاء أعمى ومتورّطة معها حتّى النّخاع: فكوادرها منتقون بدقّة، ومعزولون عن الشّعب، ومصنوعون على أعين الكافر المستعمر الذي صاغ عقيدتهم العسكريّة على مقاسه، واستعداهم على أمّتهم وربطهم بالسّلطة ربطًا محكمًا، وجعل مصالحهم وامتيازاتهم متشابكة بها تدور معها حيث تدور وجودًا وعدمًا، بحيث أنّ تخلّيهم عنها وانحيازهم للأمّة شبه مستحيل.
وفي ظلّ واقع كهذا موسوم بالتبعيّة وغياب السّلطان وانعدام الأمان والارتهان للأجنبيّ ـ سياسيّا واقتصاديّا وعسكريّا وثقافيّا ـ مع صراع دوليّ شرس على البلاد ومقدّراتها، يتّضح أنّ الحكم يُنتزع قبل أن يُتَسَلّم، ويتأكّد الالتجاء إلى العمليّة القيصريّة لأخذ الحكم، ويتعيّن وجوبًا أن تستهدف النّصرة أهل القوّة الماديّة والشّوكة العسكريّة القادرين على القيام بالعمليّة القيصريّة، بوصفهم السّند الطبيعيّ للسّلطة الجديدة والوسيلة الفعّالة والنّاجعة لإزالة السّند الخارجيّ الذي يبقي العملاء في السّلطة.
وبتحقيقنا لمناط طلب النّصرة يتأكّد هذا المنحى ويتّضح لنا بالقطع أنّ الرّسول ﷺ قد طلبها وواظب عليها رغم ما لاقاه من العنت والصدّ بما يرقى بها أصوليّا إلى مرتبة الطّريقة أي الكيفيّة الشرعيّة الدائميّة للقيام بالفعل. وكان يتحرّى الشوكة والقوّة والمنعة فيمن يطلب منهم النّصرة (كيف القوّة فيكم؟ كيف المنعة فيكم؟ كيف الحرب فيكم؟) يتحرّاها إمّا مباشرة من مظانّها (قبائل قويّة مقاتلة أو مدن منيعة)، أو بشكل غير مباشر ممّن يستطيعون توظيف الشّوكة (شيوخ قبائل أو شخصيّات قياديّة مؤثّرة أو شخصيّات ذات ثقل ماديّ ومعنويّ). وقد لازم همّ الشّوكة العسكريّة الرسول ﷺ وهو يتسلّم الحكم، فكان يستحضر بشدّة إمكانيّة اللّجوء إلى العمليّة القيصريّة ولا يستبعد مطلقًا اعتمادها في أخذ الحكم، ما جعله يحتاط لذلك ويعدّ له العدّة.
فقد استوثق لنفسه ولمشروعه واشترط على الأوس والخزرج أن يحموه ويمنعوه ممّا يمنعون منه أشرافهم ونساءهم وذراريهم ولو كلّفهم ذلك القتال وإراقة الدّماء. وقد أظهر الأنصار الحلقة عند تسليمه الحكم واستعدّوا للحرب وشكّلوا كتيبة من 500 فارس تحسّبا للطّوارئ واحتياطا لتعسّر ولادة الدّولة. وعليه فإنّ أسلوب أخذ الحكم ليس مبحثًا عقليّا موكولًا للدساتير والقوانين الوضعيّة يُحتكم فيه إلى الديمقراطيّة، بل هو مبحث نقليّ فقهيّ يُحتكم فيه إلى الدّليل الشّرعيّ.
والعمليّة القيصريّة لا تستمدّ مشروعيّتها من منظومة فصل الدّين عن الحياة حتّى توصف بأنّها عمل لا دستوريّ خارج عن القانون مجانب للديمقراطية، فشرعا لا وزن لثالوث الشرّ الوضعيّ هذا، بل هي عمل مفصليّ من أعمال بناء الدّولة الإسلاميّة، وأسلوب يُمليه مناط الواقع، ويُعتمد عند انعدام الخيارات على سبيل الوجوب، من باب “ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب”.
المقوّم الثّاني: يستهدف الحكم ورجاله
ثاني مقوّمات الانقلاب العسكريّ أنّه يستهدف الحكم ورجاله، أي إنّ غايته اغتصاب الحكم من طريق تحييد الحكّام، سواء أكان ذلك باعتقالهم وسجنهم ومحاكمتهم أم بقتلهم أم بطردهم ونفيهم، لأنّ بقاء رأس السّلطة طليقًا مع طاقم حكمه يمثّل تهديدًا جدّيًا لنجاح الانقلاب واستقرار الوضع وسلامة المنقلبين. فليس من أهداف الانقلاب العسكريّ أن يقيم الحكم على فكرة كليّة معيّنة وليس للانقلابيّين رسالة أو قضيّة مبدئيّة يريدون تحميلها للأمّة ويعملون لتسلّم السّلطة من حيث هي طريقة لإيجاد ما يتبنّونه في المجتمع: فهم يستهدفون واجهة السّلطة (الحكومة/ رجال الحكم) ويتركون القوّة التي تسند السّلطة وتجعلها سلطانا ذاتيّا، ألا وهو الشّعب أو أقوى فئة في الشّعب.
لذلك، وبما أنّ الشّعب غير مضمون ولا مهيّأ لتقبّل المستجدّات ومفتوح على شتّى الاحتمالات، فإنّ من نواميس الانقلاب التي لا يتمّ بدونها هو المبادرة بإعلان حالة الطّوارئ العامّة وحظر التجوّل وإحكام السّيطرة على البلاد والعباد بنشر الجيش في مختلف جهاتها وتأمين المناطق الحسّاسة فيها، كالمطارات والموانئ والمحطّات الإذاعيّة والتّلفزيّة ومراكز قيادة الدولة وبعض السفارات الأجنبيّة، لا سيّما في العاصمة، مع الحرص كلّ الحرص على نشر البيان الانقلابيّ وما يليه من بيانات في خطوة استباقيّة للحجر على الرّأي العامّ وتدجين الشّعب واستمالته وقولبته ووضعه في الإطار ودفعه للرضا بالواقع الجديد.
أخذ الحكم ليس غاية
أمّا العمليّة القيصريّة فهي ليست مجرّد اغتصاب للحكم أو استهداف معزول للواجهة المادّية للسلطة بمعزل عن مكامن السلطة وسندها الطبيعيّ. فأخذ الحكم ليس غاية ولا يصحّ أن يُستهدف لذاته، بل الغاية هي استئناف الحياة الإسلاميّة وحمل دعوة الإسلام إلى العالم.
فحزب التحرير يسعى لأخذ الحكم كي يقيمه على الفكرة الإسلاميّة ويعمل لتسلّم السّلطة باعتبارها طريقة لإيجاد ما تبنّاه من آراء وأفكار في المجتمع. فالمسألة إذن أعمق من مجرّد العمل على تحطيم رجال الحكم بالقوّة الماديّة، إنّها كسب قوى الشّعب بجعل أفكار الإسلام طاغية في المجتمع بشكل يفضي إلى تحطيم رجال الحكم معنويّا وسياسيّا لتكون إزاحتهم المادّية من قبيل تحصيل حاصل.
بل إنّ الحكّام إذا انحازوا إلى الأمّة وانخرطوا في مشروعها وتبنّوا أفكار الحزب فيمكن أن يُتركوا في مناصبهم من باب تأليف القلوب كما فعل الرّسول ﷺ مع (باذان) والي الفرس على اليمن الذي أسلم وبايع رسول الله ﷺ ورضي بالتبعيّة للدولة الإسلاميّة: فالأصل في التعامل مع الكيانات التي تستند السلطة فيها إلى قوّة خارجيّة أجنبيّة أن تُستهدف الجهة التي تكمن فيها السّلطة وتهاجم، ولكن يجب أن يُتّخذ الشعب الذي يجعل السلطة سلطانًا ذاتيّا أداة للهجوم بعزله عن السلطة العميلة وجعله مهاجمًا مع المهاجمين، وهذا يتجاوز الانقلاب العسكريّ المسقط ويحتاج إلى كتلة سياسيّة تعمل في الشعب ومعه وبه، وتقوم بالكفاح السياسيّ وترسي رأيًا عامّا منبثقًا من وعي عامّ وتوجد قاعدة شعبيّة وتتلبّس بالعمليّة الصهريّة… يتبع
1448-04-01