العدد 479 -

السنة الأربعون ، ذو الحجة 1447هـ الموافق حزيران 2026م

الحرب الأمريكية على إيران وأزمة النظام العالمي

أ. بهاء الحسيني

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران في شباط/فبراير 2026، والمنطقة تعيش واحدة من أخطر مراحل إعادة تشكيل النظام الدولي والإقليمي. فالمعركة لم تبق مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى صراع يكشف أزمة النظام العالمي الرأسمالي كله، ويُظهر حدود القوة الأمريكية، كما يكشف في الوقت ذاته هشاشة الحكومات الوظيفية التابعة للغرب، وسقوطها المتسارع في أعين شعوب الأمة الإسلامية.

وكذلك جاءت تصريحات ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري، مجتبى خامنئي، لتكشف عمق الأزمة داخل النظام الإيراني نفسه، حين قال: «ليعلم رافضو المفاوضات ومن يرونها نضالاً أن العدو يريد إشغالنا بقضايا داخلية، واختلاف الآراء موجود دائماً لكن عندما يكون هناك قائد أعلى واحد فالكل يطيعه».

وهذا التصريح لا يمكن فصله عن حالة الضغط الهائل التي تعيشها إيران بعد أشهر من الحرب والعقوبات والحصار ومحاولات الاستنزاف العسكري والاقتصادي من أجل إرضاخها.

لقد دخلت أمريكا الحرب وهي تعتقد أن الضربات العسكرية المركزة، واغتيال القيادات، واستهداف المنشآت الحيوية، وإثارة الرأي العام الداخلي الإيراني، كفيلة بإسقاط النظام أو دفعه للاستسلام الكامل. لكن ما جرى على أرض الواقع كان مختلفاً، إذ التف قطاع واسع من الشعب الإيراني حول دولته في مواجهة العدوان الخارجي، ليس حبا بالنظام وانما لما رآه الشعب المقهور من استهدافه واستهداف البنية التحتية التي تخدم الشعب وليس النظام.  فاستهداف المدارس والجسور ليس استهدافاً لنظام، وإنما هو استهداف للشعب نفسه، وهذا يدل على عدو مستعمر حاقد على الأمة الإسلامية، وقد صرح أكثر من سياسي بذلك، ولذلك التف الشعب وأذعن للنظام، بل بدأ بالتصعيد ضد العدو الغاشم فتحوّلت الحرب إلى عبء إستراتيجي على واشنطن نفسها.

فالتقارير الغربية والأمريكية بدأت تتحدث صراحة عن مأزق أمريكي حقيقي. فقد أشارت تحليلات غربية إلى أن إدارة ترامب أصبحت “محاصرة”بخيارات صعبة، بعدما أثبتت إيران امتلاكها أوراق ضغط اقتصادية وعسكرية مؤثرة، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

كما أكدت تقارير دولية أن واشنطن باتت تبحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه بعد أن فشلت في تحقيق حسم عسكري كامل، خاصة مع تصاعد كلفة الحرب اقتصادياً وعسكرياً، وازدياد المخاوف من اتساع الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

ولهذا اتجهت الإدارة الأمريكية إلى مسار المفاوضات غير المباشرة في الدوحة عبر الوساطة القطرية والباكستانية، وسط حديث متكرر عن “اتفاق إطار”يشمل إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وتأجيل الملفات الأكثر تعقيداً كالبرنامج النووي إلى مراحل لاحقة.

لكن هذا التوجه الأمريكي نحو التفاوض لا يعكس قوة بقدر ما يعكس حجم الحرج الذي وقعت فيه واشنطن. فترامب نفسه عاد أكثر من مرة ليعترف ضمنياً بصعوبة الموقف، حين قال إن إيران “تراهن على الانتخابات النصفية”وإنه “غير راضٍ عما تعرضه طهران”، ثم عاد ليؤكد أن المفاوضات لم تصل إلى اتفاق نهائي بعد.

وفي الوقت ذاته، استمرت الضربات العسكرية الأمريكية المحدودة في محاولة للضغط على إيران وتحسين شروط التفاوض، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات على مواقع صاروخية وزوارق إيرانية قرب مضيق هرمز، بينما أكدت إيران إسقاط طائرات مسيرة أمريكية واستهداف قواعد انطلقت منها الهجمات.

إن ما يجري اليوم يكشف حقيقة الصراع الدولي المعاصر؛ فالنظام الرأسمالي الغربي بقيادة أمريكا بات غير قادر على فرض هيمنته المطلقة كما كان يفعل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. فالحروب الطويلة، والأزمات الاقتصادية العالمية، والتنافس مع الصين وروسيا، والانقسام داخل المعسكر الغربي نفسه، كلها عوامل أضعفت القدرة الأمريكية على إدارة العالم بالقوة العسكرية وحدها.

بل إن آثار هذه الحرب لم تقتصر على المنطقة، وإنما امتدت إلى الاقتصاد العالمي بأسره؛ فكل اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار النفط والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وقد حذرت تقارير اقتصادية دولية من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى اضطرابات أوسع في إمدادات النفط والتجارة العالمية.

كما أن حالة التوتر الدولي الحالية تأتي في ظل احتدام الصراع الأمريكي مع الصين وروسيا على النفوذ العالمي والتكنولوجيا والطاقة والممرات التجارية، ما يجعل العالم كله يعيش مرحلة انتقالية مضطربة تتآكل فيها هيبة النظام العالمي القديم.

وفي خضم هذه التحولات، تبدو الحكومات في العالم الإسلامي عاجزة ومشلولة، لا تملك قرارها السياسي ولا العسكري، بل أصبحت تدور بالكامل في فلك المشروع الغربي. فهذه الأنظمة لم تُبنَ أصلاً على إرادة الأمة، ولا على مشروع حضاري مستقل، وإنما قامت على أساس الحماية الغربية والتبعية السياسية والاقتصادية والأمنية.

ولذلك فإنها اليوم تقف موقف المتفرج على ما يجري في فلسطين ولبنان وإيران وسائر بلاد المسلمين، بل إن بعضها يشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في تثبيت المشروع الغربي عبر التطبيع والتنسيق الأمني والسياسي.

وقد أدركت شعوب الأمة الإسلامية هذه الحقيقة بوضوح؛ فصورة الحكومات الوظيفية تسقط يوماً بعد يوم في أعين الناس، بعدما بات واضحاً أنها لا تمثل الأمة ولا تحمل مشروعاً لتحريرها أو نهضتها، وإنما هي أدوات لضبط الشعوب ومنعها من التحرر من الهيمنة الغربية.

وفي المقابل، فإن الأمة الإسلامية رغم ما تعانيه من ضعف وتمزق، ما زالت تحمل في وجدانها توقاً عميقاً للتحرر والانعتاق من النظام العالمي الظالم الذي فرّق بلادها ونهب ثرواتها واستباح دماءها وجعلها سوقاً مفتوحة للمصالح الاستعمارية.

إن الأمة اليوم تبحث عن مشروع مبدئي حقيقي يعيد لها وحدتها وسيادتها وكرامتها، لا عن حلول ترقيعية داخل النظام الدولي نفسه. فالمشكلة ليست فقط في سياسات أمريكا أو الغرب، وإنما في النظام الرأسمالي الاستعماري القائم على الهيمنة والنهب وإشعال الحروب.

ومن هنا فإن الخلاص الحقيقي لا يكون بالارتماء في أحضان الشرق أو الغرب، ولا بالتفاوض على فتات المصالح، وإنما بإقامة قيادة سياسية مستقلة مخلصة لله ورسوله والمؤمنين، تحمل مشروع الإسلام باعتباره مشروعاً حضارياً عالمياً للبشرية.

إن الأمة الإسلامية تملك من العقيدة والثروات والطاقات البشرية والموقع الجغرافي ما يجعلها قادرة على أن تكون قوة عالمية كبرى إذا تحررت من التبعية وأقامت نظام الإسلام من جديد.

وتاريخ الأمة شاهد على ذلك؛ فبعد سنوات قليلة من وفاة رسول الله ﷺ استطاعت دولة الإسلام أن تُسقط هيبة أعظم إمبراطوريتين في العالم آنذاك؛ فارس والروم، وأن تتحول إلى دولة تقود العالم بالعدل والرحمة وتحمل رسالة الإسلام إلى البشرية.

وإلى هذا المشروع العظيم يدعو حزب التحرير، داعياً الأمة للعمل لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، باعتبارها الطريق الحقيقي لتحرير بلاد المسلمين من الهيمنة الغربية، وتوحيد الأمة، واستعادة قرارها السياسي والعسكري والاقتصادي، لتعود أمة الإسلام قوة عالمية تُحسب لها الأمم ألف حساب.

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾. وقال رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *