إلى أين تقود إدارة ترامب الولايات المتحدة؟ (3)
4 ساعات مضت
المقالات
36 زيارة
عصام الشيخ غانم
يستغل الرئيس الأمريكي ترامب في المسائل الاقتصادية حقيقة أن السوق الأمريكية هي أكبر سوق في العالم، وأن الدول ذات الاقتصادات القوية بحاجة إليها، فزاد في التبجح وإظهار أمريكا بوصفها “دولة لا غنى عنها”، وأعلن في ضوء هذه الخلفية عن فرض رسوم جمركية كبيرة على كل دول العالم ومنها الصين، التي نالها النصيب الأكبر من الرسوم، وفرض على الصين أيضاً قيوداً كبيرة في تصدير الشرائح الإلكترونية، ولما لم تقف الصين مكتوفة الأيدي وفرضت رسوماً مقابلة أخذ المزارعون الأمريكان يضغطون على ترامب لتخفيف رسومه وتمكينهم من توريد السلع الزراعية للصين، وفرضت الصين قيودا على تصدير المعادن النادرة، وزادت في بحثها عن أسواق بديلة لصادراتها، وهنا أخذ ترامب يتراجع عن رسومه الجمركية، وهنا تبين له وللعالم أن الصين قد باتت منافساً حقيقياً لأمريكا، بل وتتفوق عليها في عدة قطاعات اقتصادية، منها الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وإنتاج المعادن النادرة. واستثمرت الصين عشرات المليارات من دولاراتها الوفيرة في إيجاد صناعة معتبرة لرقائقها الخاصة مهدِّدةً فعلاً بالاستغناء عن أمريكا في أمدٍ غير بعيد، وكذلك تنافس شركات الإنترنت والتكنولوجيا الصينية نظيراتها الأمريكية بجدارة معتبرة وإن كانت لا تزال دونها.
وتشارك الصين بدرجة لا بأس بها في تخفيف الاعتماد على الدولار في تجارتها الدولية بعد العقوبات التي فرضتها أمريكا على دول كثيرة،منها روسيا، وأربكت تعاملاتها التجارية الدولية، وتسير بخطوات واثقة نحو زيادة التعاملات التجارية الدولية بعملتها “اليوان”، حتى صارت 40% من التجارة الدولية للصين تحصل بغير الدولار، وهذا يمثل رقماً كبيراً ويهدد مكانة الدولار دولياً، وهذا المسار يشكل إزعاجاً كبيراً لأمريكا إذ إن الدولار يعتبر رأس عظمتها المالية وأحد أركان عظمتها الاقتصادية في العالم، ولكن سياسات الرئيس ترامب وانتقاداته الشديدة للبنك الفيدرالي الأمريكية في مسائل رفع الفائدة أو إنقاصها تشكل زلزالاً عالمياً، يدعو الدول المعتمدة على الدولار لتخفيف اعتمادها عليه بسبب تحكم إدارة ترامب في قيمته. وأما الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب فقد جمع منها ما يقارب 260 مليار دولار خلال 2025 تكبدها المواطن الأمريكي بسبب ارتفاع سعر هذه البضائع، فيما جمعت الدول الأخرى قرابة 220 مليار دولار من الرسوم التي فرضتها بالمقابل على السلع الأمريكية، أي إن سياسة ترامب أدت إلى ربح قليل للدولة جنته من جيوب مواطنيها، فيما أصبحت الشركات الأمريكية أقل قدرة على المنافسة في الخارج، بسبب الرسوم المقابلة التي فرضتها الدول على أمريكا.
يطمع ترامب وفق سياسته المعلنة بإعادة عجلة التصنيع الأمريكية التي رحل جزء كبير منها للصين قبل أكثر من عقدين، وكانت أمريكا تريد زيادة تنافسية شركاتها عبر إخراجها إلى التصنيع في الصين وغيرها حيث العمالة الرخيصة، وقد تحقق لها ذلك، وكانت أمريكا قد أخرجت الصناعة منها إلى الخارج –خاصة الصين– تحت قناعات راسخة بقدرة أمريكا على التحكم بالاقتصاد العالمي، لأنها تملك السلاح الأقوى والمال الأكثر وتملك زمام الأبحاث العلمية، أي إنها الأقوى عسكرياً،وهي التي تقرر وجهة الاستثمار وتقرر بشأن تطويره، ولكن تلك الرؤية الأمريكية قد فشلت تماماً مع الصين.
فالشركات الأمريكية قد نقلت خبراتها تماماً للصين وفق السياسة الصينية لنقل التكنولوجيا التي أجبرت من خلالها الشركات الأجنبية على إفراغ خبراتها داخل الصين، واكتسب المهندسون الصينيون الخبرة، وانتقلوا بها إلى شركات صينية منافسة، ومع مرور الزمن فقدت أمريكا تلك الخبرة، بل لا يمكنها إعادتها لأمريكا بسهولة وفي مدة قصيرة. وكذلك فإن تلك الشركات الأمريكية تقاوم سياسة ترامب، ولا يريد الجزء الأكبر منها العودة لأمريكا، وذلك بسبب المزايا التي وجدتها في الصين من ضرائب مخففة وعمالة رخيصة وسهولة الوصول إلى سوق الصين، ذلك السوق الذي أضحى عظيماً أيضاً وتتنافس عليه الشركات الكبرى ولا يمكنها التفكير بالتضحية به. صحيح أن عشرات الشركات قد أعلنت استعدادها للاستثمار من جديد في أمريكا – خاصة في قطاع الرقائق الالكترونية – إلا أن هذا لم ينعكس على حجم الوظائف في أمريكا، بمعنى أنه لا يزال كلاما في كلام. ولما أخذ الرئيس ترامب ينفذ بقسوة سياساته المناهضة للهجرة وأخذ يطرد آلاف العمال اللاتينيين تمخض عن ذلك خسائر فادحة للمستثمرين الأمريكيين في قطاع الزراعة وارتفعت أسعار المنتجات الزراعية بشكل كبير داخل أمريكا على وقع نقص العمالة.
أما الوجه الآخر للفشل الأمريكي في نقل الصناعة للصين فقد تمثل بصيرورة الصين دولةً غنيةً، فأخذت تطور جيشها وتبني السفن والطائرات والنووي، وفاقت استثماراتها الدولية استثمارات أمريكا، ودعمت جامعاتها بمئات المليارات من الدولارات، حتى سابقت أمريكا في الأبحاث واقتربت منها، ثم سبقتها سنة 2015 في الابتكار وبراءات الاختراع، ومع بلوغ طلبات تسجيل الابتكارات في الصين ضعف مثيلاتها في أمريكا. فقد انقلبت الآية تماماً وأضحت أمريكا اليوم تحاول اللحاق بالابتكار الصيني، ويحدث كل ذلك بسرعة فائقة تجعل أمريكا في وضع يزاد اهتزازه عاماً بعد عام في مقابل الصين.
ولجلب الموارد وتعزيز اقتصادها وعملتها الدولار تطمع أمريكا بالحفاظ على نفسها مركزاً مالياً للعالم، وحتى يتحقق ذلك اليوم في الظروف الحالية فإنه لا بد من رفع الفائدة في أمريكا وتعزيز قيمة الدولار لجذب الأموال إليها، إلا أن ترامب يريد خفض الفائدة لتعزيز الصادرات الأمريكية، وهذا التوجه لترامب يسرع من عمليات التخلص من الدولار والابتعاد عنه بسبب مسيرته نحو الضعف خلال إدارة ترامب، بمعنى أن سياسات ترامب المالية تقوم بإضعاف المركز المالي الدولي لأمريكا، ويحصل هذا في ظل بروز المنافس الصيني الذي جعل الصين مركزاً مالياً دولياً وأخذ ينافس المركز الأمريكي، ولكن السياسة المالية لإدارة ترامب هي كذلك لخدمة أثرياء أمريكا، وهي سياسة ثابتة للدولة وتضعف قدرة أمريكا على المنافسة. فالدعم المالي الحكومي في أمريكا –كما ظهر في فترة جائحة كورونا– يركز على دعم الأثرياء، وهؤلاء يعمل جلهم في البورصات والأسهم وباقي قطاعات التجارة المالية وليس في التصنيع، لذلك أدى الدعم الحكومي الأمريكي (أموال دافعي الضرائب) إلى مزيد من انتفاخ شركات التجارة المالية، ولم ينعكس على التوظيف والقضاء على البطالة في أمريكا، واليوم يريد بعض من قياديي إدارة ترامب في البنك الفيدرالي ووزارة الخزانة عكس هذا الاتجاه، أي رفع الفائدة لجذب الأموال لأمريكا وتركيز الدعم الحكومي على التصنيع، وهذا فضلاً عن كونه متأخراً فإنه من زاوية ثانية يكشف عمق الخلافات داخل أمريكا، بل وداخل إدارة ترامب نفسها بشأن السياسات المالية وأثرها على الدولة في وقت أشبه بالطوارئ، أي في وقت لا يحتمل التجارب وانتظار النتائج، بل تحتاج أمريكا لأي شريان مالي يوقف انتفاخ الديون، بمعنى أن سياسة ترامب في المسائل الاقتصادية والمالية – سواء داخل أمريكا، مثل سياسة الهجرة أو خارجها مثل الرسوم الجمركية وإعادة التصنيع لأمريكا – ليست مضمون النجاح، وأن جهود ترامب لخلق موارد جديدة لأمريكا من الساحة الدولية لا تؤتي ثمارها. وعندما أعلن ترامب ووزارة الحرب “البنتاغون” طلباً للكونغرس للمصادقة على موازنة عسكرية خيالية لسنة 2026 تبلغ ألف وخمسمائة مليار دولار جاء هذا الإعلان دون موارد له تقريباً إلا من زيادة الديون، وهي ديون تشكل بحجمها الحالي خطراً ماحقاً على أمريكا وحبلاً يلتف على عنقها يكاد يخنقها، فما بالك بالزيادة فيه.
وإذا كان ترامب يخطط في اتجاه معين فإنه يجد أمامه عقبة أخرى، فمثلاً تتكبد أمريكا خسائر مالية كبيرة هي مصروفات حربها على إيران لجعلها دولةً تابعة، وتريد أمريكا من وراء ذلك أن تدفع شركاتها لنهب النفط والغاز الإيرانيين، ولكن الحرس الثوري الإيراني لم يستسلم لأمريكا ففرضت على إيران حصاراً بحرياً زاد من تكلفة حربها، ثم انقطع تصدير النفط الخليجي وأصبحت موازنات الدول الخليجية بحاجة للمال فأخذت تسحب من استثماراتها من داخل أمريكا، وتحصل كل هذه المصاريف الحربية وذلك السحب الخليجي دون أن تتأكد أمريكا من أن شركاتها تقترب من نهب نفط إيران وغازها أو تبتعد عن ذلك، وهذا ما يفسر حالة الرئيس ترامب العصبية بخصوص الورطة مع إيران.
وإدارة ترامب تسير بمنطق أن إضعاف الآخرين هو تقوية لأمريكا، ولكنها تعمل على إضعاف الجميع، بحيث لا تفرق بين حلفائها وأعدائها، والنتيجة التي نشاهدها حتى اللحظة هي ركود صناعي في ألمانيا وضعف اقتصادي شامل في أوروبا ووقوف الاقتصاد البريطاني عند مخاطر الانهيار، بمعنى أن السياسات الأمريكية قد أضعفت أوروبا فعلاً، ولكنها لم تضعف الصين، والنتيجة أن دول أوروبا تعاني وتكابد حتى توفر مزيداً من الإنفاق على جيوشها، فيما الصين ترفع من إنتاجها الحربي بشكل خطير، أي إن أمريكا أضعفت حلفها وحلفاءها في أوروبا وفشلت في إضعاف الصين، وهكذا هي أمريكا حين تخطط اليوم لسياسة اقتصادية سرعان ما تجد آثارها السلبية في جوانب أخرى غير تلك التي خططت لها، وهي بذلك عاجزة عن التخطيط الشامل كما كانت سابقاً، فتتسرب الأمور من بين يديها، وإن الرياح العالمية اليوم تأتي بما لا تشتهيه سفن أمريكا.
واليوم يكثر الرئيس ترامب من ذكر أمريكا بوصفها الدولة الأقوى عسكرياً، وبوصف صناعاتها بالأفضل حول العالم، وبوصف قدراتها في كل جانب كذلك، وهذه التصريحات تكشف حجم القلق الأمريكي بسبب سرعة انتقال القوة تجاه الصين، بل إن انتقال القوة وتملصها من أيدي أمريكا والغرب عموماً قد أصبح ظاهرةً شاملةً أمام فشل أمريكا والغرب وقرب إفلاس هذا النظام الرأسمالي، فحتى بلدان غير كبرى مثل إيران وتركيا قد أصبحت تمتلك تصنيعا ذاتيا أو شبه ذاتي للطائرات المسيّرات التي تزداد مشاركتها وأهميتها في الحروب الحديثة، وأصبحت دول كبرى – منها روسيا – تلجأ إليها للحصول على هذه الطائرات.
وعلى وقع هذا الضعف الأمريكي الذي يتكشف يوماً بعد يوم قال الإعلامي الأمريكي المحافظ ذو الشهرة الكبيرة تاكر كاريلسون إن إغلاق إيران لمضيق هرمز قد كشف حدود القوة العسكرية لأمريكا، إذ لا يمكن لأمريكا أن تظل دولةً عظمى إذا تخلخلت سيطرتها على المضائق الحيوية في العالم. وهذه السيطرة تعني السيطرة على التجارة الدولية والسيطرة على الثروة حول العالم. وقد كشف نجاح إيران في إقفال مضيق هرمز خلال الحرب أن هيمنة أمريكا العسكرية وهيمنتها على التجارة والثروة عالمياً قد ضعفت وأصابها وهن حقيقي. ويتعمق هذا الضعف وذاك الوهن حين يقول الأمريكيون إن كلفة الحفاظ على الهيمنة أكبر بكثير من العائد منها. فمثلاً لا يمكن للجيش الأمريكي فتح مضيق هرمز إلا بحرب واسعة مع إيران، وقد يكون الجيش الأمريكي قادرا على خوضها والانتصار فيها، ولكن حرباً كهذه لن تكون بحال أقل من ورطة أمريكا في العراق، أي إن مثل هذه الحرب لإعادة السيطرة على هرمز قد تؤدي إلى تفريغ أمريكا لقوتها في إيران، فتخرج منها دون أن تملك القوة الكافية لخوض أي حرب أخرى حول الصين مثلاً، أو في أي مكان في العالم. فمثلاً بضرب أمريكا لإيران بـ14قنبلة خارقة للتحصينات على منشأة فوردو سنة 2025 لم تبقَ لأمريكا القدرة على عملية مماثلة،وإن تصنيع مثل هذه القنابل يتطلب سنوات وأموالا كثيرة، ومثل ذلك قل في القنابل الموجهة والصواريخ التي استخدمتها أمريكا بقوة خلال حرب 2026، وهذا يفسر تراجع ترامب عن مطالبه من إيران بـ”الاستسلام غير المشروط”، وهذه الحرب التي خاضتها إدارة ترامب ضد دولةٍ تدور في فلكها قد مثلت انتكاسة كبيرة للقوة الأمريكية فوق انتكاسة الثقة بالسياسة الأمريكية لدى حلفاء أمريكا وأتباعها وعملائها.
وفي ظل الانتكاسات الأمريكية المتكررة لا بد أن تفكر أمريكا في إلقاء بعض أحمالها الدولية، أي الانسحاب من بعض المناطق في العالم حتى تتمكن من الاحتفاظ بالمناطق الأكثر أولوية، وهذا تحدٍ كبير. وأمريكا تسحب قواتها اليوم شيئاً فشيئاً من أوروبا، وإذا كانت أوروبا تتوسل لأمريكا لإبقاء مظلتها العسكرية حولها لحمايتها من روسيا فإن أمريكا لا تترك لذلك مجالاً حتى في المستقبل، وتوبّخ هذه الدول وتقول لها إن عليها الدفاع عن نفسها، أي إن أوروبا التي مثلت لعقود مركزاً للسياسة الأمريكية لم تستمر كذلك مقابل الأهمية الكبرى للصين والمنطقة الإسلامية، حيث المخاطر الكبرى الاقتصادية الصينية والأيديولوجية الإسلامية التي يهدد كل منهما عظمة أمريكا وتفوقها الدولي.
فشلت أمريكا في دفع دول الخليج لحرب إيران، أي فشلت في دفع عملائها وأتباعها لخوض حربها بمواردهم وجيوشهم، وبقي الجيش الأمريكي يخوض الحرب مع لصيقه كيان يهود، وهذا يدل على عقم سياسات إدارة ترامب التي تستفز الأعداء والحلفاء بحيث تضعف قدرة أمريكا على تجنيد حلفائها. وإن عنجهية ترامب تدفع إلى تحميل أمريكا العبء الأكبر من حروب حفاظها على السيطرة العالمية، أي المزيد من استنزافها. وفشلت إدارة ترامب في الاستفادة من هيبة الدولة عالمياً. ففي إيران لم تقف أمريكا موقفاً يخيف الإيرانيين من الانزلاق إلى حرب معها، بل على العكس تماماً، أخذت أمريكا تقتل القادة الكبار – ومنهم المرشد الأعلى – الأمر الذي دفع إيران لتفعيل كل قوتها، وهاجمت قواعد أمريكا العسكرية في المنطقة، وهاجمت حلفاءها وهاجمت كيان يهود، وهكذا نزع الهجوم الإيراني الهيبة عن قواعد أمريكا وعن حلفائها، فخسرت أمريكا من هيبتها وأخذت تنزف في جندها ومعداتها وإنفاقها، وكل هذا ناتج عن العنجهية. وإن ترامب يعلن أنه يريد تحقيق 100% من مطالبه ولا يكتفي حتى ب95% منها، وهذه العنجهية الأمريكية أدت إلى كشف ضعف أمريكا ووهنها حين تحدت إيران أمريكا وأغلقت مضيق هرمز ولم تستطع أمريكا فتحه، وأخذ ترامب يتراجع بعد ذلك للوصول إلى اتفاق غير بعيد في فحواه من اتفاق أوباما مع إيران سنة 2015.
وفي المنطقة الإسلامية ظهرت توجهات إدارة ترامب في الأحداث التالية:
أولاً: في حرب كيان يهود على غزة قدمت إدارة ترامب كل الدعم لكيان يهود. وحتى البعض القليل من مخازن القنابل الثقيلة التي كانت إدارة بايدن قد حجبتها عن كيان يهود أعاد ترامب فتحها بقوة. وطالب الحكام أمام هذا الإجرام اليهودي بالتطبيع مع كيان يهود، وطالبهم بالتنسيق معه لردع إيران، وأعلن إعجابه بالعمليات الإجرامية لكيان يهود، منها تفجير البيجر في آلاف اللبنانيين وكثير منهم مدنيون وليسوا عناصر عسكرية. وقد بلغ إجرام كيان يهود أمدية جديدة في ظل إدارة ترامب، فقد بلغ مدى قصفها عواصم عربية، بيروت ودمشق والدوحة، لفرض أمر واقع جديد، ووضع حكام هذه البلاد تحت البسطار، وأخاف الحكام الآخرين. صحيح أن حكام المنطقة العملاء قد خضعوا وقبلوا بهذه الهيمنة القسرية التي تشبه الهزيمة الماحقة في حرب لم يخوضوها، إلا أن آثارها لا تحمل الخير لأمريكا أو حتى لكيان يهود. صحيح أن حكام الصف الأول يقبلون بالخضوع ومزيد من الذل أمام هذه الجرائم ويقبلون بالتنسيق مع كيان يهود، بسبب عمق خستهم ونظرتهم لشعوبهم على أنهم أعداء، وبسبب ربط مستقبلهم بأمريكا وكيان يهود، ولكن هؤلاء الحكام قد فقدوا آخر طبقة – مهما صغرت – من بعض القطاعات الشعبية التي كانت لا تزال تأمل بهم خيراً، بل وفقدت الثقة والولاء في طبقات الحكم الدنيا التي تتفسخ عن النظام وتقف بانتظار آفاق التغيير، وبانتظار قيادة جديدة تتقدم بديلاً من القيادة القديمة بعد أن شاهدت هذه الطبقات أن ما يحصل يفوق أي معقول في الحياة.
ثانياً: شاهد الحكام، عملاء أمريكا وأتباعها في المنطقة كيف تنكرت أمريكا لخدمات إيران في العراق وأفغانستان وسوريا، ثم شنت عليها مع كيان يهود حربين 2025 و2026، وهي تريد تجريدها من كل عناصر القوة النووية والصاروخية، مع أن إيران تصيح صباح مساء أنها لا تريد تصنيع أسلحة نووية. فإدارة ترامب لا تقيم وزناً لأحد خدم أمريكا سابقاً، وهذا يخيف الأتباع في المنطقة ويرعبهم من أن أمريكا يمكن أن تتنصل منهم وتحاربهم وتهدم كراسيهم. ولذلك فإن الحكام رغم خستهم العميقة باتوا على عهد ترامب يخافون أمريكا ويتوجسون من خططها، أي إن الثقة غابت، وعند غياب الثقة فإن مبادرة هؤلاء الحكام لخدمة أمريكا ومصالحها تتوقف لتقتصر على تنفيذ الطلب وان بالحد الأدنى، وهذا بحد ذاته خسارة للسياسة الأمريكية لا تدركها إدارة ترامب.
ثالثاً: أنشأت أمريكا قواعدها العسكرية في المنطقة، خاصة دول الخليج، بأموال تلك الدول غالباً، وذلك لأن الحكام كانوا يصدقون الدعاية الأمريكية بأن تلك القواعد هي لحماية بلدانهم وعروشهم، ثم لما شنت أمريكا الحرب على إيران وأخذ الحرس الثوري الإيراني يقصف هذه القواعد أدرك الحكام أن قواعد أمريكا هذه إنما جرت عليهم الويلات، بل إن جيوش هؤلاء الحكام هي من تقوم بحمايتها بالدفاع الجوي. وإن احتمال تورط هذه البلدان في حرب مع إيران قائم بسبب هذه القواعد. وعلى الرغم من استمرار الدعاية الأمريكية لدور هذه القواعد في حماية الحكام وكراسيهم فإن الواقع الجديد الناشئ بعد حرب إيران يدحض تماماً هذه المزاعم الأمريكية، فلا يصدق هؤلاء الحكام رغم خستهم دعاية أمريكا، وهكذا تخسر أمريكا في تعميق نفوذها بسبب تهور إدارة ترامب وأنها ترى بعين واحدة. فدول الخليج شاهدت الحماية الأمريكية الحقيقية لكيان يهود ودفاع أمريكا عن الكيان من عدة بلدان ومن البحر ومن داخل الكيان نفسه وصد صواريخ إيران عنه، ولم يحصل مثل ذلك مع هذه البلدان، وإذا أضيف إلى ذلك خسائر دول الخليج بسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز فإن حسابات الحكام مع أمريكا قد دخلت مؤكداً دائرة الشك.
رابعاً: كان توم براك وغيره من مبعوثي إدارة ترامب لسوريا ولبنان يتكلمون بشكل علني صلف لا غموض فيه بأن من واجبات الحكام في سوريا ولبنان أن يقوموا بحماية كيان يهود حتى لو اقتضى منهم ذلك الحرب الأهلية، كما في مسألة نزع سلاح حزب إيران في لبنان، وكذلك مع مصر في دفعها لمزيد من الضغط على حماس لنزع سلاحها وكشف أنفاقها التي عجز عنها كيان يهود على مدار ثلاث سنوات، وهؤلاء الحكام يندفعون في هذه الاتجاه بسبب عمق خستهم وقناعتهم بأن شعوبهم أعداؤهم، ولكن ذلك يجعل نظام الحكم في كل بلد طبقات متعددة من حيث درجة الارتباط بأمريكا، بحيث تأمر الطبقات العليا بأمر وتعيقه الطبقات الدنيا قدر الإمكان، فليست كل التعليمات والأوامر سواء، بل إن التعليمات إذا فقدت تبريراتها أضحت ضعيفة للغاية وغير قابلة للتطبيق، وهذا خطير للغاية على طبقات الحكم العليا التي تطلب منها إدارة ترامب فوق طاقتها دون أن يدرك الميزان الأمريكي ما هو فوق الطاقة وما هو تحتها، ولا تدرك أمريكا أيضاً ما يترتب على ذلك في المدى المتوسط والبعيد، وعدم الإدراك هذا هو سمة الديكتاتوريين كفرعون الذين يريدون من الآخرين أن لا يروا إلا ما يرون.
خامساً: ولا تنفك إدارة ترامب تهاجم الإسلام تحت عناوين مختلفة، فقد وعد أثناء حملته الانتخابية بإغلاق أمريكا أمام المسلمين، حتى إن وزير حربه “هيغست” وشم على يده كلمة “كافر” بالعربية، فالإرهاب لا يزال وصفاً ضد الأعداء، وقد ضمت إليه إدارة ترامب جماعات جديدة كانت توصف سابقاً بالاعتدال. وتراقب دائرة الشؤون التعليمية والثقافية في وزارة الخارجية الأمريكية مناهج البلاد الإسلامية وتطالب بتغييرها، ويندفع الحكام بفعل خستهم لتغيير الإسلام إرضاءً لأمريكا، والسعودية التي درجت على إعلان نفسها البلد الإسلامي رقم واحد تبحث عن قطع أثرية لتاريخها قبل الإسلام لمحاولة تبديل ثقافة شعبها، وتقيم الحفلات الماجنة بالقرب من الأماكن المقدسة لإرضاء أمريكا. وفي مصر يُتطاول على ما تبقى من أحكام إسلامية في نطاق الأسرة، وبالمجمل فإن الحقد العميق على الإسلام قد دفع بأمريكا لمطالبة الحكام بمحاربة أي مظهر وأي حكم شرعي مهما كان بسيطاً، فتراهم يشككون بالسنة تارةً، وتارةً يهاجم بعض أقلامهم الصحابة الكرام، هذا فوق تقديم السفلة وأصحاب العهر وجعلهم أصحاب مقامات كبيرة في المجتمع، فتنقل أخبارهم وكأن الأمة معنية بمتابعة المزابل التي وصل إليها هؤلاء السفلة.
وبالتدقيق في هذه النقاط جميعاً نجد أن السياسة الأمريكية تتراجع في المنطقة الإسلامية ولا تتقدم، ونجد أنها تولد عند المسلمين حقداً عميقاً وعداءً حاداً أخذا يتسربان إلى طبقات الحكم الدنيا، وذلك أن حرب غزة واصطفاف الغرب –خاصة أمريكا– مع كيان يهود ودعمه بالسلاح والتغطية السياسية والدفاع عن حرب الإبادة التي شنها يهود على أنها دفاع عن النفس أمام 7 أكتوبر، وحتى فرض العقوبات على قضاة دوليين لرفع قضايا ضد قادة يهود، وبعد ذلك حرب أمريكا وكيان يهود على إيران، كل ذلك ومثله قد رسخ فكرةً أساسية؛ أن أمريكا هي رأس الكفر ورأس العداء، وأنها هي من يقود أو يقف خلف الحملات الصليبية الجديدة التي تقتل المسلمين وتهدم بيوتهم في كل مكان تقريباً، وقد أوجد ذلك أيضاً فكرة عاجلة بضرورة التخلص من هذا الواقع الذي يقف فيه الحكام في صف أمريكا وصف كيان يهود، وزاد كل ذلك من تمسك شعوب الأمة الإسلامية بدينها، وأنها تعادى لكونها مسلمة، وهذه القناعات الجماعية قد أخذت تروج وتتمدد وتتعمق داخل شعوب المسلمين، وتشكل تحولاً فكرياً جماعياً وجديداً نحو الهوية الإسلامية بديلاً من الوطنيات والقوميات، لأن دول الكفر بقيادة أمريكا تهاجم المسلمين صفاً غربياً واحداً يستهدف دينهم بالدرجة الأولى، بمعنى أن سياسة إدارة ترامب وزخم اندفاعها في المنطقة الإسلامية تؤدي إلى تسارع خسائر أمريكا في المنطقة وتفاقم المشاعر الإسلامية واقترابها نحو نقطة تحولها إلى خطر سياسي حقيقي، خاصةً وأن طبقات الحكم الدنيا تنفصل عن العليا، وليس أدل على كل ذلك من تفكير أمريكا التخلي عن الكثير من قواعدها العسكرية في المنطقة وتحويلها إلى داخل كيان يهود.
وبهذا وذاك يتضح أن إدارة ترامب تقود أمريكا من خسارة إلى خسارة أكبر من أختها، على صعيد السياسة الدولية، وعلى صعيد مكافحة الصين، وعلى صعيد الانقسام في أمريكا، وإذا كان الزخم المصطنع المصاحب للتصريحات الكثيرة التي يطلقها الرئيس ترامب لا يزال يحجب حقيقة الضعف الأمريكي، فتبدو أنها تصريحات تعبر عن قوة أمريكا، وهكذا كانت من قبل صيحات غورباتشوف في موسكو عن الإصلاحات والتقدم إلى الأمام نهاية الثمانينات، ثم صارت بعد سنوات معدودات نكسةً أهلكت روسيا وأضاعت مكانتها الدولية. وإذا كانت فرصة الصين ضعيفة للغاية في الاستفادة الإستراتيجية من هذا الضعف، إذ إن الصين تريد أمريكا قويةً اقتصادياً حتى تستمر في جني الأرباح من أسواقها، ولا تفكر الصين بالحلول محلها، بل هي غير قادرة على ذلك، فإن الطامة الكبرى التي يؤمل أن تحل بأمريكا هي معركة فاصلة وقريبة منتظرة في بلاد المسلمين، فأمريكا لم تتمكن من هزيمة إيران رغم أن جيش إيران لم يحرك حدود بلاده إلى الأمام، وأمريكا ليست بقادرة على الإطلاق على هزيمة أي بلد إسلامي يحاربها بحزم ويتجاوز موقف الدفاع إلى الهجوم، ويجند من المسلمين كل يوم طاقات جديدة يزيد بها يأس أمريكا، فيدفعها فعلاً إلى الوراء ويعيدها إلى حيث يجب أن تكون.
ويخطئ من يظن أن الصمت الذي يلف بلاد المسلمين أمام مجازر يهود في غزة ولبنان وسوريا وحروب أمريكا وكيان يهود على إيران هو حالة تعبر عن الهزيمة أو اليأس، بل هي حالة من الصدمة تجتاح شعوب الأمة وتجتاح طبقات الحكم الدنيا، نجمت عن اكتشاف جدي للحقائق السياسية لحقيقة أن الغرب عدو للمسلمين، وأن المسلمين لا طريق لهم للنجاة إلا بالإسلام وحكمه. وإن شاء الله ما هي إلا مدة قصيرة وستسقط هذه الصدمة في بلد ما أحد الحكام سقوطاً حقيقياً، فيسقط معه النظام، وتنتهي حقبة الحكم الجبري وعصر الرويبضات، وتبنى للمسلمين خلافة من جديد، ثم تنتشر موجة التغيير مثل تسونامي تجرف باقي الحكام،فتجتمع شعوب المسلمين لتصبح أمةً واحدة في ظل كتاب واحد وخليفة واحد. انتهى
1448-03-03