رياض الجنة: عتبة بن غزوان رضي الله عنه
3 ساعات مضت
المقالات
33 زيارة
إبراهيم أحمد – اليمن
هو الصحابي الجليل عتبة بن غزوان بن جابر المازني، ينتهي نسبه إلى قبيلة قيس عيلان. يكنى بأبي عبد الله، وقيل بأبي غزوان، وقيل بأبي الجبر. وُلد قبل الهجرة بأربعين عاماً في مكة.
كان عتبة بن غزوان رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام؛ فقد أسلم في الأيام الأولى للدعوة في مكة قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم.
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عتبة قوله: “لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مَا لَنَا طَعَامٌ إلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا”، وهذا يدل على أنه كان سابع من أسلم على وجه الأرض، وعلى شدة ما لاقاه من شظف العيش والابتلاء في بداية الدعوة.
هاجر عتبة الهجرتين؛ حيث هاجر إلى الحبشة فراراً بدينه من أذى قريش، ثم عاد إلى مكة ليهاجر الهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة، وهناك آخى النبي ﷺ بينه وبين سماك بن خرشة (أبو دجانة).
لم يتخلف عتبة عن أي غزوة غزاها رسول الله ﷺ؛ فقد شهد غزوة بدر الكبرى، وشهد أُحداً، والخندق، وبيعة الرضوان في الحديبية، وسائر المشاهد كلها. وكان يُعرف بمهارته الفائقة في الرماية والفروسية.
وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، برز دور عتبة كقائد عسكري وإداري محنك؛ فقد أرسله عمر على رأس جيش صغير (حوالي 800 مقاتل، وقيل 300) إلى منطقة الأُبُلَّة (ميناء الفرس على بحر الخليج) لقطع الإمدادات الفارسية التي كانت تصل إلى جيوشهم في العراق. فاستطاع عتبة بحنكته العسكرية أن يهزم الفرس ويفتح الأبلة.
وبعد أن استقر في المنطقة، رأى عتبة حاجة المسلمين إلى معسكر شتوي ومكان يجمعهم ولا يفصل بينهم وبين عاصمة الخلافة (المدينة) نهر أو بحر. فكتب إلى عمر يستأذنه في بناء مدينة، فأذن له، فخطّ مدينة البصرة وأسس مسجدها، لتكون أول مِصر (مدينة عسكرية متكاملة) يؤسسه المسلمون خارج شبه الجزيرة العربية.
وعلى الرغم من أنه كان أميراً للبصرة وفاتحاً عظيماً، إلا أن الدنيا لم تغير منه شيئاً. فقد كان شديد الزهد، يرفض مظاهر الترف التي بدأت تظهر على بعض المسلمين بعد الفتوحات.
وقف ذات يوم في أهل البصرة يخطبهم خطبته الشهيرة التي وثقتها كتب السُّنة، مذكراً إياهم بماضيهم القاسي وحالهم الحالي، ومحذراً إياهم من الاغترار بالدنيا، ومما قاله: “ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ، ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا… وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وعند الله صغيراً”.
كان عتبة رضي الله عنه يكره الإمارة والولاية ويخشى على دينه من فتنة حب السُّلْطة. ففي عام 15هـ وقيل 17هـ، استأذن عمرَ بن الخطاب في أداء فريضة الحج، فذهب إلى مكة. وبعد الحج، التقى بعمر وطلب منه أن يعفيه من ولاية البصرة. فرفض عمر رضي الله عنه بشدة إعفاءه، وقال مقولته الشهيرة: “تضعون أماناتكم في عنقي ثم تتركونني؟ لا أُعفيك”، وأمره بالعودة إلى البصرة. فاستجاب عتبة لأمر الخليفة وركب راحلته عائداً، لكنه دعا الله بصدق قائلاً: “اللهم لا تردني إليها، اللهم لا تردني إليها”.
استجاب الله دعاءه، ففي طريق عودته إلى البصرة، وتحديداً في منطقة تُسمى معدن بني سليم، سقط من على راحلته ومات (وقيل أدركه الموت بمرض)، وفاضت روحه إلى بارئها وهو في السابعة والخمسين من عمره، تاركاً خلفه سيرة عطرة من الجهاد، وتأسيس مدينة عظيمة كالبصرة.
هكذا كانت سيرة صحابة رسول الله ﷺ؛ ساسوا الدنيا بقوة وتقوى، عرفوا مهمتهم فأناروا الدنيا بنور الإسلام. واليوم بعد أن تآمر الغرب الكافر بمعاونة خونة العرب والترك وقضوا على آخر دولة للمسلمين في27 رجب 1342هـ(3 آذار 1924م)،أظلمت الدنيا. فوجب علينا إعادة هذه الدولة ليعود بعودتها العدل والخير، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
المصادر:
1- صحيح مسلم للإمام مسلم (في فضائل الصحابة، حديث خطبة عتبة بن غزوان)
2- سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي (المجلد الأول، ترجمة عتبة بن غزوان)
3- الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني
4- أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير الجزري
5- الطبقات الكبرى لابن سعد
6- البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (في أحداث سنة 14 و15 هجرية وتأسيس البصرة)
1448-03-03