الإنسان بين أمانة الاستخلاف ووهم الحياة الزائلة
13 ساعة مضت
المقالات
89 زيارة
مؤنس حميد- العراق
حين خلق الله الإنسان لم يخلقه عبثا، ولم يتركه سدى في هذه الأرض الواسعة. بل جعله خليفة فيها وحمّله أمانة عظيمة لم تحملها الجبال الشامخات ولا السماوات والأرض، نفخ فيه من روحه، وأكرمه بالعقل والإرادة، وأمر الملائكة أن تسجد له تكريما لمكانته، ثم أودع في كيانه سرا جعله قادرا على الارتقاء إلى أعلى مراتب القرب من الله، أو الانحدار الى أسفل دركات الضياع.
كانت وظيفة الإنسان الأولى أن يكون شاهدا على الحق، وعاملا للخير، ومصلحا في الأرض لا مفسدا فيها. كان المطلوب منه أن يعمر الدنيا بقيم السماء، وأن يجعل من حياته جسرا يعبر به إلى النعيم الأبدي.
غير أن مأساة الإنسان الكبرى بدأت يوم نسي الغاية، وانشغل بالوسيلة، فشغلته الدنيا حتى نسي المقصد.
لقد تحولت الدنيا عند كثير من الناس من مزرعة للآخرة إلى غاية قائمة بحد ذاتها. فأصبح الإنسان يلهث خلف المال كأن الخلود يشترى، ويسعى وراء الجاه كأن العظمة تمنح من البشر. ويلهث خلف متاع زائل يعلم يقينا أنه سيتركه يوما ما خلفه، وكلما ازداد حبا للدنيا ازداد خوفا عليها. وكلما اقترب منها ابتعد من السكينة التي كان يبحث عنها فيها.
والمفارقة العجيبة أن الإنسان يطارد سرابا يعلم أنه سراب. فهو يرى الموت يحصد الأجيال من حوله، ويرى القصور قد أصبحت أطلالا، ويرى أسماء الملوك والأثرياء وقد طواها النسيان، ثم يظن في قرارة نفسه أن رحلته ستكون مختلفة عن رحلة من سبقوه، وكأن التأريخ الطويل للبشرية لم يكن سوى درس لم يتعلمه.
لقد تخلى كثير من الناس عن رسالة الاستخلاف واستبدلوا بها رسالة الاستهلاك. صار همّ أحدهم أن يأخذ أكثر مما يعطي، وأن يمتلك أكثر مما يبني، وأن يظهر بأكثر مما يكون. وغرقت الأرواح في بحر من القيل والقال واللهو حتى أصبحت الأيام تمضي دون أثر صالح يبقى، أو فكرة نبيلة تورث، أو عمل يقرب صاحبه من الله.
وفي خضم هذا الانشغال المحموم، نُسيت الجنة الموعودة، تلك الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. نُسيت من أجل ساعات قليلة من اللذة، أو سنوات معدودة من الترف، أو أوهام عابرة من الشهرة والسلطان، فباع الكثير الباقي بالفاني، واليقين بالظن، والكنز الأبدي بمتاع مؤقت لا يلبث أن يتبدد كالدخان حتى إذا جاء الموت فضحت الحياة.
إن أعظم أزمة يعيشها الإنسان ليست الفقر، ولا المرض ولا قلة الموارد، وإنما نسيان الغاية التي خلق من أجلها.فالإنسان عندما يفقد معنى وجوده تصبح كل نجاحاته الظاهرية أشبه بانتصارات وهمية تخفي خلفها فراغا روحيا عميقا.
أما حين يستعيد الإنسان وعيه برسالته، فإنه يرى الدنيا على حقيقتها، محطة عبور لا دار إقامة، ووسيلة لا غاية، وميدان اختبار لا موطن خلود.
وهكذا يبقى النداء الإلهي يتردد عبر العصور، يدعو الإنسان إلى العودة إلى وظيفته الأصلية: أن يكون خليفة الله في أرضه، حاملا قيم الحق والعدل والرحمة، عاملا لما بعد الموت مستعدا للقاء ربه. فمن عرف هذه الحقيقة عاش الدنيا بيده لا في قلبه، وسار فيها عابرا لا أسيرا، وجعل من كل خطوة فيها زادا إلى الجنة التي وعد بها المتقون.فطوبى لمن تذكر رسالته قبل أن تنقضي رحلته، وأدرك أن العمر مهما طال قصير، وأن الدنيا مهما زخرفت حقيرة.
ومن هنا تتجلى عظمة الإسلام، فهو ليس مجرد شعائر تؤدى في أوقات محدودة، ولا طقوسا تنحصر داخل جدران المساجد. بل هو منهج حياة كامل يعيد للإنسان وعيه بنفسه وبمهمته. لقد جاء الإسلام ليوقظ الإنسان من غفلته، ويذكره بأنه خليفة الله في الأرض، وأن عليه واجبا تجاه ربه ودينه وأمته والإنسانية جمعاء.
إن دور المسلم تجاه هذا الدين لا يقتصر على الانتساب إليه بالاسم، أو الاكتفاء بمظاهر التدين. بل يتمثل في حمل رسالته والدفاع عن قيمه، وتجسيد أخلاقه في واقع الحياة. فالمسلم مطالب بأن يكون صورة حية للإسلام في صدقه وأمانته وعدله وعلمه وعمله. وهو مطالب بأن يكون عنصر بناء لا عنصر هدم، وإصلاح لا إفساد.
لقد اختار الله تعالى هذه الأمة لتكون أمة الشهادة على الناس فقال سبحانه:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ). والشهادة هي مسؤولية حضارية ودعوية، يقدم فيها المسلم للعالم نموذجا يبرهن على صلاحية هذا الدين لهداية الإنسان وسعادته.
إن الإسلام لا يحتاج إلى من يرفعه بالشعارات، بقدر ما يحتاج إلى من يرفعه بالتطبيق والعمل.فحين يكون المسلم صادقا مخلصا لأمته، أمينا في مسؤوليته تجاه دينه ورسالته،وحين يستعيد هذا الفهم العميق لدينه يعود إلى موقعه الصحيح، الذي أراده الله له خليفة في الأرض، وشاهدا على الحق، حاملا رسالة الرحمة والهداية، عندها تتحول الحياة من سباق على الفاني إلى رحلة نحو الباقي، ليصبح كل عمل صالح، خطوة على طريق الجنة التي وعد الله بها عباده المؤمنين.
1448-01-17